ليس غريباً رؤية العالم يتخبط في تطورات المرحلة التي تضيع البوصلة فيها. ففي الحرب الباردة بين الجبارين، انقسم العالم واصطفّ في محورين. كان من السهل على الانسان أن يحدّد تطورات الأمور وفق بوصلة ذلك الانقسام بين القوتين الكبيرتين.

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وأحادية السيطرة الأميركية، تحكّمت الولايات المتحدة في كافة مجالات الحياة، ومنها المجال الإعلامي. ساد التضليل وضاعت البوصلة واختلطت التوجهات، وهبطت نسبة الوعي. ويمكن التعبير عن ذلك بمقولة القائد الألماني، جوزف غوبلز، «أعطني إعلاماً بلا ضمير، أُعطِك شعباً بلا وعي».
وتحت وطأة التهويل الإعلامي بعقم إعلام «العالم الثالث»، وقعنا تحت تأثير فكرة إعلامنا الموجّه وبأنّه موظّفٌ لأجندات السلطات المالية والسياسية، خصوصاً حين يكون إعلام سلطاتٍ حزبية. وصدّقنا أن الإعلام الغربي هو إعلام ديموقراطي ومنزّه عن الشوائب... وهو في مكان، والسلطات في مكان آخر.
ليس لدينا بروباغندا ولا مراكز أبحاث تظهر إلى أي مدى كُلٌّ من إعلام العالم، حُرٌّ، وغير موظّفٍ لأجندات السلطات. ولأننا لا ندّعي امتلاك المعرفة اللازمة، والكافية، بهذا الشأن، سنكتفي بعرض بعض ما ورد في الصحافة الغربية، في الآونة الأخيرة تاركين المجال للبحث والنقاش بأن يأخذ مجراه بهذا الصدد. لكنّ تجربة صارخة، لا يعترض أحد على إدراجها لشدة وضوحها، كما يعرف الجميع، وهي تجربة إعلام حرب العراق، ودور بعض الوسائل الإعلامية في ضبط المعلومات، وتسريب ما يلزم، وحجب ما لا يلزم، بتوجيه من القيادة العسكرية والمخابراتية للمعركة، لصالح قيادة المعركة، أي السلطة الأميركية. يعرف الجميع أن الصحافيين حُجزوا في فنادق بغداد، وكثيراً ما منعوا من الخروج. فكانت المعلومات المقننة ترد إليهم وفق رؤية وحاجة القيادة العسكرية.
بدأ وعينا يهتز. فهمنا أننا مضللون بما يخص الإعلام الغربي، منذ تلك الفترة. وما يمارسه الأخير بصورة دائمة قد يفتح باب نقاشٍ واسعٍ على ماهية الصحافة الحديثة، ودورها في التعبئة، وصنع الرأي العام. يغيب توقنا لصحافة الأيام الجميلة أواخر القرن التاسع عشر، وامتداداً حتى أواسط القرن الماضي. كان القلم يكتب في كثير من الأحيان بعقل ثقافة وفكر تأثرت بعصر التنوير الذي أَفَل. نتوق لكتّابٍ أمثال ناصيف اليازجي، وجرجي زيدان، وأحمد فارس الشدياق، ولأدباء عرب وصحافيين طبعوا الصحافة بطابع فكري وأدبي وثقافي راق. لكن عصر هذه الأقلام والعقول قد انطوى، تحت وطأة التكنولوجيا الحديثة والسريعة. لكن الأهم تحت وطأة التوجيه الإعلامي الغربي، وتوظيف الإعلام في الأجندات السياسية، وتخصيص الصحافة لصناعة رأي عام وفق رغبة ومصالح السلطات السياسية القائمة.
بعض أبرز ما تناولته الصحافة الغربية، مؤخراً، الأميركية والبريطانية تحديداً، تنظيم «داعش» والمملكة العربية السعودية. فالأوّل يلخّص كل المفهوم الذي اتفق العالم على محاربته، تحت عنوان «الإرهاب». ولزاماً تجييش كل الأسلحة في خدمة هذه الحرب. ولا بد من الإشارة، إلى خلاصة مقال لـ«نيويورك تايمز»، عن السلاح السيبيري الجديد في محاربة «داعش»، حيث تنهي الصحيفة مقالها بأن «أحد الجهود تضمّن تضخيم شهادات منتمين هاربين من التنظيم يكشفون وحشية ممارساته».
وبات من المعروف، أيضاً، الخلاف بين المملكة السعودية والولايات المتحدة. «لا عودة للأيام الخوالي»، قالها أحد الأمراء، وضمناً أن ما كان بين الاثنين أكثر بكثير من عشق، وعندما دخلت «الضرّة» الإيرانية بدأ هذا العشق يتفكك.
كيف تناولت بعض الصحف الغربية هذين الموضوعين؟
صحيفة «غارديان»، البريطانية، نشرت رواية التجربة الطويلة لأحد مقاتلي «داعش». عرّفه التقرير بـ«أبو علي». لا نعرف لماذا لا تذكر الصحيفة اسمه الحقيقي. فالصحافة الصادقة والموثوقة، كما هو معروف، هي الأكثر توثيقاً في تقديم معطياتها. وبمجرّد أن تكتفي صحيفة بحجم «غارديان» باسم ملتبس، حتى يصبح المقال كلّه محفوفاً بالالتباس.
تبدأ رحلة «أبو علي» في مسار لا يغيب عنه التركيب السينمائي. من بدايته حتى نهايته، ومروراً بوسطه. يفتتح رحلته بقصّة عاطفية، حينما فقد والده، فتأثر وانعكس ذلك اضطرابا في حياته الزوجية. ليجد أنه لا بد من الانتماء إلى «داعش»، حيث يمكن أن يعوّض عن نقصه المادي والعاطفي. يطلّق زوجته بعد نفوره منها، ويلتحق بالتنظيم.
وبالانتقال إلى الخاتمة، وبعد تمكّنه من الهروب من «داعش» بمساعدة زوجته، ينتهي فيلم رحلته «الداعشية» بمشهد غرامي سينمائي، حيث عاد إلى زوجته التي كانت تنتظره في طريق عودته، ويسترجع حالة العشق بينهما كما في سابق عهدها.
لكن الأبرز في الرواية، والتي لا يمكن تغييب الشك بمصداقيتها، كما بإمكانية تركيبها، هي رحلته متنقلاً في مناطق سيطرة التنظيم، واختباره لها بما نفَّره منها. فلو رصدنا كل ما نُشر عن «داعش»، تقريباً، من ممارسات وحشية، وجدناها في المسار الذي اختبره «أبو علي». وبالطبع لم يكن له، ولا الأكثر إيماناً منه بالتنظيم ليحتاج إلى كل هذا الكم من التجارب العينية حتى ينفر. لكن لا بد للفيلم أن يُركّب بأقصى ما يمكن من تعبئة وتحشيد روايات...
ومصادفة يجد «أبو علي» في إحدى الغرف المهجورة تلفزيوناً شغّالاً، فيعلم بذلك أحد رفاقه فيحطمه لأنه غير شرعي. ثم الانتقال إلى شقة فيها عدد من السبايا، فيقتلهن أحد العناصر، لأنهن كن سبباً في خصام المقاتلين. ثم كيف يعدم «داعش» الآلاف من أبناء القبائل التي لم تبايعه.
تكبر الروايات ويزداد النافرون. فيتأمّن لهم فيلم المنقذين بطريقة «هوليوودية»، تذكّر بجيمس بوند الذي لا يقهر. وهم مقاتلون يرتعون في مناطق «داعش»، سرّاً والتنظيم لا يدركهم، ويتولى نقل التائبين إلى الخارج.
وبفيلمٍ آخر، ضمن السردية نفسها، يصل أبو علي إلى مقهى، يقدّم خدمات الإنترنت. وعبر تطبيق «الواتس آب»، تمكّن من التواصل مع المنقذين، ومع زوجته التي أدلت بمعلومات مفيدة ساهمت في انقاذه. فحضر المنقذون بفيلم «جيمس بوندي» جديد وتمكّنوا من تهريبه إلى تركيا من دون مقابل... فتوجه إلى زوجته، وعادا فتزوجا، ومضيا نحو حياة أجمل.
رواية ثانية من «الإندبندنت»، عن تحليل وثائق سرّبها تائب من «داعش». أولى الروايات لفتت إلى أن مقاتلي التنظيم متعلمون غير ملمين بالشريعة الإسلامية. ثم تنتقل الصحيفة لتستند على تسريبة مخابراتية مصدرها «مركز مكافحة الإرهاب»، التابع للجيش الأميركي (CTC)، تفيد بأن كل المؤشرات تدل على أن المخابئ الأصلية للوثائق فيها تفاصيل لـ٤١٨٨ مجنداً التحقوا بـ«داعش» بين عامي ٢٠١٣ و٢٠١٤.
كيف تمكن هذا العنصر من معرفة كل تلك التفاصيل والأرقام؟ ما يشير إلى فلتان في صفوف «داعش». إذ يمكن لأي متطوع الوصول إلى حيث يشاء، لكشف أسرار التنظيم. ثم تورد الصحيفة أرقاماً مستقاة من استمارات الانتماء لـ«داعش»، وتعطي تفاصيل عن واقع التنظيم. ثم يتحدث التقرير عن قلق مركز مكافحة الإرهاب من «داعش»، لأن عناصره يعملون في تقنيات تمكنهم من استخدامها بتصنيع متفجرات، وتنفيذ عمليات اغتيال، وما شابه. منها، مثلاً، تقنيو بترول، وجنود سابقون، واختصاصيو معلوماتية، وطيارون، وتقنيو طائرات، وضابط طيران أمني، والذي سبق أن عمل في وزارة الداخلية السعودية... انتقالاً إلى اتهام «داعش» بالتعامل بالمخدرات، وصولاً إلى معاناة العناصر من أوضاع نفسية سيئة. وتنتهي الرواية بالتوصل إلى كشف كل اسرارها، وتالياً تردّد الشبان من الالتحاق بصفوفه خشية انكشافهم.
الوثائق المعتمدة لتحليل «الإندبندنت» هي أوراق أشبه بالاستمارات. قد تكون حقيقية، لكن يمكن تركيبها بسهولة من قبل أشخاص عاديين. فكيف بالنسبة لأجهزة مخابراتية. ويبقى أن العنصر «الداعشي» الذي سرّب الوثائق والمعلومات، لا تظهر له صورة، وليس له اسم، والحجة طبعاً «أمنه الشخصي». لكن توثيق الرواية تنقصه المصداقية، وتأكيد صحتها، إن بالنسبة للاستمارات، أم للعنصر «الداعشي» التائب. ويحتمل المقال تهمة التركيب والتسريب المخابراتيين.
وفيما يتعلق بالتوجيه والتعبئة الإعلاميين ضد السعودية، وقد جاء ذلك قُبيل زيارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، للمملكة، تستدعي «النيويورك تايمز» معلومات هدفها إدانة السعودية وتحميلها مسؤوليات كبيرة في أحداث عالمية، أبرزها أحداث ١١ ايلول. تتحدث عن تقارير ومعلومات. تقول إنها موجودة في أروقة المخابرات، والمحاكم الأميركية. ورغم وجود المعلومات منذ سنوات طويلة، لم تحرك أيّة إدارة أميركية تلك الملفات. وإذا كانت أصلاً صحيحة، فقد حرّكتها عندما وقع الخلاف بين أميركا والسعودية، على خلفية الاتفاق الإيراني _ الغربي.
وتمضي الصحيفة في تقريرها «السعودية تهدد... ومسؤولون أميركيون يخففون» في الجدل والتجاذب حول الإتهامات للمملكة، وإمكانية تورّطها في أحداث أيلول 2011. فلحظة تشدُّ ولحظة أخرى تُرخي. تحاول الاتهام والتبرئة في آن. ولا تصل إلى نتيجة محدّدة لكنها تستخدم لهجة لا تخلو من التهويل.

أبرز ما تناولته الصحافة الغربية
مؤخراً تنظيم «داعش» والسعودية

وينتقل التهويل مع «الإندبندنت» في عنوان «الأوراق السريّة حول السعودية و11 أيلول... ما نعرفه حقاً».
تستخدم الصحافة وثائق مبهمة أسمتها صفحات مصنفة، وتذكر أنها ٢٨ صفحة لم يجر نشرها، وفيها ترويج لمعلومات قد تدين السعودية بصورة مطلقة في التورط بأحداث ١١ أيلول. لكنّ الصفحات ما تزال غير معروفة من أحد، ويفترض أنها موجودة لدى أروقة المحاكم الأميركية، أو جهاز استخباراتها المركزي. والصفحات بالتأكيد ليست أوراق جلد غزال قديمة ومعمّرة، ولا أوراقاً هيروغليفية لا يمكن كتابتها وتدبيجها كيفما اتفق. إنها باختصار «٢٨ ورقة، موجودة في غرفة مقفلة في قصر الكابيتول في واشنطن». تستند الصحافة «الحرة» على افتراضات، توهم بها الرأي العام ما ليس واضحاً، ولا بيّناً، وفيها تلميح إلى تضمنها لـ«عظائم الأمور». كانت ممارسة صحفية خارجة عن علم الصحافة وأصولها، ولكي تكون علمية يجب وضع الوثائق بين أيدي المواطن للتثبت من صحتها. لكن الصحافة الأجنبية لا تتردد في استخدام الأسلوب الاستخباري للترويج لموقفها السياسي، وللابتزاز السياسي في آن. وبالتالي، تستدرج اتهامها بأنها ليست صحافة حرّة، أو مستقلة، كما تريد من صحافة العالم الآخر.
في مجلة الـ«فورين بوليسي» أسلوب متمم لزميلاتها، والتي يمكن أن توصف بـ«الصحافة الاستخبارية». مثلاً، تورد المجلة العبارات التالية «ففي البيت الأبيض، هذه الأيام، تسمع تذكيرات للزوّار من قبل المسؤولين في مجلس أوباما للأمن القومي، بأن غالبية المهاجمين، خاطفي طائرات 11 أيلول، لم يكونوا إيرانيين، بل سعوديين». تشي بذلك أن السعودية كمملكة ودولة وسلطة، هي وراء العناصر السعودية. ثم تحاول اتهام أمراء في دعم هؤلاء العناصر. وتمضي باسلوب استخباري مستنجدة بصحف أخرى. تضيف «كما سبق في إحدى افتتاحيات (وول ستريت جورنال)، في آب ٢٠٠٢، هناك من الصلات بين خاطفي الطائرات والبيت السعودي أكثر بكثير مما يعترف به الكثيرون». وقد ارتكزت على تلك المقالة، رواية ٩ كانون الثاني في
«U.S. News & World Report»، تحت عنوان «مدفوعات أميرية» والتي قال فيها مسؤولون كبار في الاستخبارات، ومسؤول رفيع سابق في إدارة كلينتون، بأن أميرين سعوديين كبيرين كانا يموّلان زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن، منذ تفجيرات الرياض ١٩٩٥، والتي قتل فيها خمسة من المستشارين العسكريين الأميركيين.
مع العلم أن أسامة بن لادن ينتمي قبل تأسيس «القاعدة»، إلى مجموعة بن لادن للاستثمارات، وهي من أكبر وأضخم التجمعات الاقتصادية العالمية، وهو كان مساهماً فيها، وعنده أملاك وأموال لا تأكلها النيران.
تستدرك الصحيفة الموقف الاتهامي الجزافي بالقول إن «الأمراء السعوديين نفوا ذلك بشدة». تتضح من المطالعات في الصحف روائح التلاعب بالمعلومات والتقارير، ولا تتردد في استخدام التقارير غير الواضحة الممنوعة على الصحافة الحرة الحقيقية.
يتسع الكلام للكثير، ونكتفي بأن الصحافة الأميركية تتهم «القاعدة»، وتمويل أمراء سعوديين لها، بأعمال إرهاب في العالم، معتقدة بأن القرّاء لا يدركون أن «قاعدة» بن لادن نمت في كنف أميركا، من أجل محاربة الاتحاد السوفياتي. فهي التي دربت عناصر «القاعدة» على القتال، وعلى التعبئة، وغالبية عناصرها المهمين مكثوا في الولايات المتحدة، في رعاية الدولة، التي لا تخفى عليها هذه الأمور، وليس من المستبعد أن تكون عناصر «القاعدة» هذه قد قامت بالتفجيرات.
ما المصلحة السعودية في ذلك؟ ليس واضحاً، سوى أنها كانت أداة تستعملها أميركا متى شاءت. فالسعودية أقل من وكيل، وقد تكون عملت بالوكالة عن السيد الأميركي، وبأوامر منه، ما من شأنه أن يطرح أكثر من سؤال عن بقية المستور في ساحات أخرى.
أما الواضح فإن الولايات المتحدة اتخذت من هذه الأحداث لتبرير هجومها الكاسح على العالم. من أين كانت الولايات المتحدة ستؤمّن تبريراً لهجومها لو لم تقع أحداث ١١ أيلول؟ الجواب في كل قلوب كل أبناء العالم الحر.
* كاتب لبناني