من الصعب أن يصدّق مواطن أيّ دولة متطوّرة أو متخلّفة أن بلداً ألغى الاحتفال بذكرى شهدائه الذين عُلّقوا ظلماً على المشانق بقرار من حكم تيوقراطي وعنصري أيام الثلاثي طلعت وأنور وجمال الذين خلدتهم أعمالهم الإجرامية، وكان لنا من أفعالهم المشينة حصة هامة. هتف الشهداء على أعواد المشانق باستقلال العرب أو استقلال بلدهم عن هذا الحكم الجائر الذي قلّ نظيره في التاريخ البشري، والذي يحنّ إلى عودته بعض العرب لما فيه من تمييز وإذلال وحقد أعمى.

بعد ثلاثة عقود حصل بلدنا على الاستقلال. رائع! شتمنا الفرنسيين الذين أنقذوا من تبقى منا من المجاعة والأمراض، وهلّلنا لرجالنا الوطنيين الذين اقتصر "نضالهم" على تعديل الدستور في جلسة عاطفية في تشرين الثاني 1943. لكن بعد بضع سنوات أثبتنا أننا شعب لا يستحق أن يكون مستقلاً لأننا تشبّعنا من الثقافة العثمانية القائمة على الرشوة وتسخير العدالة لمصالح فردية. رحنا نختلس المال العام، ونزج من نشاء في السجن، ونحاكمه في منتصف الليل لنعدمه قبل طلوع الفجر... ثم نفتخر بديمقراطيتنا التي ليس لها مثيل! فعلاً، ليس لها مثيل طالما الإقطاعيون والفاسدون هم حماتها. أنشأت لنا فرنسا مؤسسات لدولة عصرية (وأنا لا أدافع عن الانتداب)، وبسرعة حوّلناها إلى مراكز قوة للطوائف ومن يمثلها من فاسدين ومفسدين. شعر اللبناني ببعض الكرامة كانسان في ظل العلم الثلاثي الألوان، وإذا به يشعر باللاكرامة في ظل الأرزة. والوطن الذي انتظره اللبناني دهراً ليعيش بحرية وكرامة، ها هو الآن "مغارة علي بابا" حيث المواطن فيه سارق أو مسروق.
ألغينا الاحتفال بذكرى الشهداء كي لا نقدم لأجيالنا نماذج عن أبطال كان سلاحهم القلم والجرأة والتضحية أمام تجنّي "العدالة" التركية. علقوا قبل مئة عام تحت أعواد المشانق لأنهم فكّروا بوطن مستقل عن حكم الطغاة، وأرادوا مصيراً يختلف عن ذاك الذي رسمته لهم يد الاستعباد التركي. وعندما أردنا أن نتذكر ما قاموا به، ألغيناهم من حياتنا الوطنية! لقد اعتدنا العيش تحت الجزمة التركية قبلهم، وتحت الجزمة السورية بعدهم. فمن اعتاد على الإهانة لن يقدّر جبروت نخبة المجتمع الفكري تتحدى بصدورها العارية وبكلماتها "الاستقلالية" سكين جمال الجزّار... أما الاستقلال الذي نحتفل به سنويًا، فهو ذكرى خروج زعماء "تعديل الدستور" من السجن من دون أن "تتغبّر" بذلاتهم!
بالله عليكم يا أصحاب القرار، إذا كنتم محشورين بالاختيار بين ذكرى الاستقلال وذكرى الشهداء، الغوا الأولى وأعيدوا الثانية. اعيدوا شيئاً جميلاً وفريداً إلى تاريخنا المعاصر، وخصّصوا للسلاحف التي هجرت بحرنا الملوّث يوما آخر.
د. نمر فريحه