طالما أنّنا في موسم تفسير "الغضب الأبيض" وإحباطات الطبقة العاملة في أميركا، وكلٌّ يخرج بنظرية عن أسباب تهافت الجمهور على دونالد ترامب، فقد كان لزميلٍ لي (شِنِر أكتورك، يدرّس اليوم في جامعة "كوتش" التركية) أيضاً نظريةٌ عن تنامي العنصرية في مجتمعٍ كأميركا، ولماذا ينظر فقراء البيض الى الأقلّيات والمهاجرين، وأيضاً الى المؤسسة السياسية والنخبة، كأعداء ومنافسين. كان يقول ما معناه: أنظر الى أي جامعة نخبوية، "ستانفورد" مثلاً، وستجد أن هناك صنفين من الأقليات في هذا البلد. نجد أقلّيات "ناجحة"، كالآسيويين واليهود، يتمثلون في الجامعة بأعدادٍ أكبر بكثير من نسبتهم في المجتمع. هذه الأقليات "عالية الأداء" لا يتمّ الحدّ من حصصها ولا توضع لها "كوتا" بطبيعة الحال، فذلك سيكون تمييزاً وعنصرية، بل يجري الاحتفاء بها وتعطى الفرصة الكاملة لتحقيق الحد الأقصى من المكاسب. من ناحية أخرى، هناك أقليات "غير ناجحة" اقتصادياً، كالأفارقة الأميركيين وذوي الأصول الاسبانية والسكان الأصليين، لو تركت الأمور على حالها لتمّ قبول أعدادٍ ضئيلةٍ منهم في "مصنع النخب" هذا. الّا أنّ الكثير من البرامج الحكومية وغير الحكومية موجّهةٌ لتعديل هذه الكفّة، والعديد من الجامعات تضع "كوتا" مخصوصة حتى يتمّ تمثيل هذه الأقليات بنسبٍ تقارب عددها في المجتمع، تحت مسمّى "التنوّع" (هذه البرامج، في كلّ الحالات، لا تمثّل "رفعاً اجتماعياً" لمجمل فقراء السود في أميركا أو إعطاء فرصٍ للمحرومين، بل هي غالباً تخدم البرجوازية والطبقة الوسطى في هذه الأقليات ــــ وهي أصلاً قادرة على المنافسة في مجالات التعليم والأعمال ــــ وتعطيها حظوةً ضمن النظام، ولكن هذه قضية أخرى).

في مثل هذا النّظام من، اذاً، يجري "عصره"، من فوق ومن تحت، سواء عبر تمدّد الأقليات "الناجحة" أو عبر الدّعم الذي تلقاه الأقليات "المحرومة"؟ من هم في "الوسط". أي الطبقة العاملة البيضاء، التي لا تملك ثراءً وتعليماً يضمن لها موقعاً على سلّم الارتقاء الإجتماعي، وتعتبر ــــ في الوقت نفسه ــــ أنها لا تلقى التعاطف والدّعم الذي يحظى به باقي الفقراء في أميركا؛ وأن الجميع (الأثرياء والأقليات) يأخذ من "حصتها" في إطار نظامٍ سياسي فاسدٍ يسمح بهذه "المظلومية" ويضمن استمرارها. هذا كلّه محتمل الّا أنّه، في كلّ النظريات التي تساق اليوم حول "الترامبية" وتغيّرات المجتمع السياسي الأميركي، وفي أغلب التفسيرات الاقتصادوية التي تنتشر مؤخراً، توجد مشكلةٌ مزدوجة لا يمكن تجنبها.
بدايةً، هناك اشكالية حقيقية في حجّة المعلّق الذي يقول، من جهة، إنّه يريد "تفهّم" غضب الناخبين البيض و"النزول" اليهم والاستماع الى مشاكلهم (أو كما ينقل مات طيبي، ساخراً، عن كاتب نخبوي في "واشنطن بوست"، أنه تعلّم من صعود ترامب أنّ من واجبه شرب كأس من البيرة، بين فينةٍ وأخرى، مع هؤلاء الناس "العاديين")، ثمّ يتجاهل كامل خطابهم وحججهم وعرضهم لقضيّتهم، ويحكم بأنّ هذا كلّه ما هو الّا "وعي زائف" ينتج عن عملية اقتصادية تجري في الخلفية. المشكلة هنا ليست، فقط، في تحويل الخطاب العنصري والكراهية الاجتماعية، بشطحة قلم، الى مجرّد "وعي زائف"، بل هي في حرف النظر عن العنصرية ذاتها، وعن النظام الذي يسبّبها ويغذيها والثقافة التي تحتضنها، الى تطوّرات اقتصادية ودولية لا أحد ــــ في الظاهر ــــ مسؤول عنها ولا يمكن التحكّم بها. أي نوع من الجبرية السياسية.
هذا ما تثبته المشكلة الثانية في هذا الخطاب "التفسيري": من بين كلّ الكتّاب والمعلّقين الذين تمّ ذكرهم هنا، والذين تحدّثوا باسهاب عن أن اللعبة الاقتصادية غير عادلة في أميركا، وأنّ آليات الرأسمالية تؤدي الى إفقار عموم الناس، وأن الناخب الأبيض قد تمت "خيانته" وتبيّن أن الصفقة التي كان يعرضها النظام الأميركي عليه (إن عملت بجدٍّ واستقامة، تنال حياةً آمنة ومرفّهة) كانت وهماً؛ من بين كلّ هؤلاء، لا أحد ــــ لا يوجد استثناء ــــ أتبع هذا التحليل الاقتصادوي بالنتيجة المنطقية المفترضة له، أي ضرورة إعادة النظر بالنظام الاقتصادي، وتوزيع الدخل، أو تعديل المنظومة الرأسمالية قبل أن تفجّر المجتمع. في كلّ هذه التحليلات والمقالات، يكون التحليل "الطبقي" مقدّمةً لوصفات عن كيفيّة امتصاص هذا الغضب الشعبي الخارج عن المؤسسة، ومنعه من التحوّل الى سلطة سياسية. في نهاية الأمر، فإنّ الرسالة المضمرة في كلّ هذه التحليلات "النقدية"، التي تحذّر من ترامب وتفسّر جمهوره، هي: يجب أن نصوّت جميعاً لهيلاري.
هذه النّزعة ستقوى مع اقتراب موعد الانتخابات، وقد بدأت بالفعل مع روبرت رايخ (القيادي الديمقراطي البارز في ادارة بيل كلينتون) الذي نشر مقالاً يشرح للديمقراطيين ــــ بخاصة أولئك الذين دعموا بيرني ساندرز ــــ بأنّ كلّ صوتٍ لا يذهب لهيلاري في تشرين الثاني المقبل هو دعمٌ مباشر لدونالد ترامب: أي انّك، ولو جلست في المنزل يوم الاقتراع وقرّرت أن لا تكون جزءاً من العملية برمتها، فأنت صرت مؤيداً لترامب وأجندته.
في ما يعنينا، نحن أهل بلاد الجنوب التي تتأثر ولا تؤثّر، أن تصبح هيلاري كلينتون هي "الحلّ" أو أهون الشرّين فهذا يعني مشكلة في المعادلة بأسرها. كلينتون، كما تقول هي عن نفسها، لديها خبرةٌ طويلة وسيرةٌ حافلة، وهذا يعني أننا نعرف تماماً ما ستفعله حين تصبح في السلطة ــــ مزيج من اسوأ ما في اوباما وجورج بوش. فكرة أن ترامب هو "المرشّح العنصري" والكاره للمسلمين في وجه هيلاري "الليبرالية" تستدعي مساءلةً لتعريف العنصرية هنا، وهل هي في تعبيرات فجّة كالتي يطلقها ترامب (وأكثرها، من مقولة "ان المسلمين لديهم مشكلة" الى التمييز الاداري ضدهم، تعبّر ــــ بصراحة وقحة فحسب ــــ عن نظرة كامل النخبة الأميركية الى المسلمين)، أم أن العنصرية هي في قتل ملايين المسلمين في حروب الامبراطورية، واعتبار ان حياتهم بلا قيمة؟ يريدوننا أنّ نخاف من ترامب، ولكنّ المسألة هي أنّ السياسات الأميركية التي دمّرت بلادنا وحياتنا في العقود الماضية لم تكن نتيجة جموح سياسيّ مجنون، أو من عمل شخصية استثنائية ما كان يجب أن تصل الى الحكم. مآسينا لم يكن سببها "الاستثناء" بل طبيعة النظام الأميركي نفسه وبنيته، وعمله الاعتيادي "الروتيني"؛ من يخيفنا بحقّ ويؤذينا، نحن الرعايا الأضعف للإمبراطورية، ليست شخصيات "لامعقولة" كترامب، أو حتّى هتلر، بل الرؤساء "العاديون المحترمون" كجورج بوش وباراك اوباما وهيلاري كلينتون.