تحرّر السود في أميركا مرتيْن —أو كادوا: مرّة في الفرمان الشهير لإبراهام لينكولن في عام ١٨٦٣، والمرّة الثانية في مسيرة الحقوق المدنيّة التي لم تنتهِ فصولاً، ولا يجب أن تنتهي لأن المساواة لم تتحقّ في أميركا بعد. ولابسَ إعلان إعتاق العبيد في ١٨٦٣ ملابسات عديدة، منها تحويل لينكولن، الذي جاهر بآرائه العنصريّة ضد السود، والذي كان «حلّه» المفضّل لمشكلة السود في أميركا هو ترحيلهم إلى أفريقيا عنوةً، والذي في المناظرات الشهيرة مع منافسه دوغلاس عبّر صراحة عن عدم إيمانه بالمساواة بين السود والبيض، وعارض إعطاءهم حق الاقتراع (مع ان لينكولن في المنهج الدراسي اللبناني لمدرسة الـ«آي سي» يُعرَّف على أنه «مُحرّر العبيد»، فقط). إن إعتاق العبيد في أميركا لم يكن حدثاً تحريريّاً بقدر ما كان تعبيراً عن تناقض في المصالح الاقتصاديّة والسياسيّة بين الشمال والجنوب، وبين المزاعم الأخلاقيّة للجمهوريّة الأميركيّة وبين سياساتها الخارجيّة الواعظة لدول العالم قاطبة. لكن استعباد السود في أميركا شكّل نمطاً مميّزاً من القهر العرقي. هذا ما لا يفهمه البيض في أميركا بعد. يريد البيض عرفاناً بجميل تحريرهم للسود بعد استعبادهم.
انضمّ إلى منظمّة

«أمّة الإسلام» بقيادة
إلياجا محمّد


صحيح، أن العرب ساهموا في الإتجار بالبشر عبر القرون، وليس صحيحاً ما يقوله دعاة الإسلام في عالمنا ان الإسلام حرّر العبيد (كان هناك تحبيذ على الإعتاق، لكن الاستعباد استمر على مرّ العصور)، وقمع «ثورة الزنج» لا يزال يقبّح التاريخ الإسلامي (وقد نادى طه حسين باستلهام ثورة الزنج في الثقافة العربيّة إلا انها لا تزال تحتاج إلى تأريخ كما ان تعييرها الطائفي ساد في الكتابة عنها، فهاك الطبري يصف قائدها، علي بن محمّد، بـ«الخبيث» و«اللعين» و«الخائن» و«الفاسق» («تاريخ الطبري»، جزء ٩، ص ٤١٠-٦٦٣). وكان الموفّق وابنه العبّاس يشوون أسرى الزنج على طريقة شيّ «الكباب»، فيضعون سيخ الحديد في الدّبر ويخرجونه من الفم، قبل الوضع فوق النيران. لكن وضع العبيد في التاريخ الإسلامي لم يماثل تاريخ الاستعباد العرقي في أميركا: ١) كان وضع العبد في العالم الإسلامي خاضعاً لمرتبة المالك، ارتفعَ أو تدنّى فيما كان وضع العبد في أميركا مطلقاً. أي كان هناك عبيد وجواري في التاريخ الإسلامي يتفوّقون في السلطة والقوّة والنفوذ على الأحرار. هذا لم يكن ممكناً في نظام الرق العرقي الأميركي. ٢) كان الاستعباد في أميركا قائماً على الاحتقار العرقي المحض الذي كان مُحرّماً نظريّاً في الإسلام. إن نظام التراتبيّة العنصريّة الأميركيّة كان يقوم على نظام صارم من العرقيّة التي ألهمت النازيّة فيما بعد (خصوصاً في حركة «يوجنيك»، أي تحسين النسل).
لكن تحرير العبيد أخضعَ وضع السود إلى معادلة بسيطة: ان عليهم التنعّم بالحريّة (القانونيّة النظريّة فقط) ومن دون تعويضات، وبناء على الطاعة لنظام السيادة العرقيّة البيضاء —باسم ديمقراطيّة سوّغت استعبادهم. وكانت نظريّات المفكّرين السود البارزين (المقبولين) لا تحيد عن الطاعة للنظام في معظم الأحوال. وقد نظرّ قادة السود المُحَرّرون، مثل دابليو إي دو بوا (الذي سُميَ مركز دراسات الأميركيّين الأفارقة على اسمه في جامعة هارفرد) للتقدّم من دون تدخّل الدولة أو تغيير النظام. دو بوا اعتنق فكرة روّج لها (قبله) الليبراليّون البيض في أواخر القرن التاسع عشر، المعروفة بـ«العُشر الموهوب»، والتي تقول بأنّ نخبة «الواحد من عشرة» في أوساط السود هي التي ستحقّق الخلاص للسود عن طريق التعلّم والذكاء الحاد (أي فكرة النخبويّة التعليميّة والطبقيّة، وهي غير نخبويّة لينين السياسيّة في «ما العمل»). لكن التقدّم لم يحدث وانطلقت حركة الحقوق المدنيّة في الستينيات، والتي اعتمدت على مزيج من المقاضاة ومن حركات الاحتجاج العام. في هذا السياق، ومن رحم هذه التحوّلات، وُلدت ظاهرة محمد علي كلاي.
لا يعرف حجم شهرة محمد علي كلاي (في العالم العربي أو الغربي) مَن لم يعش حقبة الستينيات والسبعينيات. من آثارها أن محمد علي كلاي لا يزال حتى عند مماته مِن أشهر الوجوه العالميّة على الإطلاق. لم يكن شخصاً عاديّاً، ولم يكن رياضيّاً فقط. ألهم الملايين في أميركا وفي العالم الثالث. كانت صوره تملأ الصحف والجدران والشاشات. بات رمزاً عالميّاً للتحدّي ضد العنجهيّة الإمبرياليّة الأميركيّة، وضد نظام السيطرة البيضاء على نطاق عالمي —كان هذا زمن التحرّر الاسمي من الاستعمار في دول العالم الثالث. لكن التحدّي الأكبر الذي مثّله كمن في اعتناقه الإسلام. قد يكون محمد علي أوّل مسلم عالمي، وأوّل مسلم غربي —أو أوّل مسلم غربي يجاهر بإسلامه. كان المسلمون والمسلمات في المجتمعات الغربيّة يضمرون إسلامهم آنذاك (وبعضهم لا يزال يضمر الإسلام في الغرب تقيّةً). لكن الترحيب العربي والإسلامي العارم باعتناقه الإسلام تجاهل المنظّمة التي انضم محمد إلى «إسلامها». المنظمّة هي «أمّة الإسلام» بقيادة إلياجا محمّد. لو أن العرب عرفوا عن مبادئ وعن عقيدة المنظمّة المذكورة لكان ترحيبهم أقلّ وابتهاجهم أخفّ. لا بل لو عرف بعض المسلمين آنذاك بنسق إسلام المنظمّة لكانوا اهدروا دم محمد علي. المنظمّة تؤمن بنبي وُلد في مدينة ديترويت وتؤمن أنه كان مسيح اليهوديّة ومهدي الإسلام (لماذا تكون فكرة النبي في ديترويت غريبة علينا؟ هل لأن بلادنا مهبط الوحي ومصدر الخيال الخصب؟)، وكان قائدها إلياجا محمّد يُكنى بـ«رسول الله». كما أنّ المنظمّة تؤمن بأفكار بعيدة عن العقيدة الإسلاميّة، وتنظّر أن البيض —كل البيض— هم شيطانيّون وأن السود هم الملائكة. لكن مالكولم إكس صُدم، كما تحدّث في مذكّراته، عندما أدّى شعائر الحجّ في عام ١٩٦٤، وقابل مسلمين ومسلمات من كل الأعراق والأجناس والإثنيّات. لم يكن يعلم عن تنوّع الديمغرافيا الإسلاميّة من قبل. عاد مصدوماً مما شاهد، وانشقّ عن المنظمّة ودان الفساد الأخلاقي المعروف لزعيمها (الذي أمر بقتله فيما بعد). لكن محمد علي لم ينشقّ عن المنظمّة واستمرّ في ولائه، إلى أن ورث ابن إلياجه محمّد (وارث الدين محمّد) المنظمّة وحلّها، بعد وفاة والده في عام ١٩٧٥، ودعا باتجاه التعاليم الإسلاميّة المعروفة، ونبذ الشقاق العرقي الذي كانت المنظمّة تؤمن به على أيّام والده. أصبح إسلام المنظمّة خليجيّاً.
لكن صورة محمد علي، المُسلم المُستفزّ، طغت على وسائل الإعلام وباتت متابعة رياضة الملاكمة طقساً شعبيّاً حول العالم. أذكر تلك الطقوس في سنوات الطفولة، كما أذكر أن باص المدرسة في بيروت انقسم طائفيّاً، وكان هناك مَن ناصر محمد علي في كل مبارياته، وهناك مَن ناصر كلّ من واجهه، وهم الذين واظبوا على تسميته بكاسيوس كلاي. والإعلام الأبيض في أميركا تجاهل عن قصد وعن إهانة للاسم الجديد لمحمد علي، كما أن جريدة «نيويورك تايمز» واظبت لسنوات على تسميته باسم كاسيوس كلاي —كما فعلت جريدة «النهار». حرموا محمد علي من اسمه الذي اختاره بملء إرادته، ونبذ اسم مُستعبديه، كما كان يكرّر. ارتكب محمد علي أكثر من جريمة في أميركا: هو لم يعتنق الدين الإسلامي ويجاهر به، بل كان يجاهر بفكر العنصريّة المضادة (من دون الموازاة بين فكر السيطرة البيضاء وبين فكر ردّة الفعل لـ«أمّة الإسلام») الذي آمن بدونيّة البيض. وكان يزهو بلون البشرة، فيما كان لون البشرة السوداء مدعاة للاحتقار عند البيض وعند السود (وميّز السود على طريقة المُستعمر الأبيض بين درجات من السواد في لون البشرة، وتميّز أصحاب البشرة الأقلّ سواداً عن أصحاب البشرة الحالكة). لكن محمد علي لم يكتفِ بكل ذلك، فقد مثّل البطل المضاد لمارتن لوثر كينغ: كان «البطل» الأسود الذي لا يحبّذه البيض.
لا يعرف حجم شهرته مَن لم يعش حقبة الستينيات والسبعينيات

مارتن لوثر كينغ، بالرغم من محاربته الشديدة من قبل نظام الأكثريّة البيضاء، كان البطل المُفضّل عند البيض الليبراليّين (وعند الجمهوريّين في السنوات الأخيرة). هو البطل الأسود، كما يجب أن يكون، ووفق تصميم البيض: أي أنه لم يهدّد النظام الاقتصادي والسياسي القائم. لم يكن محمد علي مطيعاً فيما كان مارتن لوثر متصالحاً مع النظام السياسي والاقتصادي الأميركي. أيّد مارتن لورثر كينغ حرب فييتنام وباقي الحروب الأميركيّة، كما أنه أثنى على الرئيس الأميركي ليندون جونسون وعلى سياسته في الحقوق المدنيّة، فيما كان الأخير يستعمل عبارات سوقيّة عنصريّة للإشارة إلى السود (يروي مستشاره لشؤون السود، الأسود روجر ولكنز، ان جونسون استعمل كلمة «نيغر» القبيحة أمامه، كما أن كاتب سيرة جونسون، روبرت كارو، روى الكثير عن عنصريّته). صحيح أن مارتن لوثر عارض حرب فييتنام في آخر أشهر حياته، لكن محمد علي فعل ذلك قبل ان يرتدّ الرأي العام الأبيض ضد الحرب. مارتن لوثر كنغ تأخّر عن إعلان معارضته بعد ان سبقه إلى ذلك مئات الآلاف من البيض في أميركا. أي أن مارتن لوثر عمل على طمأنة الرجل الأبيض في السياسة الداخليّة والخارجيّة على حدّ سواء.
عملت الحكومة الأميركيّة، والغرب بصورة عامة، على محاربة أيّ نموذج عالمي للرجل الأسود. المخابرات الأميركيّة كانت وراء قتل باتريس لومومبا (خلّده الاتحاد السوفياتي عبر إطلاق اسمه على جامعة درس فيها آلاف العرب والأفارقة في سنوات الحرب الباردة)، واكتشفنا مؤخراً أنّ المخابرات الأميركيّة كانت هي أيضاً وراء تسليم نلسون مانديلا إلى سلطات حكم الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. والحكومة الأميركيّة طاردت واضطهدت المناضل والفنّان الأسود، بول روبسن، الذي رفض ان يرضخ لضغوطات لجان الكونغرس الماكرثيّة حول ميوله الشيوعيّة. شنّت الحكومة الأميركيّة حرباً عالميّة ضد بور روبسون ولم يرضخ، ولم يُقرّ ولم يُخبر عن رفاق له في اليسار والنقابيّة.
وفي هذا السياق، برز محمد علي وجاهر بمعارضة العنصريّة البيضاء بكلمات لم تألفها لا الحكومة ولا المجتمع الأميركي. منعت الحكومة الأميركيّة محمد علي من ممارسة رياضة الملاكمة بعد ان أعلن رفضه المبدئي للمشاركة في مجازر فييتنام، كما أنها تلاعبت بقرارات لجان الملاكمة الأميركيّة كي تحرمه من اللقب الأوّل في الملاكمة. ومنعته لسنوات ثلاث في أوج عطائه من ممارسة الملاكمة، وضيّقت عليه زيادة في اضطهاده. لم تعكس المحكمة العليا القرار السابق عن محمد علي إلا بعد ان تغيّر المزاج الأبيض عن حرب فييتنام. ولم يهادن، محمد علي، لا بل هو جال يخطب في آرائه المعارضة للحروب والعنصريّة الأميركيّة. وبعد غياب، تواجه محمد علي مع جو فريزر في عام ١٩٧١.
إن المواجهة في ذلك العام كانت مواجهة بين ملاكمين أسوديْن من خلفيّة فقيرة جداً. لم يحظَ فريزر بالتعليم، وهو لم يكن يرى في الملاكمة ضد محمد علي ما رأى فيها الرجل الأبيض: أنها طريقة لإذلاله بطرق رياضيّة. كان فريزر يريد ان يحافظ على اللقب وعلى الثروة التي جناها بعد سنوات من الفقر المدقع. ومحمد علي استعان بمفردات العنصريّة البيضاء لإهانة منافسه: وصفه بالـ«غوريلا» و«الجاهل» و«البشع»، كما انه أطلق عليه وصف «العم توم»، وهو وصف يُطلق على السود الذين يطيعون البيض المُستعبدين من دون سؤال أو رفض. الوصف الأخير مرّ المذاق على السود الذين يُعيَّرون بالتعامل مع الرجل الأبيض على انه السيّد المُستعبِد. (لم يكن فريزر، بحدود معرفته، يُدرك معنى الوصف لكنه عرف انه وصف سيّئ، خصوصاً أن زوجته خلطت بين «العم توم» ووصف «توم البصباص»). واعتمر الغضب في نفس فريزر وساهم في قوّة أدائه في المباراة الفاصلة التي صوّرها محمد علي على أنها بين أسود وآخر أسود البشرة وأبيض المضمون. لكن المباراة كانت أيضاً مواجهة بين التحدّي الأسود وبين الأسود الذي أراده البيض (والبعض في لبنان) أن يؤدّب الأسود المسلم الوقح. والذي شاهد المباراة آنذاك كان مقتنعاً ان الفوز بالنقاط (لصالح فريزر) لم يكن ممكناً لو ان اللجنة الحاكمة لم تكن من البيض الذين بغضوا كلاي (شاهدت المباراة بعد وفاة كلاي ويتضح فيها أن فريزر لم يسيطر على الحلبة إلا في الجولة الحادية عشرة والخامسة عشرة فقط). لكن مَن قال إن التحكيم في يد الرجل الأبيض يكون عادلاً؟ لكن محمد علي الذي أعلن رفضه للقرار آنذاك، لم يحاول أن يعارضه في ما بعد. هناك حدود للمعارض التي يمكن للأسود ان يخوضها، خصوصاً عندما يستعين نظام السيادة البيضاء بسود لتأديب سود آخرين.
لكن الترحيب العربي لم يكن مفهوماً في حينه لأسباب عدة: ١) كان هناك جهل بأن إسلام محمد علي كان بعيداً جداً عن إسلام العرب. ٢) ان الإدانة الضروريّة للعنصريّة الفاقعة في أميركا لم تترافق في حينه (أو الآن) مع إدانة موازية للعنصريّة العربيّة ضد السود. كما ان العالم العربي رحّب بنموذج التحدّي الأسود ضد البيض في أميركا فيما كانت دول عربيّة، مثل السعوديّة وموريتانيا وعدد من دول الخليج تسمح بالعبوديّة: وإعلان عِتق العبيد في السعوديّة في عام ١٩٦٤ لم ينهِ العبوديّة إذ ان قصور الأمراء والملوك كانت تعجّ بهم وبالجواري. وموريتانيا احتاجت ان تعتق العبيد مرتيْن لأن العِتق الأوّل لم ينجح. ٣) إن رياضة الملاكمة هي مشهديّة تسلية للأثرياء البيض فيما يتقاتل على الحلبة فقراء السود والبيض وذوي الأصول اللاتينيّة. رياضة الملاكمة لا تنتمي إلى القرن الذي نعيش فيه، أو لا يجب ان تنتمي. هي مثلما كان الأحرار في العهود القديمة يستمتعون برؤية العبيد وهو يتقاتلون في الحلبات حتى الموت. إن التهليل لمحمد علي حول العالم طمس الحقيقة الوحشيّة لهذه الرياضة، وربّما شجّع محمد علي على الاستمرار في الملاكمة لما بعد معدّل سنّ الملاكمة. إن استمرار محمد في الملاكمة وتلقّيه الضربات (في أسلوبه في الملاكمة في سنواته الأخيرة، عندما كان ينزوي نحو الحبل ويتلقّى الضربات كي يُنهك منافسه) ساهم في إصابته بإصابات دماغيّة مباشرة. إن الملاكمة هي رياضة تسلية لغير الفقراء (والفقراء فيما بعد) وهم يشاهدون الفقراء وهم يتقاتلون حتى شفير الموت. ٤) ينسى بعض العرب أن هناك صوراً لمحمد علي مع معظم طغاة العالم العربي وأفريقيا، في السبعينيات والثمانينيات.
ليس هناك من آمال أمام فقراء السود والملوّنين في أميركا. «الحلم الأميركي» لم يعد ينطلي. التعليم المجّاني لم يعد مجانيّاً والحزب الديمقراطي قاد الحملة على نظام الرعايا الاجتماعية. تصبح الرياضة هي الأمل الوحيد للإثراء السريع. وتقوم شركات الإعلان والثقافة الشعبيّة بتشجيع هذه النزعات بين الفقراء من الأقليّات كأنها تحلّ من تفاقم القهر الاجتماعي والعرقي والإثني، أو هي تفعل ذلك حتى لا تتجشّم عناء الإنفاق الحكومي لإزالة الفقر. يحلم الأطفال الفقراء بالتسرّب إلى صفوف الأثرياء من خلال الرياضة، وهذا تعبير عن مدى انسداد آفاق الارتقاء الطبقي الموعود. والتصفيق لحفلات الملاكمة هو مساهمة في التسلية على حساب الفقراء (قلّة فقط من الملاكمين يملكون الثروات فيما يعرّض الملاكمون أدمغتهم لضربات مستمرّة في حياة لا تطول عادة).
لم يكن محمد علي بالغ التسييس كما يُظنّ في العالم العربي. صحيح أنه في سنوات مرضه لم يعد كما كان قبل مرضه. غابت نبرة التحدّث والعنفوان عنه، وهذا مفهوم. الرجل زار البلاد العربيّة وزار المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان وجاهر بدعم نضال الشعب الفلسطيني ضد الصهيونيّة ومن أجل تحرير الأرض. لكنه وهن وضعفت قدرته على التحدّي. هو دعم حملة رونالد ريغان الانتخابيّة في عام ١٩٨٤، وعندما سُئِل عن السبب: أجاب أن ذلك كفيل بإبقاء الله في المدارس (أي رفض الدعوات العلمانيّة في المدارس الأميركيّة).
حُمِّل محمد علي كلاي الكثير —فوق طاقته. كان يحمل على منكبيْه في كل مباراة كل آمال وطموحات شعوب العالم الثالث. كان يلاكم بالنيابة عنهم كلّهم/ن. كان ذلك زمن السحر الأسود، وبريق العالم الثالث. كانت مجلّة «ميكي» المصريّة توزّع هدايا عبارة عن قبّعات كرتونيّة على شاكلة قبّعات مزارعي فييتنام. كان مباريات المصارعة الحرّة السنويّة في بيروت تشهد مباراة حامية بين مصارع أفريقي أسود (برنس كومالي) وبين ملاكم أميركي (داني لنش) اختير بشعاً للدور. وكان كومالي يلّقن المصارع الأميركي القوي درساً لا ينساه، وكانت المدينة تشتعل بالتصفيق (وكانت جريدة «البيرق» تنشر وصفاً تفصيليّاً لجولات المصارعة للاستزادة في التشفّي). لكن محمد علي كلاي هُزم في عام ١٩٧١ على يد فريزر، وتوالت خيبات العالم الثالت وتُوِجّت بانتصار المتعجرِف الأميركي.
وكما أن العرب هُزموا في عام ١٩٦٧، فان الانتصارات المتلاحقة لكلاي تعرّضت لنكسة. توالت الهزائم والنكسات، وفقد عالم الملاكمة رجلاً احتلّ موقعاً يتعدّى حدود الرياضة. والابتهاج العربي والإسلامي بانضمام مشهور أميركي إلى أمّة الإسلام بات مُضحكاً: هناك مَن هلّل للمُتحرّش بالأطفال، مايكل جاكسون، وهناك مَن هلّل حتى للملاكم، مايك تايسون، الذي أدين بجريمة الاغتصاب: هل أمثال هؤلاء يُزهى بهم في الإسلام؟ هل هنا مَن يظّن أن أمثال هؤلاء المشاهير يرفعون من شأن العقيدة. لكن التمثّل بالرجل الأبيض ينعكس إعجاباً بمقهوريه أحياناً.
تحدّث توماس كاريل عن الحاجة لعبادة الأبطال العظام الحكّام. لكن محمد علي كان من الأبطال في مواجهة الحكّام —أو هكذا أردناه في العالم الثالث. والسلطة بقيت في يد الأقليّة الطبقيّة البيضاء عينها. وضربات لكماته لم تصبها بضرر. هي أصابت منافسيه، وهم في غالبيّتهم من السود الفقراء. لعلّ قوانين الملاكمة يجب ان تتغيّر. لعل المنازلة يجب أن تكون ضد طبقة اجتماعيّة أخرى.
(ملاحظة: كان محمد علي يكره اسم كلاي، ويجب احترام خياره. لكن الصحافة العربيّة ترتبك مع أسماء من دون اسم عائلة، فوضعت مثلاً اسم أحمد على اسم «سوكارنو»، وهذا اسمه الكامل. وعليه أصرّت الصحافة العربيّة على الحفاظ على اسم كلاي في الاسم الكامل لمحمد علي، بالرغم من تخلّيه عنه)
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)