أما وقد شارفت احتفالية مئوية اتفاقية سايكس – بيكو على الانتهاء، فبات بالإمكان المساهمة في الإجابة عن بعض الأسئلة التي شغلت المفكرين والباحثين ومراكز الأبحاث خلال الأسابيع الماضية. وتأتي في مقدمة تلك الأسئلة: هل حققت الاتفاقية أهدافها، وهل هي مستمرة أم انتهت، وهل هناك اتفاقية جديدة مماثلة يتم العمل على وضعها اليوم؟


للأسف الشديد، فإنّ أول ما يطالع المرء لدى قراءة عدد من المقالات والأبحاث التي كتبت حول هذا الموضوع هو "ثبات الصورة" النمطية في الوعي العربي. العديد جداً من المقاربات حول هذا الموضوع يأتي في إطار تصوّر الخريطة العربية موضوعة على مائدة، يحيط بها "متآمرون"، يعملون تقطيعاً وتجزئة بالشوكة والسكين.

ويغيب عن معظم النقاشات التي تتناول الاتفاقية حقيقة أنها لم تكن أكثر من دينامية أطلقت عملية التقسيم وتكريس التجزئة في منطقتنا، وأنها بذاتها خضعت لتغييرات وعمليات تحديث عديدة، أبرزها: الثورة البلشفية ووعد بلفور عام 1917، (انسحاب روسيا من الاتفاقية) ونتائج مؤتمر سان ريمو عام 1920 (بروز الدول الكيانية)، وكل ذلك حصل بعد (سايكس – بيكو) لا قبلها. وهذا يدلّ على أن هذه الاتفاقية، كغيرها من الاتفاقات الدولية، كانت تعبيراً عن ميزان القوى الدولية في لحظة ما، وتخضع للعوامل المتعددة والمتغيرة، وليس "جوهراً" أزلياً، على حد توصيف نهلا الشهال.

بواقع الحال، شكلت (سايكس – بيكو) الإطار البريطاني – الفرنسي للتعبير عن عصر الامبريالية الأوروبية مطلع القرن العشرين. وكانت روسيا القيصرية شريكاً هامشياً. نتائج الحرب العالمية الثانية أخضعت الاتفاقية إلى تعديل، حيث دخلت إيطاليا (في ليبيا) وإسبانيا (في المغرب) على خط تقسيم المنطقة وثرواتها. وورثت الولايات المتحدة الأميركية، وتحديداً بعد عام 1956 (العدوان الثلاثي على مصر) التركة الأوروبية.



لقد اختُرعت الهويات الوطنية،

في أغلب الأحيان، عبر الخداع وتزوير التاريخ




لا يمكن في هذه العجالة الإحاطة بكافة تأثيرات سايكس – بيكو و"ملحقاتها" على منطقتنا. غير أنه يمكن التركيز على أثرين بالغين لها: الأول: نشوء "الدولة" الكيانية، والثاني: اختراع الهويات الوطنية. الظن أن الدولة الكيانية جاءت تعبيراً عن هويات وطنية قائمة على أرض الواقع، هو على خلاف الحقيقة والواقع: لقد تمّ اختراع الهويات الوطنية، في أغلب الأحيان عبر الكذب والخداع وتزوير التاريخ وتلفيق الأساطير، لخدمة "الدولة – الكيان"، التي لم تتشكل كنتاج سيرورة اجتماعية وتاريخية لشعوب المنطقة، بل عبر فرضها بالقوة العسكرية والاحتلال الأوروبي والغربي المباشر. ولم تستطع مرحلة التحرر من السيطرة العسكرية المباشرة أن تكسر هذين الأثرين، بل عملت ثورات تلك المرحلة على ترسيخهما في الوعي الجمعي لشعوبها.

ولئن كان ينظر إلى سايكس – بيكو (وملحقاتها)، بحق، على أنها مؤامرة لتجزئة الوطن العربي والإسلامي، وتفتيته بغية إعاقة كل إمكانية لإعادة توحيده في كيان اجتماعي ــ سياسي موحد، ولئن ارتبطت "الدولة الكيانية" العربية بالمحتل، ولئن عملت الدول الغربية على استدامة عملية التجزئة والتفتيت عبر زرع الكيان الإسرائيلي في المنطقة من جهة، وتعزيز عملية تغريب واسعة من جهة ثانية.. لئن حصل ذلك كله، فإنّ الحركات التحررية في المنطقة لم تذهب باتجاه مواجهة ذلك كله، وإن كان كثير منها قد رفع شعارات تحرير فلسطين والوحدة العربية أو الإسلامية، والسيادة والاستقلال.

بهذا المعنى، يمكن القول إن سايكس – بيكو (وملحقاتها) لا تزال مستمرة، ولا يبدو أنّ هذا المعنى في طريقه إلى الانتهاء قريباً. ذلك أن دينامية التفتيت التي أطلقتها الاتفاقية تحوّلت – بعد مائة عام – من كونها دينامية تمزيق خارجية فرضت بالقوة العسكرية، إلى دينامية تمزّق داخلي لا تزال فعالة ومستمرة، رغم التراجع الكبير الذي شهدته السطوة الغربية في المنطقة.

شهدت السنوات الأخيرة سلسلة من التغيرات التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند البحث في حقيقة وجود "مؤامرة" جديدة لإعادة ترسيم المنطقة (تجزئة المجزّأ). ذلك أن مثل هذا التصور لا يزال يستعيد الصورة الذهنية الثابتة حول المائدة، ذات الشوكة والسكين. ويضفي ما تشهده المنطقة من صراعات وانهيار لبعض الأنظمة وتفتّتها إلى مناطق متنازعة، مسحة من المصداقية عليها. وإضافة إلى ذلك، تلعب "خرائط" يتم "تسريبها" في الإعلام الغربي حول إعادة تقسيم المنطقة، دوراً في تعزيز هذا الاعتقاد. غير أن ذلك كله لا يكفي لاعتبار أن الغرب يعكف على وضع خريطة جديدة للمنطقة.

الغرب ليس جوهراً، على تعبير نهلا الشهال، ولا قدراً كذلك. شهدت السنوات الست الأخيرة سلسلة من المتغيرات التي لا يمكن القفز فوقها في تحليل علاقة الغرب بالمنطقة. شنت الحرب على العراق، عام 1991، بذريعة أنه تجاوز الحدود الدولية مع الكويت: أي أنه تجرأ على المس بإفرازات سايكس – بيكو. وبغض النظر عن حقيقة الدوافع، فإن المسّ بملحقات (سايكس – بيكو) كان حجّة كافية. غير أن الغرب لا يتحرك اليوم لوقف "تجاوزات" مماثلة: "تنظيم الدولة" محا الخط الحدودي بين العراق وسوريا بالكامل، والسعودية فرضت على الرئيس اليمني السابق القبول باقتطاع جزء من اليمن، قبل أن تحرك قواتها باتجاهه؛ ومصر تقول إن جزيرتي صنافير وتيران سعوديتان، وتقوم بتسليمهما إليها. وبالمثل، يتحرك حزب الله على الحدود بين لبنان وسوريا بحرية تامة، ومثله يفعل الجنرال سليماني في العراق. والأكراد يغيرون الحدود في كركوك وغيرها. كل ذلك يجري تحت نظر الغرب.

قد يرى البعض أن ذلك بالذات دليل على وجود خريطة جديدة للمنطقة، وأن هذه التحركات تدلل على ذلك. هنا يجب التمييز بين تغيّر الخرائط عملياً، وبين وجود مخطط لذلك.

كافة الدلائل تشير إلى أن الغرب لم يعدّ تلك القوة المؤثرة في رسم خرائط المنطقة: أعلنت الولايات المتحدة أن منطقة عملياتها الاستراتيجية لم تعد الشرق الأوسط، بل منطقة الباسيفيك. بعبارة أخرى، أعادت الإدارة الأميركية تحديد مصالحها في الشرق الأوسط: ضمان استمرار وجود الكيان الإسرائيلي، وتأمين ممرات الملاحة الدولية، والتدخل في تحديد أسعار النفط، بما يخدم هيمنتها على التجارة العالمية. الحفاظ على حدود سايكس – بيكو ليس من ضمن تلك المصالح. وأوروبا على شفير الانهيار الفعلي، ولا سيما إذا ما صوّت البريطانيون لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي خلال شهر حزيران الحالي. هذا إضافة إلى التحديات الجديدة في أوروبا، ولا سيما المهاجرون والهجمات على أراضيها، والأزمات المالية التي تعصف ببعض دولها. على خلاف أوروبا مطلع القرن العشرين، فإن أوروبا مطلع الواحد والعشرين تبحث عن هوية!

أثبتت القوى العسكرية الغربية، على اختلافها بين أميركية وأوروبية، عجزها عن فرض إرادتها. منيت الآلة العسكرية الغربية بسلسلة هزائم في الميدان لا تمكنها من فرض إرادتها. صحيح أن العسكرية الغربية لم تفقد قدرتها على التدمير والتخريب، غير أنها فرضت قدرتها على فرض رؤيتها ومخططاتها. وحال الكيان الإسرائيلي – وهو الذراع العسكرية والاستخباراتية الغربية في المنطقة – ليس أفضل حالاً في ذلك.

خلفت هزيمة المشروع الأميركي في العراق، إضافة إلى الانهيار المالي عام 2008، حالة من الفراغ الجيواستراتيجي في المنطقة، التي تسعى كل الأطراف إلى ملئها. وفي هذه الحالة بالضبط، تبدو قدرة اللاعبين الإقليميين أكبر من قدرة اللاعبين الدوليين. رغم كل الجولات المكوكية التي قام بها وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، فإنه لم يستطع زحزحة ورقة واحدة في ملف التسوية المتعثر. ولا يتوقع أن تكون المبادرة الفرنسية أحسن حظاً. وأثبتت الوقائع الميدانية أن أي اتفاق (روسي – أميركي) لم يعد يمتلك تلك السطوة التي كان يمتلكها لقاء الجبارين في الماضي. اليوم، تنهار كل اتفاقات التهدئة في سوريا بقرار يتخذه تنظيم محلي مكون من بضع مئات من الأفراد. مثل ذلك أيضاً يحصل في غزة، في فلسطين.

قبل أيام، كتب وزير الخارجية الألماني الأسبق، يوشكا فيشر، والذي شغل أيضاً منصب نائب المستشار، قائلاً إن "القوى الإقليمية، وليس القوى الخارجية (بما في ذلك روسيا)، هي التي ستخلق النظام الجديد في الشرق الأوسط على حطام نظام سايكس بيكو." وأضاف: "في الوقت الذي تنهي فيه الحروب بالوكالة، مثل تلك التي تجري في سوريا، أعمالها، فإن سايكس – بيكو سيغدو اتفاقاً من التاريخ".

وبهذا المعنى، يكون سايكس – بيكو قد انهار، حيث لم يعد بإمكان القوى الغربية ضمانة بقائه، كما لم يعد بإمكانها إعداد بديل عنه. صحيح أنها لم تفقد قوتها على التدخل والتأثير، ولكن ذلك شيئاً آخر مختلف.

باتت الكرة الآن في ملعب القوى الإقليمية. ومن هنا يمكن فهم التقارب الإسرائيلي – الخليجي، والاهتمام الإسرائيلي بإقامة علاقات مع قوى إقليمية، تشكل ظهيراً هاماً، وليس بديلاً بالضرورة لرعاته الغربيين.

هذه الفرصة المفتوحة أمام المنطقة لإعادة تسلم زمام أمرها بيدها ربما لا تطول كثيراً. وللأسف، فإن هذه الفرصة، وبدلاً من استغلالها للتخلص من إفرازات سايكس – بيكو (وملحقاتها)، فإنها قادت إلى الفوضى. يعود السبب في ذلك ليس إلى صراع الهويات المتفجر في المنطقة، بل إلى سبب أكثر عمقاً، والذي غالباً ما يتم تجاهله للأسف، وهو الصراع على السلطة في "الدولة الكيانية".

انهيار سايكس – بيكو لا يعني بالضرورة انتهاء مفاعيل تأثيراته ونتائجه، أو على الأقل لن يحدث ذلك بنفس سرعة انهيار الاتفاقية ذاتها. ثمة آثار ومخلفات تحتاج إلى وعي حقيقي بعمقها لكي يتم تجاوزها. وأول تلك الآثار هو مفهوم "الدولة".

شكلت "الدولة الحديثة"، ولا سيما في الواقع العربي محور العديد من الدراسات. ورغم الطابع النقدي لكثير منها، إلا أن معظمها تعاطى مع الدولة وكأنها "جوهر" ثابت لا يتغير. وكأن الدولة "مفهوم"، وكأنها فوق تاريخيانية، ولا تخضع لتغيّرات المكان والزمان. لا يختلف في ذلك فكر "الإسلام السياسي" عن الفكر القومي أو الفكر العلماني الليبرالي. فعلى ما بين هذه التيارات من اختلاف، إلا أنها كلها تتعاطى وفق نفس النظرة إلى الدولة. ولهذا السبب بالذات، يغدو الصراع بينها صراعاً على السلطة، لا صراعاً على الهوية.

وعليه، يشكل نقد "الدولة الحديثة" نقطة انطلاق أساسية للتخلص من آثار سايكس ــ بيكو، والخروج من دوامة دينامية التمزق الداخلي. صراع الهويات في منطقتنا ليس هو الذي أطلق الصراع حول الدولة وعليها. بل العكس هو الصحيح.

* باحث وكاتب فلسطيني