بعد نحو خمس سنوات على انطلاقتها، لا نحتاج الى كثير من التوضيح لإثبات أن القوى الإقليمية والدولية التي أشعلت الحرب ضد النظام السوري، لا تضع ضمن جدول أعمالها مصالح السوريين وأولوياتهم في الحرية والعدالة والخبز. غني عن القول إن الدول تقدم مصالحها الوطنية على ما عداها. افتراض العكس تكذّبه النظريات والتطبيقات.

في ٢٠١١، بدا الوضع ملتبساً بعض الشيء. وحدها السعودية، ربما، كانت لديها تصورات واضحة، حاسمة وفورية: رمت بكل ثقلها السياسي والمالي والعسكري ضد أي تحركات جماهيرية في مصر، واليمن، والبحرين، وفي المقابل قذفت بحمم النار الملتهبة على سوريا وليبيا (ولاحقاً اليمن)، وفي معظم الحالات انتهت الأوضاع إما إلى حرب أهلية (اليمن، سوريا، ليبيا)، أو إلى تعميق الاستبداد (مصر، الأردن، البحرين)، وحدها تونس خرجت بتسوية «لا غالب ولا مغلوب».
اختارت الرياض منذ البداية، وإبان حكم الملك عبدالله (١٩٢٤- ٢٠١٥)، وليس بعده، سياسات العدوان، أو «الحزم» كما يسميها السعوديون. الحرب الطائفية التي غذّتها الرياض منذ الحرب العراقية على إيران (١٩٨٠- ١٩٨٨)، تفاقمت في عهد الملك عبدالله، إثر انتصار حزب الله في عدوان إسرائيل على لبنان (٢٠٠٦)، الذي عدّته الرياض إنجازاً إيرانياً.
عبدالله «المعتدل»، هو ذاته الذي دعا إلى «قطع رأس الأفعى» في ٢٠٠٨، ناصحاً الأميركيين بشنّ عدوان على الجارة إيران، في حرب لو حدثت ما كان أحد يتوقع تبعاتها.
لم يحكم أخوه الأكبر، الملك فهد، ٢٣ عاماً، بل ١٣ فقط، فيما حكم عبدالله فعلياً منذ ١٩٩٥ (مع اعتلال صحة فهد) حتى ٢٠١٥، وهي السنوات التي شهدت تحولات دراماتيكية في المنطقة، أخلت بالأمن القومي العربي.
أمر عبدالله قواته بغزو البحرين في مارس/ آذار ٢٠١١، ضد حركة سلمية، طالبت بتصحيح الأوضاع في الجزيرة الصغيرة. لم يكن عند الملك عبدالله أي تصورات بديلة للعنف، أبلغ ذلك الأميركيين، وليس مفاجئاً أنه وجد تفهّماً واضحاً، فيما كان نظراؤه الخليجيون توّاقين لتدخّل في الجوار، خصوصاً محمد بن زايد المندفع نحو ما بدا تالياً إنه انخراط إماراتي في الاتجاه الخطأ في الحدث الإقليمي المجلجل. لكن، وللتدقيق، لم يختلف الخليجيون الآخرون في تقييم وجوب إيقاف التمدد الشعبي في البحرين، وإن تعاطوا بصورة أقل تشدداً، في المظهر.
كما قاد الملك عبدالله عملية اجهاض الثورة اليمنية عبر المبادرة الخليجية (أعلنت في ابريل ٢٠١١)، التي أرادت إعادة انتاج نظام موال للرياض. ما كان يهم السعوديين والخليجيين تحقيق مصالح اليمنيين، الذين تطلعوا، بعد ثورة في ١٧ فبراير ٢٠١١، إلى إعادة جذرية لهيكلة السلطة، تعيد لعموم الشعب الاعتبار، بما فيهم الحوثيون والجنوبيون.
في مصر، ساهم الملك عبدالله نفسه في تشكيل مسار انقلاب يوليو ٢٠١٣، ضد ما كان يؤمل يوماً بأنه بداية لتحول ديمقراطي في اكبر قوة عربية مؤثرة، بنخبها العريقة، وتاريخها الزاخر، وامكاناتها الواعدة.
لم يكن التحرك في سوريا منبتاً عن الرؤية السعودية لتعاضدات المنطقة. أرادت الرياض دائماً أنظمة هزيلة وتابعة في الجوار العربي المشرقي، وهي رؤية تمتد إلى لحظة تأسيس المملكة في ١٩٣٢، المدركة مبكراً لتعقيدات الجيوبوليتيك، وتجلت هذه الرؤية برنامجاً عملياً للإطاحة بمصر جمال عبدالناصر، القومية، والمشتغلة نحو تثبيت الاستقلالات الوطنية، الهشة حينها.
وجدت السعودية لحظة ٢٠١١ سانحة للمضي في ذات البرنامج: الانقسام المصري يسمح بالنفاذ وتعميق التشظيات، وأداء الإخوان المسلمين غير المدرك لتعقيدات المشهد الداخلي، المتساهل بنوايا الرياض، المرتاح لضمانات الأميركيين المبهمة يسهم في رسم مشهد سوريالي أخّاذ رافض لحكم الرئيس الإخواني محمد مرسي، ولا يكتمل المشهد إلا بالدعم الخليجي الذي لوّح به الثنائي السعودي الإماراتي ليشجع الجيش، النهم للسلطة، للانقضاض على المسار الوليد.
لا يتضمن جدول الأعمال السعودي البعد الديمقراطي وحكم القانون والشرعية الشعبية، بل إن الرياض ترى في هذا البعد تهديداً لنموذجها القائم على حدّ السيف، وتشويه الدين، وثروة نفطية هائلة، وقبل كل ذلك وبعده الارتهان للغرب.
في أجواء كهذه، ازدادت الأوضاع السورية قتامة، وإذا أضفنا إليها الحدث العراقي النازف والمندفع لكل السيناريوهات سوءاً، حينها يبدو قلق حزب الله في مكانه.
في ٢٠٠٣، دعا زعيم حزب الله السيد حسن نصر الله المعارضين العراقيين إلى رفض الغزو الأميركي الذي كان قيد الإعداد، والتفاهم مع الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين على صيغة لتقاسم السلطة، حتى لو كانت محاصصة على الطريقة اللبنانية، لتجنب الأسوأ، الذي وقع بالفعل: تمدد الأميركيين في الساحة العربية، وازداد العرب تشرذماً، وتقدّم الخليجيون المشهد العربي خطوات، وصعدت قوى التكفير وتعززت الطائفية، ولم ينجح الحكم الجديد في انتشال العراق من محنته، وحتى مع تلويح واشنطن بإعادة الانتشار عالمياً، فإنها تبقي وراءها حروباً تكاد لا تنتهي، واستبدادات أشد شراسة مما سبق، بقيادة الرياض، وهذا لا يمنع القول بأن حرب العراق أرهقت أيضاً واشنطن واقتصادها ومؤسستها العسكرية.
منذ تأسيسه، عنى حزب الله كثيراً بموضوعة الهيمنة الغربية أكثر من أي أمر آخر. في وثيقته لعام ١٩٨٥، أو في وثيقة ٢٠٠٩، لا يبدو أن مدخل الديمقراطية للنهوض بأمة العرب والمسلمين، جاذب لحزب الله. دائماً ما يجد الحزب اللبناني الأبرز في المشروع الأميركي الإسرائيلي الخطر على الأمة، وأضاف إليه لاحقاً المشروع التكفيري (مع ذلك سيظل مطلوباً من الحزب أن يوضح موقفه من الديمقراطية، ولماذا لا يجدها مدخلاً لمواجهة الهيمنة الغربية، وصد الاحتلالات).
المشروع الغربي يزحف نحو دمشق، جنباً إلى جنب مع المشروع التكفيري، فيما يكاد يتلاشى الحديث عن الديمقراطية والحرية، حينها لا بد لقرون الاستشعار العالية الحساسية لدى الحزب، المطلوب رأسه أميركياً وإسرائيلياً وسعودياً، أن تؤشر إلى اللمبة الحمراء.
لا يمكن التصديق إن الأميركيين يبغون الحرية للسوريين، ولا السعوديين يسعون لتأسيس نظام دستوري على الطريقة البريطانية أو السويدية، ولا التكفيريين يتطلعون إلى برلمان وحكومة منتخبين في دمشق، ولا الإسرائيليين يرغبون في رؤية جيش عربي قريب من فلسطين المحتلة قادر على أن يشكّل رقماً في المعادلة الإقليمية المعتلّة. تلك المشاريع لا يهمها الوضع الداخلي السوري، إلا بالقدر الذي يلبي برنامجها غير المشروع.

لا يمكن التصديق
أن الأميركيين يبغون
الحرية للسوريين

في ظل ذلك، فإن الخيارات أمام الحزب كلها سيئة، ولعله سيختار الأقل سوءاً من بينها، فالبقاء على التل يعني تمدداً لتلك المشاريع التي سيكون الحزب وقاعدته وتحالفاته اللبنانية والإقليمية هدفاً مباشراً لها، فيما ستكون سوريا ساحة مُثلى لتقاسم النفوذ الإسرائيلي السعودي التركي، برعاية أميركية، وفوق ذلك مصدراً للشقاق العربي، مصدرة للطائفيين والإرهابيين، ونموذجاً يطيح بأي فكرة قومية أو تحررية، وأيضاً بالفكرة الديمقراطية التي أضر بها النموذج العراقي، وتجارب الربيع العربي الموؤودة.
لم يكن تورط حزب الله في سوريا خياراً مخططاً له. لم يرغب في الولوج في تلك الطاحونة التي لا نهاية سريعة لها... لقد جر إلى ذلك جراً. هي حرب مفروضة على حزب اعتاد توجيه سلاحه للعدو الإسرائيلي، لكن عدم التورط في سوريا، أو التعالي عن محاولة العمل على انقاذ ما يمكن إنقاذه، تعني خسارة بيّنة للحزب ذي التأثير الإقليمي البالغ، بيد أن مشاركته تدفع به تلقائياً في أتون صراع لا رابح فيها، إلا تلك المشاريع المعادية للمنطقة.
نجحت الحرب السورية في تمزيق ما تبقى من تضامن عربي، اختار الحزب مكرهاً الانخراط في صراع طالما تفاداه، فيما حشدت السعودية، يد الشر الأميركية في المنطقة، كل إمكاناتها لتعميق المشكل السوري، بل مضت في توسيع الحرب ضمن اليمن، حين وجدت الأجواء العربية مستسلمة لليد السعودية الطولى، في ظل انهيار دول العرب المركزية واحدة تلو الأخرى: الهدف القديم للرياض والغرب وإسرائيل.
تجد الرياض في مصر القوية خطراً، وفي العراق المستقر منافساً، وفي سوريا المستقلة المعادية لإسرائيل نموذجاً محرجاً. التحالف الغربي السعودي متفق على أنّ تدمير البنى العربية القائمة يصب في صالح أمن إسرائيل، ويتوّج السعودية زعيمة على المنطقة المدمرة.
مع مقتل الشهيد مصطفى بدر الدين، القائد العسكري البارز في حزب الله، منتصف الشهر الماضي، اتضح أنّ جرح حزب الله عميق، لا ناصر له بين العرب إلا قلة، كما كان معظم الوقت في حربه ضد إسرائيل، حتى مع اتضاح الأهداف السيئة للمنظومة القائدة للحرب ضد نظام حكم البعث السوري، الذي عجز مبكراً، وحتى بعد غزو العراق، في استكشاف المقبل، وتراخى في تأمين الداخل، واستمر استئثاراً وبطئاً في الإصلاح، وقد كلفه ذلك غالياً، كما كلف إيران وحزب الله.
وقد يصح قول البعض هنا، إنه حتى مع انخراط بشار الأسد وحزب البعث الحاكم في خيار داخلي تصحيحي مع مطلع الألفية الجديدة لم يكن لينجيه بالضرورة مما جرى، لكن لعله جعل الأضرار أقل، ودائرة التعاطف مع النظام أوسع.
لم نجد تعاطفاً بالقدر المأمول عند لحظة اغتيال الشهيد بدر الدين. بكت الضاحية الجنوبية فقيدها الكبير في صمت، وفخر. وشاع الغضب والرهبة صنعاء ودمشق وطهران ومناطق أخرى احتراماً وتقديراً للشهيد وحزبه، وصبغ التشتت والضياع والذهول عواصم عربية أخرى، بما في ذلك القاهرة، فيما عمّت الفرحة والشماتة بعض القصور الخليجية وإعلامها، في موقف يعكس فجوراً في الخصومة.
لا توقعات البتة بأن يبدّل حزب الله خياراته التي يتأكد يوم بعد آخر أنه يكاد يكون الخيار الوحيد الذي لا بدّ منه لصد ما أمكن من زحف ائتلاف واسع من القوى الشريرة، ضد أنبل تجربة في المنطقة العربية.
المستقبل لا يحمل الكثير من البشرى للسعوديين والنظام العربي: حالة الحرب مستمرة، ولدى حزب الله وإيران قدرات ذاتية للصمود، وقناعة راسخة بالمواجهة حتى تنكسر شوكة المعتدين. لكن ليس هذا ما يرغب السيد نصر الله في رؤيته، يريد الزعيم الكبير أن يرى المصالحات تعم سوريا والمنطقة، وأن لا يضطر للحرب أكثر، إلّا إسرائيل.
* كاتب وإعلامي من البحرين ــ لندن