يشهد العالم العربي أحداثاً وأزمات يمكن تقييمها ووصفها بأصعب المراحل التي يمر بها، والتي لم تؤثر على إقليمه فقط إنما على النظام العالمي الذي يؤثر به أيضاً. ما جعل هذه المنطقة تدخل نزاعات وخلافات وتقف أمام تحديات تفقدها روابطها التي يمكن أن توصلها الى إنشاء اقليم مشترك.

وقد أصبح الحديث عن الاقليمية العربية كاجتماع واحد صعباً جداً، ليس فقط بسبب الإرهاب الذي يواجهه إنما من خلال الترهيب الذي تمارسه بعض الدول العربية بمالها وعجرفتها، حتى صارت السيادة العربية شيئاً عابراً لم يعد له قيمة، هذا فضلاً عن مصادرة قرار هذه الدول وتبعيتها وتأثرها اللامحدود بالنظام العالمي القائم الذي جعل منها أداة لتحقيق مصالحه واستراتيجياته لا سيما من قبل الولايات المتحدة الأميركية المسيطر الأول على هذا النظام.
حتى الآن لا يزال البعض يمنّي النفس بإنشاء اقليمية عربية أو إحياء النظام الاقليمي العربي الذي لم يلد أصلاً، مسقطاً من حساباته ورؤيته صعوبة ـ لا بل عدمية ـ قيام نظام اقليمي عربي من 5 دول فقط، من دون الأخذ بعين الاعتبار الدول الاخرى، على سبيل أن القوي يحكم الضعيف أو الغني من الدول يحكم الفقير. لكن هذا الخيار سيبقى ميتاً لا يمكن احياؤه لا عبر المال ولا عبر القوة، لأن الأساس في قيام مكون كهذا يكون بالاجتماع والتوافق والوفاق، وخير دليل على ذلك الجامعة العربية التي تعتبر بحالة موت سريري، وبالتالي لا يمكن تركيب النموذج الغربي الأوروبي على وجه الخصوص على حالة الدول العربية.

هل يمكن تحقيق النظام الإقليمي العربي؟

أكثرية الدول العربية
اليوم خاضعة للولايات المتحدة الأميركية

يمكن تعريف النظام الإقليمي بأنه تجمع من دولتين أو أكثر من المفترض أن يجمعها الرابط الجغرافي، فضلاً عن تفاعلها الثقافي اللغوي والتاريخي، ويزداد فيها الترابط والشعور بالهوية الموحدة.
وتعتبر المنطقة العربية نظرياً من أكثر المناطق في العالم التي يمكنها الانخراط في نظام اقليمي، نظراً لترابطها الجغرافي وتشاركها في اللغة والثقافة والتاريخ والترابط الاجتماعي. لكن مع ذلك فالنظام الإقليمي لا يمكن أن يكون إقليماً جغرافيّاً فحسب أو ترابطاً ثقافيّاً، دون أن يكون هناك تفاعل وتقارب وتجانس سياسي لأن النزاع ينفي سمة النظام الاقليمي. وقد رفض الكثيرون فكرة وجود نظام اقليمي عربي وفق التعريف النظري له، لأن معظم الدول العربية، ليست وحدات سياسية فعلياً أكثر منها عبارة عن قبيلة أو اسرة حاكمة لا يقبل بها شعبها، فضلاً عن التشتت الحاصل بين هذه الوحدات والنزاعات القائمة على الحدود والثروات وغيرها.
وكذلك فهناك من يحاجج بأن النظام الاقليمي العربي قائم مع قيام جامعة الدول العربية، وإنه يمكن جمع الدول العربية، لكن ذلك غير دقيق فقد مرت العلاقات العربية العربية بمطبات عديدة، ولم يجمع الدول العربية سابقاً إلا بعض التهديدات التي كان على رأسها التهديد الصهيوني واحتلال فلسطين. لكن هذا أخذ ينتفي تدريجياً، مع جنوح بعض الدول العربية لتقبل الانفتاح على «إسرائيل»، وكذلك بعد قيام الثورات العربية ودخول تهديد الإرهاب إلى سوريا والعراق واليمن، ودعم بعض الدول للجماعات الارهابية لضرب دول أخرى وقتل شعبها وشن حروب عليها.
هذا فضلاً عن تشتت النظام الاقليمي العربي وانصهاره بالنظام العالمي، فالأصل في العلاقة بين النظم الإقليمية والنظام العالمي أنها علاقة تبعية، ونجد أكثرية الدول العربية اليوم خاضعة للولايات المتحدة الأميركية التي تسيطر على النظام العالمي حالياً. وأكثر من ذلك أن المنطقة العربية هي مختبر القوى العظمى في النظام العالمي، ويشكل أكبر المرايا العاكسة لعلاقات القوى والتغيرات البنيوية في هذا النظام.
ويبقى اكبر التحديات التي تنفي وجود نظام اقليمي عربي أو امكانية لحصوله حالياً ـ حتى لو بين بعض الدول فقط كدول خليجية وأخرى عربية تقع في القارة الافريقية ـ النزاعات العديدة القائمة حتى بين الجيران من الدول العربية، كمصر والسودان أو الجزائر والمغرب أو الدول الخليجية بين بعضها البعض وخير دليل على ذلك خلافات قطر والسعودية ونماذج كثيرة أخرى. هذا فضلاً عن خطر تنظيم «داعش» الذي يمثل خطراً قوياً على مستقبل النظام العربي ويهدد بشرذمة وتفتيت وحداته السياسية ليس في سوريا والعراق فقط بل في مصر والسعودية وغيرهما من الدول العربية. أما الخطر الأكبر فهو انحراف الأولوية العربية عن قضية فلسطين كقضية مركزية عربية وتراجع حدة الصراع ضد الكيان الصهيوني بل وانفتاح بعض الدول (وليس الشعوب) على اسرائيل وقبول انشاء علاقات معها ولو بالخفاء حالياً.
لذلك نرى أن القول بإمكانية ولادة نظام عربي ليس موضوعيّاً حالياً، وهذا النظام سيلد ميتاً، لأن أكثر دولة ولدت مختلة اصلاً، بل وحتى مصطنعة ومفتتة ولا تتعدى أكثر من سلطة أسرة تحكم. كما أن التاريخ العربي لن يكتب لجامعة الدول العربية أي نجاحات كبرى، وهي التي قبلت بتفريق العرب عندما أخرجت سوريا منها وهي الدولة العربية الأولى الداعمة لفلسطين لقد أتى الحراك العربي والحرب على سوريا وانتشار «داعش» في العراق ليؤكد فعلاً أزمة الهوية العربية لدى البعض وعلى رأسهم السعودية التي تدعم التباعد العربي بدلاً من تقريبه، كما أظهر فعلاً صعوبة حصول أي تقارب، لأن هناك من يعمل على نسف كل الروابط لمصالحه فقط، وبالتالي يمكننا القول بعد ما تقدم من عرض أنه من الصعوبة بمكان قيام نظام اقليمي عربي، وحتى لا يمكن القول إنه يمكن ان يكون هناك نظام اقليمي خليجي لأننا نرى الكثير من الخلافات بين هذه الدول.
* باحث لبناني