لا أقول إن سرحاناً يكمن في كل عربي يقطن في أميركا. لا أقول ذلك. لا أقول إن سرحان حيٌّ بين العرب في أميركا. لا، لا أقول ذلك. ولا أقول إن قضيّة سرحان تشغل العرب في اميركا أو في البلاد. لا. لكن سرحان شغل العالم العربي ذات يوم: يذكر ذلك مَن كان (أو كانت) من جيلي. كُتبت مسرحيّات وقصائد ومقالات طوال عنه، في أواخر الستينيات والسبعينيات. إن العنوان الكامل لمسرحيّة عصام محفوظ هو «لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستريو ٧١». وأمل دنقل خاطبه مباشرة في قصيدة «الموت في الفراش»: «سرحان، يا سرحان. والصمتُ قد هدّك. حتى متى وحدك. يخفِرك السجّان». لا أقول إنه كان مُلهماً، لكن شيئاً ما في قصّته ألهمت أبناء وبنات جيله آنذاك. لعلّ وصف الغرب له بأنه «أوّل إرهابي عربي» (وهذا الوصف بمثابة اعتراف منهم بأن الإرهابي الصهيوني قديم بقدم الحركة الصهيونيّة) أثار المخيّلات. سرحان بشارة سرحان كان مشهوراً جدّاً في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات. كانت صوره واسمه تحتلّ أغلفة المجلاّت العربيّة وعناوين الصحف، لأن صوره واسمه كانت تحتلّ أغلفة المجلاّت وعناوين الصحف الأميركيّة. ظنّ الكثير من العرب أن سرحان كان يمثّل الردّ — على طريقته — على هزيمة ١٩٦٧ الشنيعة. ظنّ العرب أن سرحان بشارة سرحان كان يثأر للعرب. وهو كان بالفعل يفعل ذلك. كان سرحان — في عقله هو وفي عقول العرب الذين تابعوا محاكمته وتغطيتها في الصحافيّة العالميّة — يمثّل العرب أجمعين. والإعلام الأميركي لم يعرف كيف يتعامل معه آنذاك. لم يكن هناك فلسطيني قبله في العقل الأميركي. كان سرحان يُحقّب التواريخ الفلسطينيّة، الواحد تلو الآخر. هو قتل روبرت كنيدي بعد عشرين سنة على تأسيس دولة العدوّ الإسرائيلي، وفي ذكرى أوّل سنة على هزيمة ١٩٦٧.
لم يرد في الصحافة العربيّة عن سرحان أن معاناته

زادت بعد ١١ أيلول


كنتُ محظوظاً أنني لم أعش في أميركا في عام ١٩٦٧ (عشتُ مرارة تلك السنة العربيّة في عمر السبع سنوات في لبنان). العرب الذين عاشوا الهزيمة هنا في أميركا تغيّروا، وإلى الأبد. بعضهم لم يستطع بعدها التواصل مع الأميركيّين. إدوار سعيد وهشام شرابي قصّوا كيف أن الهزيمة غيّرتهم وقضت على مسار اندماجهم السابق في الحياة الأميركيّة. كانا قليليْ التسييس من قبل. وتأسيس «رابطة الخرّيجين الجامعيّين العرب الأميركيّين» (بما في الاسم وفكرة الجمعيّة من نخبويّة غير مستورة) لم يكن إلّا ردّ فعل من أساتذة جامعات وصحافيّين وإداريّين حِرَفيّين من أصل عربي على ردّ الفعل الأميركيّ على الهزيمة، وليس على الهزيمة نفسها. كان كل هؤلاء خامدين ومنطوين وساكنين قبل الهزيمة. أشعلت الهزيمة (أو النصر الصهيوني) احتفالاتٍ وأهازيج في طول البلاد وعرضها، وصاحبت حفلات التخرّج من الجامعات في تلك السنة مشاهد لطلاّب مشوا بأثواب التخرّج وأيديهم مرفوعة فوق رؤوسهم للسخرية من استسلام القوّات المصريّة في صحراء سيناء. العذاب والمهانة ذاقهما عرب أميركا كما ذاقهما العرب في بلادهم، لكن هنا رأوا الشماتة بأم العيْن من حولهم.
ضاقت الأرض بسرحان: في فلسطين حيث وُلد في القدس في عام ١٩٤٤، وفي أميركا حيث استوطنت عائلته رغماً عنه. عاش النكبة بآلامها: شاهد جنديّاً إسرائيليّاً في عام ١٩٤٨ وهو يقتل عربيّاً. وأخو سرحان، منير، مات دهساً بسيّارة عسكريّة بريطانيّة على أرض فلسطين. قرّرت العائلة أن تسمّي مولوداً آخر باسمه تيمناً به بعد سنوات. هُجّرت عائلة سرحان بعد قصف حيّه من قبل القوّات الصهيونيّة واستوطنت العائلة في مخيّمات مؤقتة. شاهد سرحان، بحسب شهادة أمّه للجنة التحقيق في اغتيال كنيدي، الويلات من قبل جيش العدوّ، مثله مثل جيل النكبة. وفي منتصف الخمسينيات، ساعدت ديانة عائلة سرحان المسيحيّة على انتقال العائلة إلى كاليفورنيا بواسطة قسّيس. لم يرد سرحان ان يترك أرض بلاده، وهرب من منزل العائلة إلى رام الله، لكن إصرار العائلة منعه من البقاء، ووصل إلى نيويورك في ١٩٥٧. (التفاصيل عن خلفيّة كنيدي موجودة في آخر كتاب شامل عن اغتيال روبرت كنيدي، بعنوان «مَن قتل بوبي: لغز جريمة اغتيال روبرت كنيدي» لشين أوسيلافن، والكتاب يُشكّك في الرواية الرسمية عن اغتيال كنيدي).
عانى سرحان سرحان في الغربة الأميركيّة: كان يكتب في يوميّاته أسماء أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب. بقيت ثقافته العربيّة معه مع أنه أتقن اللغة الإنكليزيّة لا بل شذّب لكنته فيها. لم يكن المجتمع يرحم آنذاك الفقراء والملوّنين بسبب لكناتهم الغليظة. لكن النكسة غيّرته وهي تزامنت مع فترة لم يكن يعمل فيها، بعد أن كان قد ولد في رحم النكبة. لم يكن سرحان مُسيّساً من قبل، لكنه كان يبحث عن عقيدة أو فكرة ما. انشغل فترة بالسحر والشحوذة، وتعرّف إلى شيوعي أميركي وفوضوي أميركي، لكن العقيدة لم تجذبه. حدّثهما عن حركة «فتح» (الواعدة آنذاك). لم يبدأ بالتدوين السياسي في يوميّاته قبل الثاني من حزيران في عام ١٩٦٧. تعرّف إلى عامل يهودي حاول أن يقنعه بالغفران. قال له إنه كان في المقاومة الهولنديّة ضد النازيّة، وإن شقيقته قُتِلت على أيدي النازيّين، وإنه غفر للألمان جرائمهم. سرحان أفهمه أنه لن يغفر للصهاينة.
الذي دعّم اتهام الادعاء بأن سرحان ارتكب جريمة القتل عن سابق تصوّر وتصميم هو أنه كان قد دوّن في يوميّاته في يوم ١٨ أيّار ١٩٦٨ عن «تصميمي على إزالة أر. إف. كي (الأحرف الأولى من اسم روبرت إف كنيدي). على أر. إف. كي ان يموت». هنا لم ينكر سرحان التهمة وأوصل الادعاء إلى صلب الموضوع: لقد خانه وخذله روبرت كنيدي الذي كان قد وعد — في تقليد بات معروفاً ومألوفاً في الترشيح الانتخابي الرئاسي الأميركي — بمدّ العدوّ الإسرائيلي بخمسين طائرة فانتوم. موضوع الطائرات أصبح هوس سرحان. (لكن المحاكمة كانت مهزلة من المهازل: فريق الدفاع أجاد في عدم الدفاع عنه، وكاد محاميه أن يدينه أمام الملأ بسبب آرائه ضد العدوّ الإسرائيلي).
العرب في أميركا ثلاثة أصناف: الصنف الأوّل وجلّه من اللبنانيّين الذين يتنصّلون من كل ما له علاقة بالقضيّة الفلسطينيّة ويزايدون على الصهاينة في صهيونيّتهم، وبات اللبنانيّون واللبنانيّات لا يجدون حرجاً في العمل والتدرّب في مكاتب اللوبي الصهيوني وأذرعه الكثيرة. الصنف الثاني هم هؤلاء العرب الذين يعتقدون أن النظام الديمقراطي الأميركي هو نظام مفتوح وأن العرب والمسلمين يمكن لهم النفاذ من خلاله للتأثير كما الصهاينة. وقد عبّرت الحركات والمنظمّات الإسلاميّة في انتخابات ٢٠٠٠ عن هذه النظرة وعمل هؤلاء بجهد في دعم حملة بوش، الذي وجدوا فيه انحيازاً أقلّ من خصمه فقط بسبب أن والده كان يُنظر إليه على أنه صديق للعرب. انتهى بعض أعضاء هذه المنظمّات وقياداتها من الذين عملوا في حملة بوش الانتخابية في السجون بعد ١١ أيلول. الصنف الثالث هم هؤلاء الذين لا يعوّلون كثيراً أو قليلاً على النظام الديمقراطي الأميركي ولا يجدون من حلول لمشاكل الشرق الأوسط إلاّ في الشرق الأوسط حيث يمكن للعرب أن يفرضواً ـــ بالقوّة لا بالمهانة ـــ على أي إدارة أميركيّة الحل الذي يناسبهم كما فعل العظيم «هو شي منه» وأنصاره في فييتنام. سرحان كان من الصنف الثاني.
لقد آمن بليبراليّة روبرت كنيدي وجذبه السحر الإنساني (المزيّف) لهذا المرشّح الذي عقدت عليه الحركة المناهضة للحرب في فييتنام كل آمالها. نسي هؤلاء أنه ذو خلفيّة رجعيّة معادية للشيوعيّة وأنه سبق السيناتور مكارثي في مكافحة الشيوعيّة، وكانت وزارة العدل تحت إدارته في عهد شقيقه إدارة ضيّقت على الحريّات الفرديّة. لكن كنيدي علّب نفسَه من جديد. لكن سرحان لم يفهم، كما دوّن وكما نقل من نقد يساري له آنذاك، كيف أن الرجل الذي جاهر برغبته في وقف الحرب في فييتنام أراد أن تستمرّ الحرب في أرض فلسطين من قبل إسرائيل. كنيدي أراد وقف الحرب الأميركيّة واستمرار الحرب الإسرائيليّة. هذه هي تناقضات الليبراليّة الأميركيّة المعاصرة.
لم تعرف أميركا كيف تتعامل مع سرحان سرحان، ولا هو عرف كيف يتعامل معها. هو أصرّ على الحفاظ على اسمه العربي، لكنه تعرّض هو وإخوته للسخرية والاعتداء من قبل عنصريين لم يرقهم اسم عربي في مدارس كاليفورنيا في الخمسينيات والستينيات. هو أصرّ على تعريف نفسه على أنه فلسطيني عربي، فيما أصرّت المحكمة والمقالات عنه على الإشارة إليه على أنه «أردني» بسبب حمله للجنسيّة. عدد من الكتّاب الذين كتبوا عن اغتيال كنيدي عبّروا عن دهشتهم لأن سرحان لم يُعرّف عن نفسه على أنه «أردني». لكن ماذا يعرف هؤلاء عن الهويّة الفلسطينيّة. المقالات عن سرحان في الإعلام الأميركي كانت ولا تزال تظنّ أنه مسلم لأن الجريمة هي فقط من أفعال مسلمين، في عرف هؤلاء. والكتّاب الذين «اكتشفوا» أنه مسيحي عبّروا عن دهشتهم. لقد نجح اللوبي الإسرائيلي في طمس حقيقة الوجود المسيحي الفلسطيني كي يسهل التعميم التنميطي عن الفلسطينيّين، وكي يزداد التعاطف مع طرف يقارع المسلمين الوحوش. كان سرحان يشرح لهم عن مأساة فلسطين، فيما هم مشغولون فقط بمأساة ضحيّة أميركي. لم يفهموا سبب عدائه للصهيونيّة إلى أن قال لهم في المحكمة: «الصهاينة بالنسبة لي هم كما الشيوعيّون بالنسبة لكم».
هل فهمتم عليه؟ لم يفهموا. سألوه عن مغزى قتل كنيدي في الخامس من حزيران، كما كان قد كتب في يوميّاته. أجابهم شارحاً كمَن يشرح شيئاً بديهياً في الرياضيّات: «الخامس من حزيران هو موعد بدء الهجوم، العدوان الإسرائيلي ضد الشعب العربي في عام ١٩٦٧». لم يلاحظ المُحقّق الأميركي أن موضوع بيع طائرات الفانتوم التي كانت تغير على المخيّمات الفلسطينيّة والتخبّط في ذهن سرحان كانا مترابطيْن. لم يعر المُحقّق أهميّة لحقيقة أن الغضب الدفين في نفس سرحان تفجّر في الرابع من حزيران عندما أغارت طائرات فانتوم (من التي وعد كنيدي بالمزيد منها) على مدينة إربد وسقط فيها ٣٤ شهيداً وأكثر من خمسين جريحاً (راجع «الدستور» الأردنيّة، ٥ حزيران ١٩٦٨). كلّما قتلت إسرائيل المزيد من العرب، وعد كنيدي بالمزيد من السلاح الفتّاك لإسرائيل. هذه هي عقدة سرحان بشارة سرحان. خُذل سرحان لأنه آمن بكنيدي. طبعاً، لم يكن الفوز في الترشيح الديمقراطي مضموناً لكنيدي، والمُرشّح الرئاسي الديمقراطي هيوبرت همفري لم يقلّ صهيونيّة عن كنيدي. المؤسّسة الحاكمة في البلاد لا تتغيّر باغتيال شخص واحد. فات ذلك سرحان سرحان.
تغيّر العالم من حولك، يا سرحان. لم يعد العالم العربي كما عرفته، ولم يعد العرب في أميركا كما تركتهم. كان سرحان يتحدّث إلى أصدقائه عن حركة «فتح» في عام ١٩٦٨، وكان ذلك بعد معركة «الكرامة» (التي بالغ عرفات كعادته في روايتها) مباشرة. لكن «فتح» تغيّرت في سنوات سجنك، يا سرحان. من حركة قادها أمثال أبو علي أياد وكمال عدوان وأبو الوليد وأبو داوود وأبو جهاد إلى حركة يقودها اليوم أمثال جبريل الرجّوب وأبو مازن ومحمد دحلان. كان عنوان الحركة في الأمس تحرير فلسطين بالكفاح المسلّح، وأصبح عنوان الحركة هو «التنسيق الأمني» مع العدوّ الإسرائيلي للقضاء على حركات المقاومة. كان التنافس في «فتح» آنذاك على القيام بأعمال عسكريّة لتحرير فلسطين، وأصبح التنافس بين أبو مازن والدحلان والرجّوب وياسر عبد ربّه وأمثالهم من زعران رام الله على حصص الفساد.
لم يتغيّر الكثير في الثقافة السياسيّة الأميركيّة عن فلسطين منذ اغتيال كنيدي

أنتَ متروك وحيداً في زنزانة، وليس هناك من يجرؤ على المطالبة بتحقيق العفو عنك، كما يحدث في القضاء الأميركي. لكنك، يا سرحان، لستَ مثل غيرك. لستَ مثل قاتلي الأطفال والأبرياء والنساء الذين يحظون بالعفو العام دوريّاً في أميركا. أنتَ فلسطيني وقتلتَ فرداً من عائلة مالكة. الجاسوس الإسرائيلي، جوناثان بولارد، الذي أعطى لدولة العدوّ أسراراً تطلّبت استئجار المخابرات الإسرائيليّة لشقّة كي تملأها بآلات النسخ لأن حجم ما كان يسرقه ويمدّه لمخابرات العدوّ كان بعشرات آلاف الصفحات. والإحداثيّات والمعلومات التي أمدّ بولارد العدوّ بها أدّت إلى مزيد من القصف والقتل من قبل العدوّ. لكن المنظمّات اليهوديّة حول العالم، وحتى بعض متشدّقي حقوق الإنسان في أميركا، نادى بالحريّة لبولارد وجعلوا منه عنواناً للاضطهاد، لأن التجسّس للدولة الاحتلالية القاتلة هو من الصغائر في القانون الأميركي. لم تتحرّك منظمّة عربيّة واحدة للدفاع عن سرحان والمطالبة بالعفو الإجرائي عنه: ليس للقول إنه بريء بل للقول إنه قضى سنوات حكمه وإن إبقاءه في الزنزانة هو احتراز سياسي محض.
ليست هذه مقالة تقديس لسرحان، بل هي مناسبة لتذكّره. هو سيعود ليمثل أمام لجنة العفو من جديد في عام ٢٠٢١ وسيُرفض طلب العفو من جديد. لا يحتاج إلى هتافات أو إلى «ذل الصلاة» وهو قابع في زنزانته. سيموت فيها ولن يرى الأرض التي طُرد منها. لكن سرحان مثّل حالة اليأس والإحباط التي أصابت الكثيرين من العرب أمثاله في أميركا. حتى عام ١٩٨٢، كان بعض الطلاّب العرب فرادى يعقدون الاجتماعات السريّة في محاولة للردّ على عدوان إسرائيل. قد يكون اغتيال الملحق العسكري الإسرائيلي خارج مدينة واشنطن في عام ١٩٧٣ واحدة من نتائج حالة الإحباط والعجز التي عمّت الطلاّب العرب. (بقي الاغتيال مُحيّراً للمحقّقين الأميركيّين الذين لم يجدوا بعد كل هذه السنوات خيطاً لحل اللغز، بالرغم من الحث الإسرائيلي للعثور على الفاعل).
نظريّات مؤامرة كثيرة تسود حول قضيّة سرحان، وهو لم يزدها إلا غموضاً. زعم أنه لا يذكر إلاّ أن الناس هبطت عليه من فوق وشلّته عن الحركة. لا يذكر ولا يعترف بأنه أطلق عليه النار، بالرغم من اعتراف وجيز تبع إلقاء القبض عليه. وصلني عن عائلته أنهم لا يؤمنون بذنبه، وهم على اقتناع ببراءته. أُلبِس القضيّة يقولون. البحث عن السيّدة ذات الفستان المُرقّط والتي رآها شهود وهي تصرخ «إننا قتلناه» لا يزال جارياً. حالة سرحان النفسيّة تتراوح بين الذكاء الشديد والهذيان والتشوّش أحياناً.
لم يرد في الصحافة العربيّة عن سرحان أن معاناته بعد ١١ أيلول زادت، وإمكانيّة حصوله على عفو تقلّصت. لقد شوهد سرحان بالجرم المشهود يوم ١١ أيلول ٢٠٠١، كما تسرّب إلى صحيفة «واشنطن بوست». شوهد سرحان وهو يلفّ رأسه بمنشفة وهو يتابع على الشاشة مجريات اليوم الطويل. اقتنع الحرّاس والسجناء على حدّ سواء بأن سرحان هو إرهابي مسلم من طينة إرهابيّي القاعدة. رغب زملاؤه والسجّانون في قتله بأيديهم في ذلك اليوم. ويقول شقيقه منير إن العائلة تحاول من دون جدوى إفهام الجميع أن عائلة سرحان هي مسيحيّة وليست مسلمة، لكن السجّان والسجناء توصّلوا إلى اقتناع بأنه مسلم خطير. ألم يلفّ رأسه بمنشفة؟ (والمنشفة علامة فارقة إسلاميّة هنا). ألم يكن يستمع إلى أغاني أم كلثوم عندما كان ينتظر حكم الإعدام (قبل إبطاله آنذاك لفترة سنة)، وهذه الأغاني ظُن أنها دينيّة إسلاميّة؟
لم يتغيّر الكثير في الثقافة السياسيّة الأميركيّة عن فلسطين منذ اغتيال روبرت كنيدي. كان الشعب الفلسطيني مجهولاً، وكان سرحان سرحان أوّل فلسطيني تعرف أميركا عنه (مع أن الهجرة الفلسطينيّة إلى أميركا بدأت في مطلع القرن العشرين). لا يُعرف الفلسطيني في الغرب إلا عندما يحمل مسدساً أو قنبلة. قبل انطلاق الثورة الفلسطينيّة في الستينيات كان الشعب الفلسطيني مجهولاً. اللوبي الإسرائيلي اتّبع خطّتيْن نحو الشعب الفلسطيني: قبل الثورة الفلسطينيّة كان ينكر وجود شعب فلسطيني، وعكس ذلك في نص القرار ٢٤٢، وهو من ثمار الهزيمة في عام ١٩٦٧. وفي المرحلة الثانية اعترف العدوّ بوجود الشعب لكن كإرهابي فقط. (المفارقة أن مناحيم بيغن هو الذي قال في كتاب «التمرّد»: «نحن موجودون بقدر ما نحن نقاتل»). لم يتحدّث أي من أبناء وبنات روبرت كنيدي عن فلسطين عبر السنوات، لكن ابنه، روبرت جونيور، كتب في مجلّة «بوليتيكو» مقالة طويلة عن السياسة الأميركيّة نحو الشرق الأوسط بعنوان «لماذا لا يريدنا العرب في سوريا» قبل أشهر فقط. واستهلّ روبرت المقالة بالقول إنه تابع أوضاع الشرق الأوسط بحكم ما جرى لوالده. لكن هناك ما هو مُلفت في مقالة طويلة عن الشرق الأوسط: لم ترد كلمة فلسطين أو فلسطيني مرّة واحدة. لم يقل روبرت كنيدي جونيور إذا كان هو أيضاً يدعو إلى بيع إسرائيل المزيد من الطائرات المُقاتلة التي تُستعمل في قصف المنازل والمستشفيات والمدارس.
مَن يحكم في براءة أو ذنب سرحان سرحان؟ هناك أدلّة قاطعة ضدّه، وهناك كتابات في يوميّاته لا يمكن إنكار صحّتها. لكنه ينفي أن يكون يتذكّر ثواني الاغتيال. وهناك نظريّات مؤامرة عديدة عن الاغتيال، وبعضها يقول إنه تعرّض لعمليّة غسل دماغ وتسيير من أجهزة مخابراتيّة أميركيّة. الدلائل ليست قاطعة، لكنها تُشكّك في أسانيد الادعاء. لن يحصل سرحان على العفو الذي انتظره، لكنه يستحق إعادة محاكمة بعد كل هذه السنوات. لكن أحداً لا يجرؤ على المطالبة بحق هذا المُتهم، الذي أدين قبل أن يُحاكم: هو أدين بسبب فلسطينيّته وأدين بسبب قتله لحلم أميركي (كاذب).
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)