من المشهور عن العاصمة الأميركية واشنطن أنها قد صُمّمت، وبخاصة وسط المدينة حيث البيت الأبيض والمؤسسات السياسية والصروح الوطنية، حتّى تكون مبهرةً ومثيرةً لإعجاب الزوار والرؤساء الأجانب ومن يدخل اليها (من المعروف ايضاً أنّها من المدن الأميركية القليلة التي لم تخطّط بحسب نظام المربّعات والشوارع المستقيمة المتعامدة، بل أُقيمت فيها ــــ لغاياتٍ دفاعية ــــ "دوائر" وساحات تنبثق منها الشوارع الرئيسية). بالفعل، بعين السّائح أو الزائر، فإنّ نظرةً لوسط العاصمة من موقعٍ كاشف تُظهر ما يشبه نسخةً عصرية عن روما الامبراطورية: رموزٌ فرعونية ويونانية ورومانية ترتفع في كل مكان، مبان نيوكلاسيكية هائلة، تحفّ بها أعمدةٌ وقباب، تحوي الوزارات الفدرالية والمؤسسات الوطنية؛ ومتاحف ونصب تصطفّ على جانبي مستطيلٍ معشّبٍ يمتد لكيلومترات، تحدّه من جهة قبّة الكابيتول ومن الجهة الأخرى نصب لينكولن الضخم.

غير أنّ هذا الجزء من واشنطن هو، أساساً، للسياح وكاميراتهم والاحتفالات والمناسبات، فيما واشنطن "الحقيقية" تبدأ بضعة شوارع شمال هذه الرموز الوطنية، في وسط الأعمال وشارع "ك"، حيث تتجاور المباني الحديثة التي تضمّ مراكز اللوبي ومؤسسات الدراسات وشركات الاستشارات والمحاماة، وحيث لكلّ مصلحة وشركة وطائفة في البلد مكتب وتمثيل. ثم الأحياء الشمالية الغربية للمدينة، ببيوتها القرميدية الفخمة، وصولاً الى منطقة جورجتاون الثرية. هنا يقطن المجتمع الذي يحكم العاصمة ــــ والعالم ــــ وهو لا يقتصر على سكّان المدينة (وهم أقل من نصف مليون) بل يمتدّ الى منطقةٍ تحيط بالعاصمة لعشرات الكيلومترات، يسكنها الملايين من الناس، وهي من أكبر مراكز الأبحاث والأعمال والتكنولوجيا في اميركا، يقدّر ناتجها القومي بأكثر من 400 مليار دولار. ولأنّ هذه المصالح والأبحاث والخدمات تموّلها العقود الفيدرالية، فإن منطقة واشنطن لا تخضع لدورات الازدهار والركود التي تعصف بغيرها، فالميزانية الفيدرالية سوقٌ لا يكسد، وهذا النمو المستمر قد جعل أثرى الأحياء و"العناوين البريدية" في أميركا متركّزة في ضواحي العاصمة.
بحسب كتاب "هذه البلدة" للصحافي مارك ليبوفيتش عن مجتمع واشنطن، فإن المكان يقوم على قاعدتين أساسيّتين: ما يربط جميع أعضاء "النادي" هو أنهم قرروا أن يكونوا أثرياء وأن يساعدوا بعضهم على ذلك، وأن واشنطن، وإن كانت مكروهةً في البرّ الأميركي وتأثيرها سلبي على أميركا والعالم، الّا أنّها بالغة الكرم والسخاء مع الكائنات التي تسكنها وتدير "لعبتها". واشنطن، يقول ليبوفيتش، هي من الأماكن القليلة (الى جانب نيويورك ولوس انجلس) التي يمكن للمرء فيها أن "يعيد اختراع نفسه"، ويصير فيها ايرلندي من الطبقة العاملة كالاعلامي تيم راسرت، أو ابن عائلة فقيرة في نيفادا كالسيناتور هاري ريد، نجوماً في يوميات المؤسسة الأميركية ومناسباتها وحفلاتها.
واشنطن، بالنسبة الى ليبوفيتش، هي المفصل الذي تلتقي فيه أقانيم المال والسياسة والإعلام، من موظفي اللوبيات والمحامين ومساعدي السياسيين، وصولاً الى الصحافيين والباحثين والسفراء الأجانب. فيما الجوّ في مكان كنيويورك أو "وادي السيليكون" قد يكون تنافسياً وعدائياً، وأنت لا تثبت نفسك الا عبر الكفاءة التقنية والحقة، ففي واشنطن المجتمع أكثر لياقة وتساهلاً، ولا ضرورة للتنافس المحموم، إذ أنّ الفاتورة ــــ عن الجميع ــــ يدفعها البلد والعالم بأسره. لا ضرورة لأن تكون الصورة التي تبثها عن نفسك دقيقة وصادقة، بل في وسع توماس فريدمان، مثلاً، أن يدّعي أنه يتكلم العربية بطلاقة، ويعامله الجميع في واشنطن على هذا الأساس (بل يقع ليبوفيتش نفسه في فخّ الصورة، حين ينقل، بكل جدية، أن فريدمان كان يتبادل دوماً أطراف الحديث بالعربية مع مضيف برنامج "لقاء الصحافة" في الكواليس، وهو مصري الجنسية). لا يمكن أن تنجح في واشنطن من دون طموحٍ هائلٍ مركّز، يقول ليبوفيتش، ولكن من أسرار النجاح أن تخفي هذا الطموح بالحرص نفسه. بل أنّ اللباقة و"اللمسة الشخصية" هي مهارةٌ أساسية لمن يريد النجاح والارتقاء في العاصمة. هاري ريد، بحسب ليبوفيتش، يقول لكل من يلتقيه أنه يحبه؛ وحين يسمع الاعلامي راسرت بأن تيد كينيدي مصابٌ بالسرطان، يرسل اليه مسبحة صلاةٍ باركها البابا بنفسه، وحين يموت راسرت بعدها بسنوات، تعيد عائلة كينيدي، بدورها، المسبحة الى أرملته، فتضعها في التابوت قبل أن يُدفن.
تصبح لاعباً في المدينة حين لا يعرف أحدٌ بالتحديد ماذا تفعل، يقول ليبوفيتش، وكتابه يعجّ بهذه الشخصيات: كِن دوبرستين الذي قضى أشهراً قصيرة مديراً لمكتب ريغان في نهاية ولايته في الثمانينيات، ثمّ بنى حياةً مهنية لعقودٍ على هذه الذكرى، وما زال يتقاضى الملايين ثمناً لعلاقاته ووساطاته و"خبرته". بوب باريت الذي يجلب الوظائف المربحة للسياسيين حين يخرجون من مناصبهم، وهو يمثّل كلّ من له قيمة في المدينة تقريباً، وإن كان يفاوض نيابة عنك في صفقة أو في خلاف، فهو على الأرجح يمثل الطرف الآخر ايضاً. وتامي حداد، منتجة اعلامية سابقة من أصلٍ سوري، أصبحت أهم من ينظّم اللقاءات والمناسبات الاجتماعية الكبرى، لا يعرف أحدٌ تحديداً ماذا تعمل، ولكنها تعرف الجميع…
التوسّع الكبير لهذه الطبقة، وهي استفادت من كل مرحلة تاريخية، كان مع صعود ما يسميه الأميركيون بـ"دولة الأمن القومي"، وبخاصة بعد 11 ايلول، حين انهمرت مئات مليارات الدولارات، كثيرٌ منها أنفق في واشنطن، على مختلف برامج "مكافحة الارهاب" وتقنيات الأمن والمعلومات، وصولاً الى شراء "الخبرة" والمعرفة حول المجتمعات الاسلامية وسبل التأثير فيها. "الكتيبة العربية" في "البلدة" (وقد كان هناك تاريخيا عدد محدود من العرب يمكن اعتبارهم "لاعبين" في العاصمة الأميركية، وهم اليوم بالعشرات، وفي ازدياد) هي من نتاج هذه المرحلة. مؤسسات الحكومة الأميركية التي استضافت هؤلاء العرب ووظفتهم، كـ"راديو سوا" و"الحرة"، ما هي الا من فتات هذا التمويل؛ وكلّ حربٍ أميركية جديدة في المنطقة ــــ وصولاً الى سوريا ــــ أضافت الى هذه "الكتيبة" أعضاء جدداً.
من الصعب تكوين فكرةٍ شاملة عن هذه الفقاعة المعزولة عن العالم وظروفه، ولكنها تتحكم به. أذكر أن واشنطن قد أثارت إعجاب سمير قصير حين زار أميركا للمرة الأولى، في أوائل الألفية، وقد كتب مقالاً عنها، وامتدح جامعة جورجتاون بحماسةٍ وحثّني على الذهاب اليها. أمّا من جهةٍ أخرى، فقد كانت زميلة مصرية تقول لي، أيام حرب العراق، أنها حين تشاهد شوارع واشنطن الهانئة، وأشجارها الكثيرة وقنواتها الجميلة، فهي لا ترى جمالاً ودعةً، بل قبحاً وموتاً ودماءً، تختبىء بالكاد خلف الواجهة الجذابة. المسألة، في نهاية الأمر، تعتمد على تعريفك للجماليات، وللقوة ايضاً، وهما دوماً على اتصال.