مرّةً أخرى «حلم ليلة صيف»، لكنّه هذه المرة ليس على الطريقة الشكسبيرية. فالأشخاص هنا، في مسرح الواقع، يعيدون ترتيب «أحلامهم» بكل ثقة. لا يأبهون لحشود من يعتبرونهم مجرد أرواح ميتة. يستحضرون أوراق مؤتمر القمّة العربية (2002) في بيروت، في صياغات منمّقة، ومدبّجة بعبارات غير قابلة للتأويل.


شراكة في تصفية بلا شروط


ما الذي تبدّل في الواقع العربي، الرسمي، منذ تلك القمة حتى يومنا؟ هل حقق هذا النظام «انتصاراتٍ ساحقة»، مشابهة لانتصار أيّار 2000، حين رفعت المقاومة أعلامها فوق الهضاب وفي الساحات؟!

دون مقدّمات وقراءات تاريخية، لم يتغيّر شيء سوى أن أنظمة عربية رسمية، كثيرة، أعلنت براءتها من فلسطين وقضيتها وشعبها، غير آبهةٍ بشارع، ومسيرات، واعتصامات، وتنديد، وغضب. أصبحت تتجرأ على كل شيء في عقد مؤتمرات ولقاءات علنية مع قادة الاغتصاب. لم يتغيّر شيء سوى أن هذه الأنظمة فتحت كل خزائنها لدعم الإرهاب لإسقاط سوريا، والتآمر على المقاومة. هذا الذي أصبح علنياً، وفي عيون الكاميرات.

اللهاث العربي الرسمي لتبني المبادرة الفرنسية جاء سريعاً، وعلنياً هذه المرّة. قبل عام، وحين طُرحت، أبدت دول الخليج، ومنها السعودية، بعض الملاحظات الشكلية، منها ما كان ضرورياً لوقف الاستيطان، وموضوع القدس (باعتباره مصدر حرج لها). أما اليوم، فيبدو أن هذا التحفظ قد ذهب في أدراج اللقاءات مع قادة صهاينة في الرياض، وأكثر من تنسيق في ملفات المنطقة، وهو ما أظهره اللقاء الذي جمع الأمير تركي الفيصل بمستشار الأمن القومي الصهيوني الأسبق، إسحاق عميدرور. وليس بعيداً عن ذلك، ما صرّح به الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مؤخراً، على هذا الصعيد (حول مبادرة جديدة للسلام، لكنه لم يفصح بالكثير عن تفاصيلها. لكن ما تسرّب عنها بأنها توأم مبادرة الملك السعودي عبد الله، بيروت 2002).



ليس أقل خطورة من المبادرة ما يطرح عن الكونفدرالية مع الأردن



وفي اشتباك طاحن واستعجال لتبنّي المبادرة الفرنسية، بدا ذلك واضحاً في اللقاءات التي أجراها وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك أيرولت، مع قادة خليجيين، خاصّةً بعد التصريحات الصادرة، مؤخراً، والتي أفادت بأن السعودية لديها رؤية جديدة لملف الصراع، والتخلي عن هضبة الجولان وملف اللاجئين الفلسطينيين (وهو جوهر الصراع)، ما فُسّر بأنه قفزة كبيرة عن مبادرة 2002.


عروض قيد الدراسة


ما سر العودة بقوّة، هذه المرة، والجهر بالتفاوض مع المحتل؟ مع أن الطرح الفرنسي رفضته حكومة نتنياهو، بالتوازي مع تأكيد باريس على «يهودية الدولة». لم يشفع ذلك عند تل أبيب، فمضت في تغييراتها الحكومية، ليصبح ليبرمان وزيراً للأمن، وتستبعد انضمام رئيس المعسكر الصهيوني، اسحاق هرتسوغ، إلى الحكومة. وهو الذي راهن عليه، الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، ليكون بوابة لتسويق المبادرة.


سر العودة للمبادرة الفرنسية


- أولاً: انسداد أفق المفاوضات أمام سلطة رام الله، والتي راهنت على الضغط الأميركي في حل الدولتين، وخطواتها في مجلس الأمن للاعتراف بدولة فلسطينية. وأنتج ذلك كله المزيد من التنازلات، حيث وصلت إلى حد الاستجداء في التنسيق الأمني، من قبل رئيس السلطة، والتي أصبحت في مهب الريح.

وهنا تسعى السعودية لدور إقليمي يعيدها بقوة إلى ملفات المنطقة، بعد أن غاصت بالوحل في اليمن وسوريا، إضافةً إلى أن علاقاتها ليست بأفضل حال مع الجمهورية الإسلامية في إيران. وهذا أيضاً جس نبض لإمكانية التعامل مع المبادرة الفرنسية المطعمة سعودياً، وفقاً لتسريبات صحافية عن لقاءات جرت بين قادة سعوديين وفرنسيين للوصول لصيغة إنهاء ملف الصراع. وهذا يدلّ على أن السلطة في رام الله أصبحت مجرد كومبارس، لا حول لها في ما يحصل. بل أن بعض أقطابها يعتبر المبادرة الفرنسية - السعودية هي أفضل الحلول للخروج من المراوحة في المكان ذاته.

نحن إذا أمام صورة مركبة لما يحدث اليوم، من هجوم فرنسي - سعودي- في مبادرة مشتركة، وإن لم يعلن الطرفان ذلك. لكن التقاطعات التي تحملها المبادرة المطعّمة مع الطرح السعودي اليوم لإنهاء ملف الصراع تشكل أرضية لما يمكن أن يحمله المستقبل القريب.

الموقف الصهيوني على المبادرة كان سريعاً برفضها. أعلن نتنياهو ذلك، رغم كل الوعود التي أطلقها وزير خارجية فرنسا، وعلى رأسها يهودية الدولة، ودولة فلسطينية منزوعة السلاح، وإنهاء ملف اللاجئين. ويبدو أن المناورة التي تعمل عليها حكومة الاحتلال هي لفرض شروط أخرى في ما يتعلق بالمستوطنات، والقدس الموحّدة؛ حيث ستُأخذ للدراسة الجدية من قبل فرنسا والسعودية (قبل لقاء وزراء الخارجية الأوروبيين القريب).

وليس أقل خطورة من المبادرة الفرنسية ما يطرح عن مفهوم الكونفدرالية الفلسطينية مع الأردن. وهنا التقسيم للمناطق، والسكان، وغزّة معزولة والقدس محاصرة وسلطة رام الله فاقدة للوعي منذ سنوات، والمقاومة في الضفة ملاحقة، والتنسيق الأمني على أشده، والتواصل الصهيوني مع بعض الأسماء التي يمكن أن تخلف أبو مازن. وكل هذا يأتي في مرحلة تتقدم فيها المملكة في توسيع علاقاتها مع الكيان الصهيوني، وإقامة تحالفات خليجية تنسف ما يسمى بجامعة الدول العربية، وتصادر دور مصر من خلال ايقاعها في شباك المال السياسي وجعلها تدور في مربع تقديم اقتراحات لحل الصراع ما يلتقي مع تطلعات أميركية وغربية لتصفية قضية اللاجئين وعودتهم.

«حلم ليلة صيف» لا يأخذ بتطلعات الفلسطينيين الذين أحيوا ذكرى النكبة 68، ولا يأخذ حق عودة 8 ملايين لاجئ هجرتهم آلة الارهاب الصهيوني، ولا يتعامل مع انتفاضة فلسطين إلا كأرقام ينساح دمها كل يوم. هذا الحلم الذي راودهم من عام 1948، وشرعن الاحتلال في الامم المتحدة، سيبقى حلماً... مجرد حلم.

هكذا يقول أبناء فلسطين في نكبتهم، أنهم هم من يقرر وقواهم المقاتلة على الأرض. وكما انتصرت فلسطين في أكثر من عدوان ستنتصر في مواجهة مشاريع التصفية، وهذه المرة بأيد عربية قبل أن تكون غربية.

* إعلامي وكاتب فلسطيني