منذ سنوات، حين بدأت «مسألة المهاجرين» في أوروبا تتحوّل الى سؤالٍ مركزي، و»المهاجرون» هنا هم اختزال لـ»المسلمين»، شهدت محاضرة قدّمها أكاديمي أميركي عن نظرة الهولنديين تجاه الهجرة والمهاجرين في بلدهم. الخلاصة التي أراد الرجل ايصالها، عبر أبحاثه واستبياناته، هي أن الهولنديين، وإن تبيّن أن أكثريتهم تحمل آراء سلبية تجاه المسلمين والمهاجرين، فهم لا يكرهون المسلمين لذاتهم، أو لأنهم عنصريون يعادون الإسلام والأعراق الأخرى، بل هم ــــ بحسب تفسير الأكاديمي الأميركي ــــ يكرهون فحسب أفعال المسلمين: كيف يعاملون نساءهم، نظرتهم الى الأديان الأخرى وعدم تسامحهم مع المثليين، استغلالهم لتقديمات الدولة، رفضهم للديمقراطية وقيم حقوق الإنسان، الخ... كان النقد الوحيد الذي سمعته يومها لهذه الفرضية على هيئة استفسار، إذ سأل زميل ــــ هنديّ الأصل ــــ المقدّم: «وهل هذه الانطباعات هي نتاج إحتكاك هؤلاء الهولنديين البيض مع المهاجرين وثقافتهم، ومعرفتهم الحميمة بهم، أم هم يحاكمون الصورة النمطية التي تروج عن «المسلم» و»المهاجر»، ويبنون آراءهم على أساسها؟».


هذا التمييز ليس تفصيلياً، بل هو أبرز الأسئلة التي تبقى معلّقة، ويتمّ تجاهلها بالكامل، في كلّ جدالٍ أوروبي عن المهاجرين والإسلام، وكتابات الفلاسفة والمحللين حول المسألة، والنقاشات على القنوات التلفزيونية: عمّن نحن نتحدّث تحديداً، حين يجري توصيف وتحليل واتهام والكلام نيابة عن «المهاجرين»؟ هل هم شريحة اجتماعية لها حجمٌ وعدد، وصفات وسمات يمكن معرفة بعضها عبر «الداتا» مثلاً (فأغلب الكلام على المهاجرين لا يقوم على «داتا» وأرقام، بل يقدّمهم المعلّقون وكأنهم كتلة واحدة، صفاتها ــــ أو على الأقل «مشكلتها» ــــ معروفةٌ سلفاً)؟ هل نميّز، حين نتكلّم عن الهجرة، بين المهاجرين وبين أبنائهم الذين ولدوا في اوروبا ولم يعرفوا غيرها وطناً؟

المشكلة هي أنّك كلّما قرأت أكثر عن الهجرة وعن دورها في المجتمعات الغربية، كلّما تبيّن زيف «الصورة النمطية» والخطاب الذي يؤطّر النقاش عن المهاجرين والمسلمين (انّهم مجموعة لديها مشكلة اندماج مع محيطها، فاشلة اقتصادياً وتكلّف الاتّحاد وتستغلّ صناديقه الاجتماعية، وأنّهم يقبّحون المدن ويصلّون في الشوارع...). بحسب أرقام مجلّة «ايكونوميست»، مثلاً، فإنّ مساهمة المهاجرين في الصناديق الاجتماعية في بريطانيا ــــ حيث يجري جدالٌ حاد حول الموضوع ــــ ايجابية، بمعنى أن المهاجرين يدفعون للدولة ولنظام التقديمات أكثر مما يسحبون منه. كما أنّ نسبة المهاجرين الذين يملكون تعليماً عالياً أعلى، بقدرٍ ملحوظ، منها لدى المواطنين الأصليين، وذلك في دولٍ متقدمة ككندا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة. تكتشف ايضاً أنّ المشكلة الحقيقية، في مجالات البطالة والاندماج والفقر ــــ وحتى التطرّف الديني ــــ خاصّة بجيل أولاد المهاجرين وأحفادهم، أي أنها مشكلة اوروبية داخلية خالصة، تتعلّق بمعاملتها لمواطنيها من أبناء الأقليات، وليست مشكلة هجرة ومهاجرين (أو حتى مشكلة «غرب وشرق»).

بهذا المعنى، فإن اليمين الأوروبي القديم، والنيو ــــ نازيين والكتاب العنصريين مثل ديفيد ارفينغ، كانوا أكثر وضوحاً و»منطقاً» حين عارضوا الهجرة، ببساطة، لأنهم لا يريدون ثقافة غريبة في بلادهم، ويعارضون اختلاط الأعراق، ويعتبرون العرق الأبيض متفوقاً على غيره. هنا، تتفق المقدمات مع النتائج أكثر من الخطاب السائد الهيولي عن «المهاجرين» و»المسلمين»، يصوغه مثقّفون لا يخالطون المسلمين ولا يعرفون عن أوضاعهم، فيمتزج الاستشراق بالجهل، ويصبح «المهاجر» رمزاً نظرياً، سواء دافعت عنه أم كرهته، لا مواطناً وانساناً. وتولد صورة نمطية عن هذا «المهاجر» تعززها كلّ قصّة عن متطرّف اسلامي، أو نشّالٍ مغربي، أو هجومٍ لـ»داعش». في هذا الخطاب «الجوهراني»، لا يتم النظر الى المسلمين والمهاجرين في اوروبا عبر حياتهم المعاشة وأوضاعهم اليومية، أي الحياة الاجتماعية الحقيقية، بل تُبنى سرديتهم في المخيال الأوروبي، ككتلة، وتُستعاد عبر «محطّات» مثل هجومٍ ارهابي أو عنف الضواحي أو «حادثة رأس السنة» في كولونيا.

لا حاجة هنا للتذكير بالدّور الذي لعبه المهاجرون في إعادة بناء أوروبا، أو بالوضع الديمغرافي للقارة وحاجتها المستمرّة الى دمٍ شاب، أو أنّ الغرب يجتذب أبرز العقول في العالم الثالث، وأكثر الناس نجاحاً، إضافة الى العمالة الرخيصة. يكفي أن نقول إن علاقة أوروبا بالهجرة، منذ فتح أبوابها عبر برامج العمال الزائرين بعد الحرب العالمية الثانية، كانت مسألة حاجة، وعلاقةً براغماتيّة بحتة، مصدرها ليس الانسانية أو التسامح أو حبّ التنوّع. المدهش هو أنّ اليمين «الحقيقي» في بلاد الغرب ــــ الشركات الكبرى والأسواق المالية وخبراؤها - تدعم كلّها نظام الهجرة، وتحذّر من وقفها، وتحرص عليها (سواء في اميركا أم في اوروبا) حرصها على اتفاقات التجارة الحرّة ــــ كلّ هذا بينما هي، في الوقت نفسه، تدعم سياسيين ومرشّحين وأحزاباً تقوم برامجها على استثمار كراهية الجمهور الأبيض للمهاجرين والعرب.

يوجد نقاشٌ قديم في الاكاديميا، وحججٌ متضادة، حول دور الاستعمار في بناء الطبقة الوسطى الأوروبية. تقول النظرية باختصار إن الشاب البريطاني الطموح، الذي لا ينتمي الى الارستقراطية وبلده ذو اقتصادٍ مغلق ويعاني من فائضٍ سكاني، كان يذهب ببساطة الى الهند، حيث يحكم مقاطعة ويصير سيّداً على ملايين الفلاحين، ثم يعود الى بريطانيا برجوازياً ثرياً (في روايات جاين أوستن عن المجتمع الفيكتوري، كـ»فانيتي فاير»، نجد غالباً شخصية الشاب ذي الأصول المتواضعة، الذي جنى ثروته في الهند وعاد يبحث عن زوجة). الهجرة، في القرن العشرين، مثّلت دينامية مماثلة على المستوى الداخلي، حيث تُحضر المستَعمَرين اليك بدلاً من الذهاب اليهم. في اميركا مثلاً، كلّ المصالح الصغيرة والمتوسطة ــــ وهي تمثل الشريحة الأهم من الطبقة الوسطى ــــ تعتاش على المهاجرين «غير الشرعيين» الذين يفوق عددهم الـ13 مليوناً. لو افتتحت في اميركا فرعاً لمطعم أو محطة وقود أو متجرٍ صغير، فإنّ هؤلاء المهاجرين، برواتبهم الزهيدة، هم من يؤمّن لك القيمة المضافة والرّبح والارتقاء الطبقي؛ ولو كان عليك أن تدفع لهم رواتب عاليةٍ وضرائب ــــ كما في اوروبا الغربية ــــ لاختفى هذا القطاع بالكامل (تبيّن في تحقيقٍ منذ سنوات أنّه حتى مباني ادارة الهجرة، ومكاتبها في واشنطن، يتولّى تنظيفها «مهاجرون غير شرعيين»).

على الرغم من ذلك، يتمّ توجيه «الغضب الأبيض» في مجتمعات الغرب الى المهاجرين ــــ مكسيكيين في اميركا ومسلمين في اوروبا ــــ ويرفع أصبع اللوم في وجههم على مشاكل الاقتصاد والمجتمع. في تفسير ذلك، يمكن العودة الى تحليل دايفيد هارفي عن النيوليبرالية؛ هو يقول إنّ انخفاض مداخيل الطبقة العاملة البيضاء في الغرب جاء بسبب توزيعٍ جديدٍ للقيمة في العقود الأخيرة. ما جرى، باختصار، هو أنّ دخل فئةٍ كبيرةٍ من الناس قد تراجعت (دخل العائلة المتوسطة الفعلي في اميركا، كتب هوارد زين في أواخر التسعينيات، لم يرتفع منذ عام 1973) بينما حظيت طبقةٌ رأسمالية صغيرة بقفزةٍ هائلة في حصتها من الدخل القومي ــــ ارتفعت رواتب مدراء الشركات والمصارف، في الفترة نفسها، عشرات المرات. من الطّبيعي في هذا السياق أن يشجّع النظام لوم المهاجرين، وخلق سردية إعلامية عنهم وجعلهم المسألة المركزية في اوروبا، بدلاً من أن تقول النخبة لطبقتها العاملة «نحن نمرّ في ركودٍ وانحدار، وقد قرّرنا، بصراحة، أن نصير أثرياء مع أصدقائنا حول العالم، وهذا غير متاحٍ الا على حسابكم».

المصيبة، بالطبع، تبقى في المثقّف العربي، وبعضهم يعيش في الغرب، الذي يؤكّد على السردية السائدة أوروبياً عن «المهاجرين»، ويعقلن ويبرّر خوف الأوروبيين منهم وكراهيتهم لهم، بل ويعتبر كونه من أصلٍ عربي دليلاً على صحّة رأيه وموضوعيته (بمقاييس العلوم الاجتماعية، لا يوجد شيء اسمه «شهد شاهد من أهله»، وكونك عربياً لا يجعلك مطّلعاً على مجتمع المهاجرين بتلاوينه واختلافاته وأجياله). المسألة هنا لا تتعلّق بالتّسامح أو الاختلاف الثقافي أو حقّنا في الحكم على تصرّفات الآخرين، المسألة هي أنّك، قبل أن تتكلّم على «المهاجر» وتحكم عليه، عليك أن تسأل نفسك عمّا إن كنت تعرفه أصلاً.