موسم التطبيع في الرسائل العلنية، التي جمعت رئيس جهاز الاستخبارات السعودي، الأسبق، الأمير تركي الفيصل بمستشار الأمن القومي الصهيوني، السابق، الجنرال يعقوب عميدور، خلعت كل لبس عن سابقاتها، والتي أجراها صاحب النفوذ في البلاط الملكي السعودي، الجنرال أنور عشقي.

وفي تكرار للقاءات السابقة، وتعدد أماكنها، والتي لم تعد سرية، سيطر «الخطر الايراني» على مجريات الحوار، إلى جانب مد جسور التعاون الاقتصادي بين الطرفين. وبحسب مقولة الأمير، فإنّه «دائما يُكرّر للمشاهدين اليهود أنه بالعقول العربية والمال اليهودي يمكننا المضي قدماً بصورة جيدة في مختلف المجالات العلمية والتكنولوجية».
فبوابة الاقتصاد التي يحاول منها الأمير فتح شهية عميدور لم تعد مغرية كثيراً، خصوصاً أمام ملفات أكثر حساسية وجوهرية، وعلى رأسها التعاون الاستراتيجي في قضايا المنطقة، من إنهاء وتصفية القضية الفلسطينية وفتح صفحة جديدة من التعاون لترتيب أوراق المنطقة، في مواجهة مفتوحة مع محور المقاومة لـ«إنهائه»، وفق مخططات جهنمية. إذ تواصل دوائر الاستخبارت السعودية والتركية على تسخينها في الصراع المحتدم في المنطقة وإعطائه عنواناً «مذهبياً».
هكذا تبدو الصورة الأولية للقاء، الذي جمع الاثنين، في المناظرة التي نظّمها «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى». أما التفاصيل فتذهب إلى أن علانية المناظرة التي نظمها المركز الأكثر قرباً من الكيان الصهيوني تقول إن «تشكل هذا الحلف خرج من إطار سريته، وبدأ خطواته الفعلية للمرحلة المقبلة، بعد أن هَيئت اللقاءات السابقة والوفود الصهيونية، التي زارت الرياض، المنصة للخروج بهذه الصيغة التي ستحمل معها إفرازات جديدة، قد تطرح على ما يسمى بجامعة الدول العربية، أو غيرها، من المؤسسات التي تخضع للنفوذ المالي السعودي».

«صلاحيات» قيد المناظرة

تلقف ميدور ما طرح في المناظرة، حول العلاقات التي يجب أن تسود بين الكيان والسعودية ومواجهة الأخطار في المنطقة وعلى رأسها «الخطر الإيراني». تحدّث عن الخطر الوجودي، الذي يهدد كيانه، حزب الله وإيران. أما الفلسطينيون فيعيشون في أمانٍ أكثر من الدول العربية، مشيراً إلى أن الملف الفلسطيني يحتاج إلى تسوية. وقد اتكأ بهذا الطرح على رؤية الأمير تركي، الذي لفت إلى أن رئيس السلطة، في رام الله، يعارض أي انتفاضة مسلحة. ليذهب إلى أن مبادرة السلام العربية (2002)؛ وهي النسخة التي يجب أن تعتمد، تتضمن إنهاء حق العودة لـ8 ملايين لاجئ فلسطيني من دون أن يقول ذلك بشكلٍ مباشر.

«القفزة» الجريئة للأمير تركي ليست وليدة لحظتها، بل تستند إلى ممارسات المملكة

«القفزة» الجريئة، كما وصفتها صحف صهيونية، للأمير تركي ليست وليدة لحظتها، أو مجرد جس نبض علني. بل تذهب إلى فعلية الممارسة، التي تقودها المملكة في حربها المفتوحة على سوريا وإيران وإفشال أي جهود سياسية يمكن أن تسحب فتيل النار في المنطقة، كدعمها المتواصل لـ«وفد الرياض» لإفشال مفاوضات «جنيف»، وإشعال جبهة حلب بالاستعانة بالحليف التركي، الذي قدم أسلحة نوعية للمجموعات التي يتبناها، ووفّر لها طرقاً لوجستية. فالرياض في حرب الوكالة، وفي ضوء التحالف الجديد التركي _ الصهيوني، ترسل لحليفها الأميركي (المتردد في تبني كل خطواتها وفق تفاهماته مع روسيا)، أنها تملك خيارات في اعادة التموضع، وهذه المرة مع «إسرائيل مباشرة دون وسيط».
فـ«إسرائيل»، هذه المرة، تعني وفق المملكة التوافق على ملفات اعتُبرت طيلة عقود الصراع من المحرمات المس بقدسيتها، وعلى رأسها الملف الفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني في المقاومة واستعادة أرضه و«مركزية الصراع». وطالما أن الكيان الصهيوني سيوفر لها شبكة أمان في حربها على الجمهورية الإسلامية في إيران، فإن الممكلة ستتعهد المملكة بملاحقة المقاومة والتضييق عليها ووصمها بالإرهاب، وتطويع الشارع العربي والإسلامي، إن تمكنت، في شرعنة كيان الاغتصاب.
الهجوم السعودي على التطبيع مع الكيان، واستبدال الحليف الأميركي بالإسرائيلي، ولو في هذه المرحلة الدموية التي تقود فيها الحروب على أكثر من جبهة، لا يلقى ردَّ الفعل المطلوب من الشارع العربي، المكبّل بالسياسات الإقليمية، وفتور أو لا مبالة من دول عربية وإسلامية، تخشى من مواجهات مفتوحة مع المملكة.
وكأن «لاءات» الخرطوم الثلاث في مؤتمر القمة 1967 «لا سلام، لا اعتراف، لا مفاوضات»، نامت في أوراق ذاك المؤتمر. وغدت المصافحات في المؤتمرات واللقاءات طريقاً إلى فتح السفارات في المستقبل، والذي يبدو أنه لم يعد بعيداً.
أعلنت المملكة عن جهنمية المشاريع والتحالفات المتطايرة التي تديرها. فهي تتحكم بالقرار الخليجي، وتوجيه السياسات في المنطقة، وفق حروب تديرها، من تدمير لليمن ودعمها للإرهاب في سوريا والتنازل عن فلسطين والمقدسات... وكأنها الوكيل لشعب يقاتل منذ أكثر من 100 عام.
نكبة المنطقة العربية اليوم أشدّ هولاً، ونحن على أعتاب الخامس عشر من أيّار، ذكرى اغتصاب فلسطين. نكبتنا هي أنظمة عربية لم تعد تخشى حركة الشارع العربي والإسلامي، حيث غدا لها المقدّس الوطني قفازات تخلعها متى تشاء. وتعتبر مغتصب الأرض وقاتل أطفالنا حليفاً استراتيجياً، وتشعل ألسنة اللهب في أكثر من منطقة.
هل أصبحت المملكة حصان طروادة؟ ونحن أمام مرحلة قادمة ستسفر عن فتح سفارات علنية، طالما أن ما يطرح في اللقاءات مجرد الحديث فيه خيانة وطنية! قد نكون أمام مرحلة مركبة في الأيام القادمة، لكنّ الأكيد أنه لا رمادي فيها. فالرمادي تبخّر في سياسات عدد من الأنظمة العربية، التي بدأت تشرع أبوابها لنشيد «الهاتيكفا».
مع هذا اليباب والتصحر السياسي الرسمي العربي وتزيين الهزائم على أنها انتصارات، تبقى صورة المقاومة هي الأبقى... وستنتصر.
* كاتب وإعلامي فلسطيني