أذكر مقالاً من التسعينيات للسيد محمد حسن الأمين يسائل فيه مفهوم "لا للتطبيع"، الشعار الذي كان قد بدأ بالانتشار عربياً، بعد أن كان محصوراً أساساً في السياق المصري. حجّة الكاتب كانت أنّ "لا للتطبيع" شعارٌ لا يمكن أن يُصرف سياسياً أو أن يتحوّل الى فعل، بل هو بمثابة "حيلة خطابية" يستخدمها المثقف الجبان، الذي لا يجرؤ على معارضة حكومته والوقوف في وجهها وهي توقّع معاهدات السلام، أو تفاوض عليها، ولكنّه في الوقت ذاته يريد الحفاظ على وهم انه يصارع الصهيونية. بالفعل، ان كنت عربياً من دول المواجهة، فأنت، منطقياً، بين خيارين: امّا ألّا تعترف باسرائيل، وأن ترفض المشروع الصهيوني وتسعى الى هزيمته عسكرياً، و"لا للتطبيع" ساعتها تصير نافلة وبديهية ويفرضها القانون، أو أنّك ــــ أو حكومتك ــــ تعترف باسرائيل وتسالمها وقد تصالحت مع فكرة وجودها، ولا يهمّ ساعتها موقفك من "التطبيع" (فكلّ ما تريده الصهيونية منك، كعربي، هو اعترافٌ قانوني وأن لا تؤسس لجبهة عسكرية ضدّها، وفي ما عدا ذلك لا يهمّها أن تشتري منها اللبن والفواكه). في سياقٍ مقاومٍ بشكلٍ فعلي للصهيونية، تكون المقاطعة، أساساً، مجالاً للنشاط في دول المهجر والغرب، وجزءاً من الجدال العالمي حول قضية فلسطين وصراعنا مع مؤيدي اسرائيل في الخارج (وهي تصلح، تحديداً، في حالاتٍ كحالة أمين معلوف، وتحديداً لأنه ليس لبنانياً ولن يطاله القانون، ولأنه "عالمي" ولمواقفه السياسية أثرٌ يتجاوز شخصه)؛ لا يكفي أن يقول مصريّ أو لبناني إنه "يقاطع اسرائيل"، كأنه مواطنٌ في السويد، والثنائية هنا ليست بين موقفين قابلين للجدال، بل هي بين الوطنية والخيانة. وفي بلدٍ كلبنان، تهدده اسرائيل علناً بارتكاب مجازر وابادات في الحرب القادمة، فإن من يدعمون التطبيع لا يعبّرون عن رأيٍ، بل هم يهددون حياتنا وحياة أحبائنا بشكلٍ مباشر.

بهذا المقياس، ما معنى أن تكون "معادياً للتطبيع" وانت مع 14 آذار في لبنان، مثلاً؟ وهو تحالفٌ سياسي انت تعرف يقيناً ــــ وهم لا يخفون ــــ انّه سيقف ضدّ القضية الفلسطينية في كل مفصل، وضد الفلسطينيين كبشرٍ وناس، وسيخضع للسفارات الغربية ويتآمر مع اسرائيل. ما معنى أن تتكلم عن النضال الفلسطيني وانت تمثّل نظاماً خليجياً يريد أن يسلّم المنطقة بكاملها، لا فلسطين فحسب، الى اميركا واسرائيل، وقد توقفت حكوماته عن التعبير عن أي دعم ــــ ولو لفظي ــــ لأي شكلٍ من أشكال المقاومة المسلحة منذ الثمانينيات؟ بل إنّ "لا للتطبيع" منزوعة من سياقها قد تصبح معياراً وهمياً، يسمح لأي كان بالتنظير لمقاطعة اسرائيل أو حبّ فلسطين، فيما هو جزءٌ من منظومة تسعى ــــ بالمعنى الاستراتيجي والمباشر ــــ الى إدامة الصهيونية وقهر الشعب الفلسطيني.
لو شئنا أن نجادل امين معلوف سياسياً بهذه المعايير (والروائي، حين يكتب نصاً سياسياً أو يأخذ موقفاً، فإن نقاشه يكون سياسياً، وليس من زاوية النقد الأدبي أو الأدب المقارن)، فإنّ بامكاننا العودة، ببساطة، الى مدونته الخاصة، حيث كتب العديد من المقالات، وهي نصوص سياسية مباشرة وليست روايات أو أدباً، حتّى نفهم انّه ــــ باختصارٌ وكما يقال بالانكليزية ــــ "سيئ سياسياً". المسألة لا تتعلّق بمضمون مقالات معلوف، وهي تتحدّث عن "ربيع واشنطن" في الشرق وعن فرصتها للتصالح مع المنطقة وعن ثقة معلوف بأوباما، بل في الزاوية والعقلية التي يقارب الكاتب السياسة منها. أمين معلوف لا يتكلّم كغونتر غراس، مثلاً، أو الأدباء الغربيين الذين يحافظون على مسافة نقدية بينهم وبين السلطة والقوة، أو يعارضونها براديكالية، أو يظلّون، أقلّه، في حالةٍ من الحياد الفردي والاعتزال. معلوف يتكلّم في السياسة على طريقة الدالاي لاما، كأنّه "عضوٌ في النادي" ومن أهل البيت والرؤساء هم معارفه وأصدقاؤه، وهو يبغي مصلحتهم: يقدّم المشورة الى اوباما والنصيحة الأخوية الى زعماء اوروبا، ويرسم لهم استراتيجيات للتعامل مع الشرق الأوسط (ولعلّ هذا من أسباب الدفاع الشرس للكثير من مثقفي "المؤسسة" اللبنانية، المحافظة والرجعية، عن معلوف، فهو أفضل من يعبّر عن مثالهم الثقافي والفردي ــــ والمثقف الناجح الذي يصادق السياسيين، وينال المناصب والتكريم من المؤسسة، ويرتدي السيف والزي التاريخي المضحك في احتفال فرنسيّ مهيب، هو الابن المثالي للأمّ اللبنانية).
بل أنّه، إن شئت أن تعرف أكثر عن "معلوف السياسي"، فإن عليك العودة الى ما قبل فوزه بغونكور وتحوله الى مستشار لجاك شيراك، ومرافقته للرئيس في رحلاته الخارجية. بل قبل أن يصير روائياً أو ينشر كتاباً واحداً؛ وحتّى قبل دوره في اتفاق 17 ايار وذهابه الى فلسطين. علينا العودة الى سنة 1978 ووثيقة في ارشيف الخارجية الأميركية تتحدّث عن الصحافي الشاب أمين معلوف (28 عاماً). والوثيقة ــــ من سفارة باريس ــــ تطالب الادارة في واشنطن بـ"تسهيل" عمل معلوف خلال زيارته الأولى الى اميركا، وتدبير لقاءات له مع مسؤولين كبار في إدارة كارتر، ومساعدته على كتابة تحقيقٍ ناجح لمجلّته الباريسية. وتصف الوثيقة معلوف بأنّه شخصٌ "معروفٌ من خدمة المعلومات الأميركية" منذ أيام عمله في "النهار" في بيروت ("وكالة المعلومات الأميركية" USIS/USIA كانت جهازاً أميركياً مستقلّاً للترويج للسياسة الأميركية في الخارج، ونشر الثقافة السياسية المؤيدة لأميركا، وتجنيد النخب والمثقفين والفنانين في دول العالم الثالث وعقد علاقات معهم، وقد تم حلها ودمج مهامها في وزارة الخارجية عام 1999).
ولكن هناك معنىً أوسع للمسألة، يتخطى معلوف والمعايير "التقنية" للتطبيع وجدال "المحظور" و"الادانة" و"المطالبة باعتذار" (ما يفيدنا اعتذارٌ عن 17 ايار، مثلا؟)، وقد استمتعنا بروايات معلوف، نحن نقّاده، أكثر من الكثير من المدافعين عنه اليوم، واستفدنا منها أكثر منهم. ولكنهم هم، وليس نحن، من لا يفهم الفرق بين الأدب والسياسة، وبين المعرفة والموقف، وبين نتاج الكاتب وشخصه. من بين الكثير من النظريات التي روّجت لها نخب الهيمنة في الدفاع عن معلوف، وأطرفها على الإطلاق، فكرة أنه لا يجب أن ننتقد معلوف لأنه "عالمي"، وهتلر وجاك السفّاح كانا "عالميين" (كم يحتاج المرء الى احتقار نفسه وشعبه حتى يطلب منه الرضوخ لنجومية النجم بلا سؤال هكذا، بحجة أن من هو "أفضل منهم" يحبه ويقدّره؟) برزت نظرية "الربط": لا يحق لك أن تتكلم على معلوف وانت تصمت على روسيا، لا يمكنك أن تحارب التطبيع وانت مع النظام في سوريا، الخ… في نخبة بلدٍ كلبنان، تجمع بين الهيمنة والسطوة وبين الفقر الفكري، يكون النتاج ثقة عالية جداً بالنفس، وميلاً لتخريج مثل هذه النظريات الطريفة باستمرار، والتي لا تجد من ينقدها. وفق منطق "الربط" هذا، لا يمكن لأحدٍ، بالطبع، أن يتكلّم على شيء (كيف تستحضر فلسطين وانت صامت على الكونغو؟ كيف تتكلم على اليمن وانت تهمل مذابح بورما؟ الخ…) ولكن، وهنا الطريف في الأمر، هم لم ينتبهوا الى السؤال البديهي الذي يُطرح عليهم، اذا ما اتخذنا خطابهم معياراً: من يعمل لدى أنظمة الخليج ويتموّل منها ويخوض معاركها، هل يحقّ له الكلام على "الاستبداد" و"الديمقراطية" و"المجتمع المدني"؟
حتّى نكون واضحين هنا، من الضروري أن نشرح للبعض القاعدة الأولى في الاقتصاد السياسي للمعرفة: كل هذه الصحف، ومحطات البث، ومراكز الأبحاث، وتجمعات المثقفين التي تموّلها امارات الخليج لها هدفٌ سياسي ووظيفة واحدة لا غير، وهي الحفاظ على مصالح واستدامة هذه الأنظمة وحكوماتها، وأيّ أجندات أخرى (ديمقراطية أو نسوية أو اسلامية أو غير ذلك) توهم نفسك بتمثيلها ما هي الا تغطية لوظيفتك ودورك. وللتوضيح أكثر، فإننا هنا نتكلّم ــــ دعك من السياسة والايديولوجيا ودورهم في بلادنا ــــ على أنظمة لا مثيل لها في العالم هي، على رغم ثرائها وقلة حاجاتها، قد بنت مجتمعات عبيد ونهبٍ واسراف، وأمراء يبيعون النساء والبشر كأنهم سلع. حين تعمل لدى الأمير وتخدمه في السياسة والايديولوجيا، فإن تفسير سلوكك عبر الارتزاق والطموح، والسعي خلف الراتب الأعلى هو ــــ في الحقيقة ــــ ليس اتهاماً أو سبّةً، بل أفضل تفسيرٍ ممكن لما تفعل، وافتراضٌ ما لـ"حسن النية" (والسعي خلف المصلحة الفردية ليس عيباً، وهو مسلك أغلب البشر العاقلين، وهي لن يضيرك أو يبخس نتاجك ان كنت عاملاً شريفاً أو حتى، في حالاتٍ كثيرة، أكاديمياً بحّاثة، ولكنه يقضي على مصداقيتك وشرعيتك بالكامل حين تكون "مثقفاً" وتنبري للحديث في الشأن العام).
على أيّ حال، وفي معرض الحديث عن الفارق بين شخص الكاتب ونتاجه، يقول الزميل حسن الخلف إنّه، في نهاية الأمر، لا يهمّنا إن كان أمين معلوف وطنياً أم حقيراً، يكفينا منه أنّه كتب "الحروب الصليبية" وقرأناه وتعلّمنا منه درساً فارقاً، هو كلّ ما نرثه من معلوف. ينبّهنا الروائي في تأريخه للغزوات الصليبية، وتحقيبه للحملات ولردّ الفعل العربي عليها، الى مسألة أساسية في التطبيع والمقاومة. يفهمنا معلوف أنّه من الطبيعي لأمّة تواجه غزواً غربياً (أو صهيونياً) مفاجئاً ومتفوّقاً، ومن خارج سياقها الجغرافي، أن تنهزم وتتراجع وتدب فيها النكسات والانهيارات بدايةً. ومن شبه المستحيل أن تتمكّن من صدّه والتنظيم ضدّه وهزيمته على الفور. يقسّم معلوف ردّ الفعل الى ثلاث مراحل: الغزو والتراجع والهزيمة في البداية، ثمّ مرحلة "المقاومة" ثانياً، حيث تبدأ الأمّة بفهم عدوها ومستلزمات النصر عليه، وتظهر شرارات مقاومة ومحاولات، قد لا تكون كافية وقادرة، وقد تصطدم بنكسات، ولكنها تحضّر لوعيٍ جديد وتزرع بذور النخب العسكرية والمؤسسات والتقاليد الحربية التي تثمر، في المرحلة الأخيرة، غزواً مضاداً وجهداً منسّقاً وطرداً للمعتدي. من هذا المنظار، قد نفهم صراعنا مع الصهيونية والاستعمار بشكلٍ مختلف عن سرديات "التخلّف" والعجز و"الاستبداد" والتفوّق الصهيوني، وتفهم أنّنا ــــ على سوء المرحلة التاريخية الحالية ومأسويتها ــــ نشهد اليوم "الحقبة الثانية" بحسب تشبيه معلوف. المفارقة هنا هي أنّ المطبعين وأشباههم، الذين يدّعون "حبّ" أمين معلوف وتقديره ويدافعون عنه "مطبّعاً"، لم يتعلّموا من معلوف "مؤرخاً وكاتباً" أهمّ درسٍ تركه لنا.