روى لي إدوار سعيد في أوائل التسعينيات أن نوّاف سلام (مندوب لبنان في الأمم المتحدة) ومحمّد مطر (محامي آل الحريري) زارا في أوّل عهد أمين الجميّل، الرئيس المُعيّن حديثاً من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وعرضا عليه أن يوزّرَهما لأنهما يمثّلان جيلاً جديداً من المسلمين المتعلّمين المثقّفين، وأن عهده الجديد يحتاج إليهم. وكان سعيد يسخر من الفكرة نفسها. (للأمانة، عندما أخبرت نوّاف سلام بذلك، نفى أن يكون ذلك قد حصل، مع أن سعيد أصرّ على صحّة القصّة). الطبقة المتعلّمة، خصوصاً في صفوف الطوائف التي كانت محرومة بقصد عن التعليم (بفعل سياسات الدولة الطائفيّة وبفعل مدارس الإرساليّات التي كانت تريد تنصير المسلمين لا تعليمهم)، تريد موقعاً لها كي تجد الحلول لكل المشاكل. لكن الموضوع لا يتعلّق بصعود أبناء وبنات طبقة على حساب أخرى، ولا يتعلّق فقط بصراع بين متعلّمين ومتعلّمات.
الخطورة في صعود

طبقة الإداريّين أنها تجعل من نفسها فوق السياسة


لا شكّ أن انتخابات بلديّة بيروت حازت تغطية إعلاميّة واسعة، ولا شكّ أن حملة «بيروت مدينتي» نجحت في لفت الأنظار إليها، في بداية الانطلاق. ولا شك أن التغطية المتعاطفة معها في بعض وسائل الإعلام مردّه إلى العلاقة الوثيقة بين بعض الإعلام وبين بعض الإداريّين الحِرَفيّين — أي صلب وقاعدة الحملة. ولا شكّ أن الحراك الشعبي في لبنان نجح في إقناع فئة من الشعب اللبناني أن هناك قطاعاً مدنياً فوق الطوائف والتحزّبات، وفوق الخندقيْن، أو ما بعدهما. والذي يساهم في نشر وهم الوسطيّة والحياديّة و«الحوكمة» هو أن الطبقة الحاكمة في لبنان تحتاج إلى إعادة إنتاج نفسها، لكن بتعليب جديد وبإخراج مبتكر. لكن هل «بيروت مدينتي» يمكن لها أن تمثّل قطاعاً حاكماً جديداً، فوق الأحزاب والطوائف كما تقول عن نفسها؟ وهل يمكن القبول بفكرة أن حسن النيّة وحدها (ولا يمكن انكاره عن بعض أفراد الحملة ومناصريها) كفيلة بكسر السيطرة الطبقيّة الحاكمة (والتي تتعانق فوق حدود الصراعات الطائفيّة)؟ وهل يُسمح للطبقة المتوسّطة، أو لبعض شرائحها، بالدفاع عن مصالح طبقيّة مستقلّة عن مصالح الطبقة الحاكمة؟ ماذا تقول تجارب دول أخرى؟ يقول جاد شعبان لـ«نيويورك تايمز»: «نحتاج لأشخاص مثلنا في السلطة».
إن الترويج الذاتي لحملة «بيروت مدينتي» يعكس صعوداً اجتماعيّاً جديداً لطبقة تريد موقعاً مميّزاً لها في السلطة السياسيّة. وهي لا تنافس الطبقة الحاكمة بقدر ما هي تريد نفوذاً أكبر إلى جانبها وفي صفّها. وقد ذكر شعبان (الذي له دراسة قيّمة عن سيطرة السياسيّين في القطاع المصرفي اللبناني وأخرى عن جَوْر السياسة الضريبيّة في لبنان) في يوم الانتخابات أن الحملة هي «وليدة المجتمع والواقع لذلك راعت مسألة الطائفيّة والتمثيل العائلي». لكن ألا يجب على الحركة التغييريّة أن تسعى إلى تغيير المجتمع والواقع، وأن تتخطّى الوعي الطائفي والعائلي؟ هل أن المجتمع والواقع منزلاّن، أم أنهما عقبة أمام الطموح الذي تعبّر عنه الحملة؟
إن إعلان قائمة «بيروت مدينتي» سبقه حملة ناجحة من الإصرار على العمل البلدي كوسيلة لمحاربة الفساد. والعمل البلدي لا يُستهان به، أو لا يجب أن يُستهان به. قبل سنوات عديدة (في الثمانينيات)، جمع هشام شرابي في جامعة جورجتاون عدداً من الزملاء في حلقة مناقشة كتب شهريّة، وكانت كتابات ميشال فوكو قد بدأت تغزو دوائر العلوم الاجتماعيّة والانسانيّة في أميركا. وأذكر أننا قرأنا لميشيل فوكو وكان اعتراض من قبل اليساريّين التقليديّين عليه أنه لا يعطي وصفة للتغيير السياسي. وكان فوكو دائماً يعترض على هذا النقد، ويقول إن الوصفة موجودة في كتاباته. وكنتُ أردّ بالقول إن فوكو -كما قرأته- يرى أن مقارعة السلطة يكون في مواقعها غير المُركّزة أو المكثّفة، وأنه من الضروري محاربة السلطة في تجليّاتها المحليّة والمتنوّعة... وأن السلطة ليست دولة فقط، بل نظام تعليمي وطبّ وسجون وإدارات، الخ. وعليه، فإن مواجهة الطبقة الحاكمة في لبنان لا تكون فقط في مواجهتها في ساحة النجمة، بل أيضاً في نقابة الصحافة والاتحاد العمّالي المسطو عليه وفي نقابة الأطبّاء وفي أصحاب المطاعم وفي إدارة السجون، الخ. هذه هي الفكرة. وفكرة ضرب الدولة في مواقعها الأضعف ليست ضعيفة إذا لم تكتفِ بضرب الدولة في هذه المواقع، بل في ترافق ضرب الأطراف الأضعف مع التركيز على مقارعة المركز. لكن البلديّات بقدر ما هي تشكّل نقطة ضعف للنظام الحاكم، هي أيضاً تعبير عن أكثر القيم الرجعيّة والمتخلّفة في المجتمع: الطائفيّة والعائليّة والعشائريّة. والعصب الطائفي هو الذي أنقذ قائمة الحريري في بيروت، كما أنه ينقذ دائماً قوائم الأحزاب الطائفيّة (من «أمل» وحزب الله إلى التيّار العوني و«القوات» و«الكتائب»).
لكن هل أنّ الهدف عند «بيروت مدينتي» هو ضرب الدولة أم «العبور إليها»، على طريقة عبور فؤاد السنيورة إلى الدولة؟ أم هي على طريقة التزاوج بين المجتمع المدني في طرابلس وبين أشرف ريفي (لا ينفكّ أشرف ريفي عن وصف نفسه بأنه «أمني حِرَفي»، فيما هو يصف معارض له بـ«الحمار»، ويدعو مفتي طرابلس أن «ينضب»، وينسب الفساد في قوى الأمن إلى ضابطيْن من الشيعة). لكن ما نشهده في الانتخابات اليوم قد يكون إطلالة لطبقة «الإداريين الحرفيّين»، أو ما يُعرف أميركيّاً باختصار «بي. إم. سي».
رصد جون وبربارة إيرنرايخ منذ أواخر السبعينيات صعود طبقة الإداريّين الحِرَفيّين في أميركا. وهي طبقة المديرين (والمديرات وإن بنسب أقلّ بكثير بسبب استمرار الهيمنة الذكوريّة التي تسمح بدخول النساء إلى سوق العمل لكن في مواقع أدنى وبمرتبّات أقل) الحِرَفيّين من أصحاب الشهادات المتخصّصة (في دراسات عليا). وهذه الطبقة منذ صعودها كانت في تضاد مع الطبقة العاملة ومع الطبقة المتوسّطة التقليديّة من أصحاب الأعمال الصغار. وهذه الطبقة صعدت بناء على إيمان عميق بأهميّة الشهادات والاختصاصات وأنها كفيلة بتصحيح الظلم الاجتماعي في صلب النظام الرأسمالي. أي أن هذه الطبقة تؤمن بأن على يديْها يتمّ إنقاذ النظام الرأسمالي. هي إصلاحيّة لكن بقدر ما يسمح النمط الرأسمالي بالإصلاح.
وطبقة الإداريّين الحِرَفيّين تضم في ما تضمّ المديرين الإداريّين والفنّانين وأساتذة الجامعات والإعلاميّين (والإعلاميّات) والمحامين والأطبّاء والمهندسين. لكن جون وبربارة إيرنرايخ أعادا النظر مؤخراً في نظريّتهما من السبعينيات عن صعود هذه الطبقة. فقد لحظا في دراسة بعنوان «موت الحلم الـ يبّي»: صعود وسقوط طبقة الإداريّين الحِرَفيّين» (الصادرة عن مؤسّسة روزا لكسمبورغ) أن تميّز هذه الطبقة تعرّض لاهتزاز بسبب التغييرات الجمّة في النظام الرأسمالي المحلّي والعالمي. فطبقة أساتذة الجامعات، مثلاً، لم تعد تتمتّع بالثقة (الماديّة) إذ ان نظام التثبيت الأكاديمي يتعرّض للهجوم من قبل المحافظين في الولايات الأميركيّة، كما ان نسبة الأستاذة المؤقّتين باتت تفوق نسبة الأستاذة المُثبّتين في الجامعات الأميركيّة (في ولاية كاليفورنيا، يصل الاعتماد على الأستاذة المؤقتين غير المُتفرّغين إلى أكثر من نصف الأساتذة لأنهم أرخص وأقل تسبّباً بـ«المشاكل» بسبب حاجتهم الماسّة إلى الدخل غير المُستقرّ — يُطلق عليهم أحياناً وصف «عمال مطاعم الوجبات السريعة») بالإضافة إلى الصرف الكيفي في كل المؤسّسات الإعلاميّة. كما أن نقل الشركات من أميركا إلى دول نامية للتوفير وللهروب من حقوق العمّال المكتسبة أضعف من طبقة المديرين التي عانت مثل غيرها من المكننة. كما أن الأطبّاء والمحامين باتوا أكثر نزوعاً للعمل في شركات طبيّة عملاقة وشركات محاماة كبيرة، مما يحوّلهم إلى موظّفين غير مستقلّين في النظام الرأسمالي.
أما توماس فرانك في كتابه الجديد «إسمع، يا ليبرالي: أو ماذا حلّ بحزب الشعب؟»، فهو يصبّ جام غضبه على هذه الطبقة بالذات، لأنه ينظر إليها على أنها خانت الطبقة العاملة والطبقة المتوسّطة التقليديّة من خلال اعتناق برامج تخلّ بالعدالة الاجتماعيّة (هذا ما حدث في الحزب الديمقراطي في أميركا وفي حزب العمّال في بريطانيا وفي الحزب الاشتراكي في فرنسا). وتتلخّص عقيدة طبقة الإداريّين بالإيمان بتفوّق حملة الشهادات على غيرهم، وأن الاختصاص يمكن أن يُحقّق العدالة لأن التراتبية تصبح عادلة ونزيهة إذا كانت بناء على التخصّص وحمل الشهادات (بالرافعات الاجتماعيّة): أي أن مشكلة ظلم الرأسماليّة هي تقنيّة وتطبيقيّة فقط. والفكرة في حد ذاتها إشكاليّة لأن التخصّص وحمل الشهادات هو نتاج الطبقيّة غير العادلة في المجتمع، وما الترويج لحالات الاستثناء (على طريقة الحلم الأميركي) إلّا للتدليل على قدرة النظام الرأسمالي على اجتراح المعجزات. أكثر من ذلك، يلوم فرانك وعن حق هذه الطبقة لأنها سوّغت للتفاوت الطبقي وللظلم الاجتماعي لأنها تقول بمنطق أن المساواة مقبولة عندما تكون بناء على تفاوت في الاختصاص والمستويات التعليميّة. ويستشهد فرانك بقول شهير للاري سمرز (مسؤول اقتصادي سابق في إدارتيْ كلينتون وأوباما ورئيس سابق لجامعة هارفرد) عندما قال إن تفاقم التفاوت الطبقي يعود إلى سبب حقّاني أو شرعي: أي أن الكفاءة التعليميّة والتخصصيّة ترفع مَن تشاء وتنزّل مَن تشاء. (وهذا هو الشخص نفسه الذي نسب التفاوت في نسبة النساء في اختصاص العلوم إلى تفاوت في القدرات بين النساء والرجال - وهذا القول كان واحداً من الأسباب التي أدّت إلى تصويت عدم الثقة ضدّه في الجامعة).
برنامج الحملة يخلو من
أي تفصيل غير الوعد بالتغيير في ست سنوات

هذا هو سياق حركة «بيروت مدينتي». المُلفت فيها عند إعلانها عن هذا العدد الكبير من حَملة الشهادات من الجامعات الغربيّة الخاصّة (في لبنان وفي الغرب) (فيما كانت قائمة «صوت الناس» في صيدا شاملة - طبقيّاً وتخصّصيّاً ومهنيّاً - ومُرتبطة بشعارات سياسيّة تتعدّى حدود البلديّة). والسيَر الذاتيّة المكتوبة والمحكيّة لأفراد الحملة تشدّد على حمل الشهادات (من جامعات غربيّة، حصراً)، وعلى نوعيّتها. كما أن التهليل بالربط بمنظمّات دوليّة هو جزء من ثقافة الحملة. فالحديث عن الصحّة وعن البيئة لا يستقيم من دون الاستشهاد المفرط بأرقام وتوصيات البنك الدولي ومنظمّة الصحّة العالميّة. وهذا الاعتداد بالشهادات (من جامعات غربيّة، حصراً) غير بعيد حتى عن ثقافة ١٤ آذار، وعن النوعيّة والكميّة التي تقيّأها إعلام ١٤ آذار منذ اغتيال الحريري — مباشرةً أو مداورةً. والبرنامج الرسمي للحملة على موقعها الرسمي لا يكتفي بذكر شهادات وخبرة المرشحين والمرشحات بل يزهو بأن هناك «خبراء» وأن الحملة تتعهّد بأنها ستلجأ إلى «خبرات مُخطّطين مدنيّين». لكن ما هي سياسة وخطط الخبراء؟ وأي خبراء هم هؤلاء؟ وما هي البرامج المحدّدة والتفصيليّة التي لم تنشرها الحملة؟
كتب الصحافي الأميركي، ديفيد هالبرستام (الذي غطّى باستقلاليّة نقديّة نادرة حرب فييتنام) كتاب «الأذكى والأفضل» في عام ١٩٧٢ عن تلك النخبة الاستشاريّة الأكاديميّة الـ«هارفرديّة» المُتنفّذة في عهد جون كينيدي، والتي كانت مسؤولة إلى حد كبير عن تفاقم وتوسيع الحرب الأميركيّة في فييتنام وجنوب شرق آسيا. فكرة هالبرستام أن التفوّق الأكاديمي لا يعني الكفاءة أو الحكمة أو العقلانيّة البتّة. هي العقلانيّة في تسويق السياسات الأقل عقلانيّة وفي تسويغها للعامّة. وقد عجّت إدارة جون كينيدي بالأكاديميّين والإداريّين من جامعة هارفرد، وكان ليندن جونسون يسخر على طريقته منهم بأنه خرّيج لكليّة معلّمين مغمورة في تكساس. وطموح طبقة الإداريّين الحِرَفيّين يعتنق أيضاً فكرة أن الكفاءة هي كفيلة بتحقيق العدل والمساواة من قبل الدولة الرأسماليّة. أي أن النظام الرأسمالي لا يحتاج إلى تغيير بل إلى إصلاح طفيف، وأن رفع شأن طبقة حَمَلة الشهادات الاختصاصيّة (من الجامعات الخاصّة حكماً) كفيل بتحقيق الطوباويّة على الأرض. لكن فكرة الكفاءة بحد ذاتها تحتاج إلى تفكيك. إن الكفاءة ليست إلا نظاماً من مكافأة الطبقات الميسورة على يسرها، أو مكافأة القلّة من التي تصعد بسبب التفوّق العلمي من طبقة ذي دخل محدود إلى طبقة ميسورة. والطبقات الثريّة هي التي تستطيع أن تصل إلى الجامعات الخاصّة وأن تترفّع إلى الجامعات الغربيّة للحصول على مزيد من الاختصاص. والتعليم في بلادنا أكثر نخبوّية من بلاد أخرى والتعليم الرسمي مُهمل لأن الطبقة السياسيّة الحاكمة لا تكترث لوضعها (ما همّ الشعب الفقير إذا كان أولاد زعماء الطوائف يحصلون على الشهادات من جامعات غربيّة محليّة أو عالميّة — وبعضهم مثل سعد الحريري لا يدخلها من دون تبرّع سخي إلى الجامعة من الوالد كي يضمن القبول). والقبول في الجامعات الخاصّة يُكافئ التعليم في المدارس الخاصّة، وامتحانات الكفاءة في الجامعات الأميركيّة وفروعها يعتمد مثلاً على امتحانات «إس. إي. تي» و«جي. أر. إي» وهي امتحانات من صنع رجال بيض لم يعلموا عندما حاولوا صنع امتحانات لردم الهوّات الطبقيّة أنهم ساهموا في تعميق الهوّات لأن البراعة في الإجابة على الامتحانات يتزاوج مع التدريب لأبناء (وبنات بدرجة أقلّ) الطبقات الميسورة على التفوّق في الامتحانات. وقد كتب العميد السابق في كليّة الإعلام في جامعة كولومبيا، نيكولاس ليمان، كتاباً بعنوان «الامتحان الكبير: التاريخ السرّي لنظام الكفاءة الأميركي» فضح فيه كيفيّة حفاظ الطبقة الاجتماعيّة الحاكمة على مكتسباتها وحظوتها من خلال فرض الامتحانات والإيمان بنزاهة ودلالة نتائجها. وخلص ليمان في بحثه إلى التوصية بأن الديمقراطيّة الحقّة تتطلّب توفير تعليم مجّاني على المستوى الفيدرالي ولمختلف المراحل الدراسيّة للجميع من دون التمييز (الطبقي - الاجتماعي) المبني حاليّاً على معايير الامتحانات المُوحّدة، التي دعا إلى إلغائها. ومعايير الامتحانات تصبح هي الوسيلة التي تسوّغ فيها طبقة المديرين الحِرَفيّين الحاكمة طموحَها وتنفّذها.
كما أن الخطورة في صعود طبقة الإداريّين أنها تجعل من نفسها فوق السياسة، وفوق الطبقات (أو صراعه) وفوق الطائفيّة (في بلادنا). وحملة «بيروت مدينتي» اعتنقت شعارات اللاسياسة. واللاسياسة في بلادنا هي مثل الوسطيّة: هي الانحياز السياسي (والطبقي)، لكن بزِيّ من الحياديّة المُصطنعة. إن دولة العدوّ الإسرائيلي تهدّد الأراضي اللبنانيّة كافّة وتخرق سيادة كل ركن من لبنان، ولا تزال تحتلّ أراضي لبنانيّة، وهي كانت قد احتلّت العاصمة، وهذا يجعلها موضوعاً يجب أن يدخل في صلب الحملات البلديّة، كلّها، من الشمال إلى الجنوب. الحملة تقول إنها لا تنتمي إلى طرفيْ النزاع في لبنان، لكن عدداً من إعلاميّي مؤسّسة الحريري جاهر بدعم الحملة (وبعضهم تعرّض لهجوم حاد بسبب ذلك). ومؤسّسة «سمير قصير»، التي تقع على يمين ١٤ آذار، كانت ممثّلة في القائمة، بشخصيْن على الأقل، وهذا من حقّها طبعاً. والفنّان الذي غنّى لعيون رفيق الحريري، يُعرَّف عنه فقط على أنه غنّى للبنان وفلسطين، لكنه في يوم الاقتراع عاد وأعلن أنه في ١٤ آذار وأن مدينة بيروت هي لرفيق الحريري «الرؤيوي» (كان على الفنّان أن يُعلن ذلك قبل الاقتراع، احتراماً لمؤيّدي ومؤيّدات القائمة). والحملة رفضت التعاون مع شربل نحّاس لأنه ينغّص عليها حياديّتها، لكن هل الروابط مع ١٤ آذار حياديّة؟ والقائمة البعيدة عن «السياسة»، التقت بوليد جنبلاط وبتيّار المستقبل، لكن خبر اللقاء مع جنبلاط لم يكن عبر الحملة، بل عبر تسريب من قبل جنبلاط نفسه. لو أن جنبلاط لم يسرّب، لما كان الخبر قد عُلم من الناس. وكما علّق الرفيق أسعد غصّوب على فايسبوك، هل كانت القائمة ستقبل دعوة للقاء من محمد رعد؟
وبرنامج الحملة على الإنترنت يخلو من أي تفصيل غير الوعد بالتغيير في ست سنوات. يقول البرنامج مثلاً إنه بعد ست سنوات بالتمام والكمال ستصبح المدينة نظيفة، وبحلول ست سنوات ستُرمّم مباني البلديّة، وبعد ست سنوات ستدعم البلديّة المتاجر المحليّة لصغار المنتجين والمُشترين، وبعد ست سنوات ستعيد البلديّة تدوير ٤٠٪ من النفايات الصلبة، وبعد ست سنوات سيكون الاعتماد على السيّارات الخاصّة ٤٥٪ من حركة النقل فقط. لكن هذا الأرقام والوعود لا تختلف من حيث عموميّتها وعدم إرفاقها ببرامج وميزانيّات محدّدة عن وعود زعماء الطوائف، وهي لا تتضارب من حيث المضمون مع مصالح ووعود زعماء الطوائف. واللاسياسة المزعومة تكون سياسة مفرطة عندما تتمنّع القائمة عن التطرّق بكلمة عن الحريريّة فيما ترتبط الحريريّة بمعظم، إن لم نقل كل، مشاكل مدينة بيروت (البيئيّة والنفايات واستيلاء الدولة والبلديّة على الأملاك العامّة وحركة البناء الباهظ الثمن الذي يؤدّي إلى طرد طبقات بحالها من المدينة والحفاظ على رونق الصفاء الطبقي للأثرياء). الحريريّة هي التي أدّت إلى الأزمات المتفاقمة في العاصمة، والتي تشكو الحملة منها. فكيف يمكن تجاهل الحريريّة؟ هذا لا ينفي أن قائمة «البيارتة» ومشاركة كل قوى السلطة من دون استثناء، وتفضيل حزب الله للحريريّة على شربل نحّاس أثبتت أن «كلهم يعني كلهم»، وأنه لا يمكن تذوّق السلطة من دون الانخراط بدرجة أو أخرى، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الفساد.
أما موضوع العدالة الاجتماعيّة، فتربطه الحملة مع التنمية الاقتصاديّة، على طريقة وصفات البنك الدولي وصندوق النقد العالمي، فتقول بـ«دمج» هدف العدالة الاجتماعيّة والتنمية الاجتماعيّة ــ الاقتصاديّة «كهدفين متقاطعين»، فيما تجربة الرأسماليّة الحديثة، كما وثّقها توماس بيكيتي في كتابه «رأس المال في القرن الواحد والعشرين» كما لم يوثّقها أحد من قبله (وعلى امتداد حقبة زمانيّة طويلة من عمر الرأسماليّة الحديثة) تثبت أن النموّ الاقتصادي لا يحتّم أبداً زيادة في العدالة الاجتماعيّة، بل يفاقمها ويزيد من حدّة الفروقات الطبقيّة. أي ان وصفة الحملة هي في الإصلاح من داخل النظام. لعلّ هذا ما عناه سعد الحريري في خطابه حين تلا فوز قائمته عندما وجّه التحيّة لقائمة «بيروت مدينتي» وحدها، وخاطبها بالقول: «أنا أرى انكم تشبهون أحلامنا وطموحاتنا»، ولم تعارضه الحملة في وصفه هذا.
إن صعود طبقة المهنيّين الحِرفيّين يبرز في أكثر من دولة عربيّة. والحكومة الأميركيّة تصرّ على الدفاع عن حقّها وحق الدول الأوروبيّة في دعم وتمويل الـ«إن. جي. أو» في كل دول العالم (باسثناء دول الخليج التي تقوم فيها السلالات الحاكمة بخدمات جلّى تعفي عن دور لـ«إن.جي.أو»). ثم هناك حالة طبقة المهنيّين الحِرفيّين المتحالفة مع السلطة في رام الله، والتي أتى بها نظام الاحتلال الإسرائيلي وحكم من خلالها في شؤون القمع والبلديّات. أصبحت هذه الطبقة هي الأساس الاجتماعي للسلطة (وتنفق الحكومات الغربيّة نحو ٨٠٠ مليون دولار سنويّاً لتمويل ٢٨٨٢ منظمّة «إن.جي.أو» في الضفّة الغربيّة وحدها، بحسب أرقام رئيس وزراء السلطة). وصعود الطبقة يضخّ قيماً مناهضة للثقافة الثوريّة التي سادت لعقود في المجتمع الفلسطيني.
لن يتسنّى لهذه الطبقة الإداريّة أن تحكم. دورها مرسوم بدقّة على أطراف الحكم. هي مثل المثقّف الذي يريد الوصول إلى السلطة في بلادنا، لكن يعرف أن السلطة لن تقترب منه إلا بدرجة قربه من الأمير أو الشيخ أو الزعيم. هي مُساندة للطبقة الحاكمة، وليست الطبقة الحاكمة. لكن القرب من السلطة يغريها. وقد استعان بها رفيق الحريري في حكمه مثل محمد الحوت وفؤاد السنيورة وعبد المنعم يوسف وسهيل البوجي وغازي يوسف وهاني حمّود ورضوان السيّد. لكن صعود هذه الطبقة مؤثّر على الإعلام وعلى الخطاب السياسي وحتى على برامج الأحزاب... لكن الطائفيّة في لبنان ستمنع عنها فرصة التحكّم، أو حتى الحوكمة.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)