يحفل القاموس السياسي اللبناني بكثير من المفردات والصيغ الخاصة أو حتى المبتكرة والطريفة أحياناً. من ذلك، مثلاً، مفردة «المناصفة» التي يُقصد بها تمثيل متساو بين المسلمين والمسيحيين وفق معادلة طائفية يُراد تكريسها والتمنين بها رغم نص دستوري وضع آلية لتخطيها ابتداء من عام 1996. ومنها صيغة «حليف الحليف» التي اخترناها عنواناً لهذه المقالة. انطلقت هذه التسمية، بعد إعلان «تفاهم» «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» أوائل عام 2006. فجأة وجد الرئيس نبيه بري نفسه في وضع جديد. هو حليف ثابت لـ«حزب الله». وهو مساهم في إقصاء العماد ميشال عون وتياره، في انتخابات عام 2005، عن اللوائح المشتركة وعن التركيبة الوزارية بعد أن انتقل مركز القرار، بشأن لبنان، من عنجر «السورية»، إلى عوكر «الأميركية».

برزت، في مرحلة ما بعد إعلان «التفاهم» الشهير من قاعة كنيسة «مار مخايل» على خط تقاتل تقليدي (سياسي وطائفي) سابق، حالة من التعاون والتباين في العلاقة ما بين حركة «أمل» و«التيار الوطني الحر». التعاون كان عنوانه السياسي الأبرز ابتعاد العماد عون عن فريق 14 آذار وتقاربه مع كلٍ من سوريا والمقاومة. نجح عون في اختبار الموقف حيال عدوان تموز الصهيوني عام 2006. هو نجح أيضاً في تحرير علاقته مع السلطة السورية من صراع الماضي القريب، وحولها علاقة تحالف تسارعت خطواته ففاجأت الجميع.
نظرة موضوعية تشير إلى أن العماد كان «يعطي» في السياسة، على أمل أن «يأخذ» في السلطة: شريكاً ومحاصصاً أساسياً فيها على المستويات كافة.
راقب كثيرون، وخصوصاً الرئيس بري، هذا التوجه العوني بحذر. هو ارتاح للانعطافة السياسية العونية، خصوصاً بعد تزايُد وتوسُع نفوذ تحالف 14 آذار وتهديده (المبدئي والمحدود) لاستمرار إقامة بري في قصر «عين التينة». لكنه ارتاب من تطلُّب العماد على مستوى السلطة: بدءاً من الجنوب حتى آخر موقع ينطوي على مقومات التنافس بين الرجلين. نقطة الصدام الأساسية كانت في دائرة جزين حين تمكن العونيون من «تحريرها» من بري على ما وصف معاونون مقربون من عون فوزهم في مقاعدها النيابية عام 2009.
مع الوقت كانت الهوة تتسع ما بين الرئيس بري والعماد عون. بلغت ذروتها منذ بدأت معركة الرئاسة الأولى قبل أكثر من سنتين وحتى يومنا هذا، حيث اتخذ بري موقفاً سلبياً من ترشيح ووصول عون إلى رئاسة الجمهورية.
لكن ما كان مقتصراً على بري وعون توسع ليشمل الكثيرين منذ أواسط السنة الماضية. باكورة ذلك بدأت في اتصالات باشرها رئيس تيار «المستقبل» سعد الحريري مع النائب سليمان فرنجية. ما لبث الأمر أن تطور إلى عقد صفقة يدعم بموجبها الحريري فرنجية مرشحاً لرئاسة الجمهورية. حليف آخر لـ«حزب الله» يضعه في موقع المُطالَب بأن يكون هو، هذه المرة، «حليف الحليف» لا الرئيس بري الذي بدا، فوراً، متعاطفاً مع ترشيح فرنجية، إن لم يكن شريكاً، مع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، في اختياره. يتوسع فجأة «نادي» «حليف الحليف»، حين يقرر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع الرد على ترشيح فرنجية، من قِبل سعد الحريري، بترشيح عون (جعجع كان المرشح الرسمي لـ14 آذار). اتخذ هذا الترشيح، منذ اللحظة الاُولى، طابع «تفاهم» جديد بين الخصمين اللدودين عون وجعجع. فجأة، أيضاً، وجد «حزب الله» نفسه في شبه تحالف غير مباشر (وفق قاعدة حليف الحليف) مع كل من جعجع وسعد الحريري! طبعاً هذا ينطبق، أيضاً، على الحريري الذي كان مطالَباً (من قِبل مرجعيته السعودية) بأن لا يهادن «حزب الله»، فإذا به يتبنى ترشيح أقرب حلفائه إلى سدة الرئاسة. تتوسّع هذه القاعدة لتضم جعجع الذي كان تخطى الجميع في حربه الشرسة ضد المقاومة وسوريا والعماد عون...
نعى بري يومها تحالفي 8 و14 آذار. كان يشير إلى عملية خلط أوراق غير مسبوقة لم يعد يعبِّر عنها بشكل موضوعي قول من نوع أن «كلا المرشحين من فريق الثامن من آذار». لقد بات الفريق الأخير عاجزاً عن توحيد موقفه ومرشحه. بل يمكن القول إنه لولا شهامة المرشح فرنجية بعدم النزول إلى الجلسة (مراعاة لـ«حزب الله» أساساً)، لكان وضع فريق الثامن من آذار في غاية الحرج والتفكك. وبالطبع ازداد، أيضاً، تحالف 14 آذار تبعثراً وضعفاً.
لن تكتمل هذه المشاهد السوريالية («متل المنام المخرط») إلا بتناول فصلها الأخير حين أصبح كل من العماد عون والنائب فرنجية في موقع «حليف الحليف»، وانضما إلى ناديه بتفوق وامتياز! بشكل أو بآخر، أصبح فرنجية بالنسبة الى عون حليفاً لحليفه «حزب الله». كذلك أصبح عون في موقع حليف حليف (حزب الله) بالنسبة للمرشح فرنجية! وإذا تذكرنا أن عون وفرنجية كانا في تكتل واحد برئاسة العماد عون (شكلياً على الأقل)، اتضح لنا حجم المتغيرات التي طرأت على العلاقات الثنائية بين الأقطاب، وبين تحالفي 8 و14 آذار، وداخل كل تحالف على حدة.
تبلورَ تحالفا 14 و8 آذار في امتداد صراع أميركي سوري (بعد تعاون طويل في لبنان) انطلق مع غزو الأميركيين للعراق وتهديدهم النظام والدور السوريَّين في سوريا نفسها، وفي المنطقة عموماً. لكن الأمر تغيَّر بعد انبثاق دولة «الخلافة» (الداعشية) منذ حوالى سنتين، حيث تخلّت واشنطن عن شعار إسقاط الأسد وبدأت تنسيقاً مع موسكو لاحتواء خطر «داعش» الذي تخطى كل الحدود وخرج عن كل سيطرة. قاومت المملكة السعودية هذا التحول الأميركي (إزاء الملف النووي الإيراني أيضاً)، وأصرّت على التمسك بكل المواقف والشعارات والعلاقات السابقة. لكنها اصطدمت، أيضاً، برفض أميركي لتغذية توتر في لبنان ستفيد منه، بالضرورة، القوى المتطرفة في سوريا وفي المنطقة. حسابات كل من الطرفين الإيراني والسوري تقاطعت على ضرورة إبقاء الوضع اللبناني على حالته الراهنة (ستاتيكو تُرجم من قبلهما بعدم السعي لحسم مسألة الرئاسة الأولى بأي ثمن).
وضع كهذا، لم يكن يتيح أكثر من إمكانية تحسين مواقع جزئي أو تحديد خسائر، من دون القدرة على فرض غَلَبَة في أي ملف سياسي أو أمني. مبادرة الحريري ورد جعجع. إصرار عون وانكفاء «حزب الله» وبري. تكاثر عدد من باتوا في موقع «حليف الحليف»... كل ذلك يؤكد الطبيعة الرمادية والانتظارية للمرحلة الحالية.
هذه الوقائع تجسد «واقعية سياسية» تفسّر ولا تبرر. خسائر البلد، بالمقابل، كثيرة وخطيرة سببها الانقسام والفئوية والتبعية والفساد، أي منظومة المحاصصة بمفاعيلها الداخلية وأبعادها الخارجية. مع تعاظم وشمولية الأزمات وتلاحق مسلسل الفضائح بغير حدود أو روادع، أخلاقية أو قانونية، فُرض على أطراف المحاصصه إجراء الانتخابات البلدية (لتغطية فشلها في انتخاب رئيس للبلاد وفي الاتفاق على قانون للانتخابات). كشفت المرحلة الأولى منها أن مرحلة «حليف الحليف» هي رأس جبل الجليد في مسار تفكك وخلط الأوراق، وأن الآتي أعظم (أعلن السيد نصرالله منذ يومين عدم الالتزام بتأييد حليف الحليف). هي كشفت أيضاً أن السخط الشعبي: بالمشاركة أو المقاطعة، قد انتقل إلى مرحلة جديدة ونوعية ومؤثرة.
«المعجزة اللبنانية» دخلت مرحلة العجز، بل الإفلاس، أيها الأعزّاء؟!
* كاتب وسياسي لبناني