ليس صحيحاً ما قاله مسؤولو الاتحاد الأوروبي، لدى افتتاح نفق غوتارد الجديد في سويسرا الأسبوع الماضي، بأن النفق "سيفتح أوروبا على بعضها". فهذا الامتياز، في الحقيقة، يعود الى عام 1882 ونفق غوتارد الأوّل، وطوله أقل من ثلث طول النفق الحالي، وهو أعلى منه بستمئة متر على سفح الجبل، ولم يكن يتّسع الا لمرورٍ قطارٍ واحدٍ في الوقت نفسه. غير أن نفق سان غوتارد القديم، كما يروي كريستيان وولمار في كتابه عن تاريخ سكك الحديد، كان بالفعل مفصلاً ثورياً في تاريخ اوروبا وسويسرا.

تفصل شمال اوروبا عن جنوبها سلسلة جبال الألب، من النمسا الى فرنسا، لتجبر التجّار، منذ أكثر من سبعة قرون، على استخدام معابر جبلية معيّنة، أهمّها سان غوتارد، وهو يعني أن تتسلّق العربات والبضائع الى ارتفاعٍ يفوق الألفي متر، عبر طرقات متعرّجةٍ وخطرة؛ ويعني ايضاً أن التجارة ستقفل بالكامل طوال موسم الشتاء. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، العصر الذهبي للسكك الحديد، تنبّه البروسيون ــــ والمانيا لما تتوحّد بعد ــــ الى أنّ سويسرا، التي كانت يومها بلداً جبلياً فقيراً ومعزولاً، هي الطريق المباشر بين شطري اوروبا، والسبيل الذي لا غنى عنه لتصدير الفحم الألماني الى ايطاليا، والبضائع من شمال اوروبا الى مرافىء المتوسّط، وأن سويسرا يجب أن تصبح عقدة وصلٍ للقارة ــــ وهو ما حصل خلال سنوات.
يقول وولمار إن نفق سان غوتارد كان، لدى افتتاحه عام 1882، يمتد لتسعة أميالٍ، ما جعله أطول نفقٍ في العالم بلا منازع (كما هي حال نفق غوتارد الجديد اليوم، وطوله 56 كيلومتراً)، وقد مولت المانيا نصف كلفته، وتضاعفت التجارة بينها وبين ايطاليا، خلال أعوامٍ قليلة من تدشينه، بأكثر من ثلاث مرات. الفحم الالماني الذي مرّ عبر غوتارد ساهم بشكلٍ رئيسي في تحويل شمال ايطاليا الى اقليمٍ صناعي، وكان الأول من بين عدة أنفاق مماثلة فتحت جبال الألب على عصر التجارة والنقل. يكتب وولمار أن جهاز المثقاب، مثلاً، قد تمّ تصميمه في تلك المرحلة من أجل وضع المتفجرات في الصخر، بدلاً من حفرها يدوياً. توفي المهندس السويسري الذي أشرف على بناء النفق بنوبة قلبية قبل الافتتاح بسنتين، خلال تفقده الأعمال وهو في بطن الجبل؛ كما أن عائلة المخترع السويسري الذي اكتشف مزيجاً ثورياً يجعل جدران النفق عازلة للمياه أسست احدى أكبر شركات البناء في سويسرا، وهي لا تزال في السوق.
اليوم، يمرّ مئات ملايين المسافرين ومئات ملايين الأطنان من البضائع بين شمال القارة وجنوبها عبر السلسلة الجبلية، وكلّ هذه التجارة تعبر، تاريخياً، عبر عددٍ من المضائق في قلب الجبال (على طريقة ممر ضهر البيدر بين لبنان وسوريا). هذه المعابر هي، من الشرق الى الغرب: معبر بريمر في النمسا (وهو يناسب النقل الى شرق المانيا وبرلين)، معبر غوتارد في سويسرا (وهو الطريق الأقصر بين المانيا وايطاليا، عبر زيوريخ)، ومعبر لوتشبرغ الموازي له في سويسرا ايضاً، اضافة الى معبرين ألبيين بين ايطاليا وفرنسا في الغرب، هما مون بلان وفريجوس ــــ حيث تلتقي عتبة جبال الألب بالريفييرا.
ولأن الإعلام يهتمّ بالأرقام القياسية، فهو احتفى بنفق غوتارد الجديد على أنّه أمرٌ استثنائي، ولم يلحظ أنّ نفق لوتشبرغ، الذي افتتح منذ أقل من عشر سنوات، لا يقلّ عنه أهمية (وطوله 37 كيلومتراً)، أو أنّ نفق بريمر الجديد، في النمسا، ليس أقصر من غوتارد الا بكيلومترٍ واحد، وهو سيدشن خلال سنوات قليلة. هذه المشاريع كلها، وهي جزءٌ من شبكة نقلٍ جديدة في سلسلة الألب، تمثّل جيلاً حديثاً من الأنفاق، كلّف عشرات مليارات الدولارات، ويقف خلفه إن شئنا التبسيط، سببان أساسيان: الاتحاد الأوروبي، وشاحنات النقل.
بالمعنى التقني، الأنفاق الجديدة تقع على ارتفاع أخفض بكثير من تلك التي تستبدلها، فتمرّ بقاعدة الجبل بدلاً من سفحه. نفق غوتارد القديم يبدأ على ارتفاع يفوق الـ1000 متر، فيما الجديد مدخله على ارتفاع 400 متر، وتمرّ القطارات وفوقها أكثر من كيلومترين من صخور الجبل. هذا يسمح بتجنيب القطارات التسلّق صعوداً ونزولاً للوصول الى مدخل النفق، ويتيح طريقاً شبه مستوية من ايطاليا الى زيوريخ، وصولاً الى المانيا. هذه هي الوسيلة الوحيدة لتمرير قطارات الركاب السريعة عبر سويسرا، وهي ايضاً تسمح بعبور قطارات بضائع أثقل وأكبر وأكثر سرعة.
غير أنّ الميزة الأساس لهذه الأنفاق هي كمّيّة بحتة، وتتأتى من تغيّرات الأعوام الماضية. منذ قيام الاتحاد الأوروبي، تضاعفت التجارة والرحلات بين جانبي الألب بأكثر من عشرة أضعاف. وأكثر البضائع تنقل على متن شاحنات. في اوروبا الغربية، على عكس روسيا واميركا، تسافر أكثر البضائع والحاويات بالشاحنات وليس بالسكك الحديدية، فالمسافات ــــ حتى بين الدول - لا تبرر الكلفة، والنقل بالشاحنات أبسط ويسمح بتوصيل البضائع مباشرة الى المستلم النهائي. حتى في جبال الألب، حيث الرسوم أعلى والطرقات صعبة ومزدحمة، ظلّ أكثر من ثلثي البضائع ينقل بالشاحنات ــــ التي تلوّث وتثير الضجة ويمقتها السكان المحليون ــــ حتى اختنقت المعابر الجبلية والأنفاق.
عام 2001، كان نفق "مون بلان" للسيارات في فرنسا ما يزال مغلقاً بعد حادثة تصادم قتل فيها العشرات، فتحوّل السير الى نفق غوتارد للسيارات (وهو قريبٌ من نفق القطار)، فجرت فيه، ايضاً، حادثة تصادم قاتلة أقفلت النفق لأشهر وعطّلت التجارة الأوروبية (النمساويون، الى الشرق، يحدّدون عدد الشاحنات التي يحق لها المرور في جبالهم يوميا). أمام هذه الحالة، والخوف من تحول مناطق الألب السياحية الى مرائب لصفوفٍ لا تنتهي من الشاحنات، صدر القرار ببناء الأنفاق الجديدة، وإجبار الشاحنات على الانتقال على متن القطارات خلال عبور الألب، وعزل المناطق الجبلية المرتفعة عن حركة التجارة والنقل.
هناك أمرٌ آخر تخفيه الصحافة العالمية، خلال احتفائها بـ"الانجاز السويسري" والمعايير التقنية للنفق، الذي دُعي لافتتاحه كل رؤساء الدول المحيطة بسويسرا ــــ من قادة فرنسا والمانيا الى الليشتنشتاين ــــ وغاب عن حفل الافتتاح الضخم والغريب (يؤكد كتاب مسيحيون متدينون بأن العروض الغريبة خلال الافتتاح كانت تستحضر رموزاً شيطانية): مع أن النفق سويسري، وقد تم بناؤه بأموال الاتحاد الاوروبي وسويسرا، فإن من حفر النفق بالفعل همّ، في غالبيتهم، عمّال أجانب، وأكثر العمل اليدوي الصعب قد تمّ على يد ايطاليين وأتراك وألبان ــــ حتّى انّه، من بين تسعة عمال قضوا خلال بناء النفق، لا يوجد مواطنٌ سويسري واحد.