بداية، لا بد من التعبير عن تقديرنا لجهود كافة العاملين في حقل ملاحقة المطبّعين مع العدو الصهيوني ونعد عملهم مهماً جداً، ولذا فإن نقدنا هنا هدفه تحسين الأداء ليس غير عبر الإشارة إلى ما نراه من سلبيات وتراخٍ، إما قصداً أو جهلاً.

فلنبدأ بالكاتب أمين معلوف وانضمامه أخيراً إلى جوقة المطبعين. لم يفاجئني هذا الخبر إطلاقاً. ففي ظني ثمة ثمن، مادي ومعنوي، لكل جائزة تمنحها مؤسسات في الغرب، على الحائز عليها، دفعه. الجوائز لا تلاحق الحاصلين عليها، وإنما العكس. ومن رغب إلى ذلك عليه الالتزام بمعايير الغرب الاستعمارية، إما مباشرة أو مواربة، وتقديم أوراق اعتماد معروفة المضمون تتلخص في تبني معاييره الأخلاقية والثقافية ونشر صوره النمطية عن الآخر، وكذلك السياسية؛ الكل يعلم أن قضية فلسطين ودعم الغرب الاستعماري غير المشروط لكيان العدو الصهيوني يأتي في مقدمة تلك الالتزامات... فمتى منح الغرب جائزة، أيّاً كانت، لشخص أو لشخصية معادية للصهيونية، أياً كان أصلها وأهمية إنتاجها!
الغرب يحتضن فقط أولئك الذين يروجون لمعاييره في كافة المجالات، وعندما يكون عربياً أو من أي جنسية أخرى، عليه نبذ فلسطين، بل حتى معاداتها، واستجداء التقرب من العدو الصهيوني عبر مختلف الطرق.
من هذا المنظور أرى أن مطالبة الكاتب أمين معلوف بالاعتذار أو أو... عن تصرفه المشين بحق فلسطين وأهلها، أمر مستغرب. في ظني، المطلوب هو إدانة تصرفه هذا ومقاطعته. الكاتب اللبناني الأصلي، مؤلفاته ليست موجهة للقراء العرب وإلا لكان خاطبهم بلغته الأم، ولغتهم. هذا لا يعني إطلاقاً مساءلة قيمة إنتاجاته الأدبية.
هذا التصرف التطبيعي مع العدو الصهيوني، ينقلنا إلى مسألة جدية ملاحقتنا المطبعين ومساءلتهم، من دون استثناء، ومن دون مجاملة، وقد سبق لي الكتابة في هذا الموضوع في منبر آخر. فعلى سبيل المثال، فلنتذكر الحملة غير المسبوقة التي قامت على الصفحة الثقافية في «الأخبار» عندما ناشدت الأديب الفلسطيني الراحل محمود درويش الامتناع عن زيارة كيان العدو. للعلم، أنا لست ضد حق كل فلسطيني في زيارة بلاده ووطنه، الممتد من رأس الناقورة شمالاً، إلى رأس الرشراش جنوباً، ما دام ليس ثمة من ثمن عليه دفعه للعدو الصهيوني، ولو سنحت لي فرصة زيارة فلسطين المحتلة، ضمن هذا الشرط، لقمت بها، اليوم قبل الغد. المشكلة في تلك الزيارة، التي تستحق كل إدانة، أنها كانت مرفقة بلقاء مع صحيفة "هآرتس" الصهيونية. لم نقرأ أي إدانة وقتها لهذا العمل المهين للشعب الفلسطيني من رمز أدبي معروف.
إضافة إلى ذلك، لم نقرأ أي إدانة لقيام الراحل محمود درويش واثنين من زملائه أحدهما شاعر مشهور عربياً وعالمياً، والثاني مسؤول صفحة ثقافية في صحيفة لبنانية، بإجراء لقاء مع صحيفة «يديعوت أحرنوت» الصهيونية نشرته في عددها الصادر بتاريخ 17/11/2002، وصدرت ترجمته إلى العربية في صحيفة «القدس العربي» اللندنية، مع صور المحاورين الثلاثة، (السنة 14، عدد 4201 الصادر بتاريخ 18/11/2002، باب "صحف عبرية" ص 9) لم يتحرك أحد لإدانة ذلك التصرف العدواني تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته (صور الصفحة التي تحوي الخبر لدينا).
وتجاهل تصرفات أخرى من هذا القبيل ومنها قيام دار نشر ألمانية، لها فرع في لبنان، بنشر ترجمة أعمال كاتب صهيوني، لم يتحرك أحد لإدانة الدار وذلك التصرف، أو بمطالبة الكُتبيات في لبنان رفض عرضها وبيعها.
وعندما تقدم مجلة أدبية لبنانية على فتح صفحاتها لكتابات من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948 ممن خدموا في جيش العدو، لم يتحرك أحد لإدانة هذا التصرف اللامسؤول، مع أن رئيس تحريرها آنذاك، عضو في تجمع حملة مقاطعة العدو.
وعندما تفتح إحدى الصحف البيروتية صفحاتها لكتابات ألماني من أصل عراقي، قام بزيارة كيان العدو ويشارك في نشاطاته «الثقافية»، ويفخر بذلك ويدين العرب لمعاداتهم له، بل وينشر صورته أمام الكنيست في القدس المحتلة، لا يتحرك أحد لإدانته ومعه الصحيفة البيروتية؛ عندما لفت انتباه الصحيفة البيروتية للأمر، وعدت بالتوقف عن ذلك لكنها قامت بزيادة عدد مقالاته فيها عملاً بالمقولة «نكاية في الطهارة...»، وبقيتها معروفة. والموقف ذاته اتخذه «مقاطعون» من إقدام جيلبر أشقر على إجراء مقابلة صحافية مع صحافة العدو الصهيوني، بل وترجمتها ونشرها.
الأنكى من ذلك، قيام دار نشر لبنانية بنشر مؤلفاته وعرضها في صحف بيروتية. والأمر ذاته يسري على التعاون مع صحافي من فلسطين المحتلة عمل رئيس تحرير مجلة أسستها قيادات ميليشيات الهزيمة والاستسلام في رام الله للتطبيع مع العدو.
ولا ننسى الحملة التي قامت بعد نشر مؤلف «إميل حبيبي - الوهم والحقيقة» للكاتب الفلسطيني خضر محرز، علماً بأن خدمات حبيبي، الذي قضى العمر في مهاجمة الفكر القومي العربي والسخرية من منه ومن رمزه الرئيس الراحل خالد الذكر، بررت لرئيس الكيان الصهيوني، إسحق شامير، منحه جائزة الدولة الصهيونية، التي عدها شرفاً له. بالمناسبة، رواية «الوقائع الغريبة» مكرسة لتبرير استسلام فلسطيني من الأراضي المحتلة عام 1948 وتعاونه مع العدو وتحوله إلى مخبر. أما بقية أعمال إميل حبيبي فهي دون ذلك المستوى بكثير ما يدفعنا للتشكيك في صحة نسب الأولى إليه.
المؤلَّف كان رسالة دكتوراه قدمها الكاتب بإشراف الناقد المصري المعروف السيد صلاح فضل، الذي أخبرني بدوره، عندما التقيته في أبو ظبي إبان الدورة الأولى لجائزة الشيخ زايد حيث كنا عضوين في لجنتها التحكيمية [المجردة من أي صلاحيات في الواقع]، رفضه احتجاج الأديب الراحل محمود درويش على إشرافه على الرسالة وقبولها، رغم احترامه الشديد لشعر الأديب الراحل وعشقه أعماله الأدبية.
ولماذا يتم تجاهل ضرورة إدانة مشاركة بعض مثقفي العرب من مشرق البلاد ومغربها، اللاهثين دوماً وراء «العُلا»، أياً كان الثمن، ولو على خازوق، وهذه صفة لازمة لكل مثقفي العالم، في مهرجان برلين الأدبي الدولي، السنوي، الذي تشارك سفارتا العدو الصهيوني والولايات المتحدة في تمويله. الأديب المصري صنع الله إبراهيم سحب موافقته على المشاركة في المهرجان عام 2002 بعدما علم بالتمويل الصهيو-أميركي، ما جعله يفوز بتنويه عميق من جمعية الصحافيين العرب في ألمانيا ومن المكتب التنفيذي للبرلمان الدولي للكتاب (صور عن الكتابين لدينا).
القائمة تطول وتطول وتطول.
مختصر القول، مقاطعة العدو والمطبّعين معه والمروجين للصهاينة، أيّاً كانوا، ليس ترفاً ولا إذاعة للسمعة، ولا يقع ضمن مجال العلاقات العامة بهدف الترويج للذات وإرضاء «الأنا» المنتفخة، عن ورم، لدى البعض.
مقاطعة العدو والمطبّعين، عمل وطني عميق الأثر، يتطلب تفانياً مطلقاً، واستعداداً للتضحية من دون حدود. لذا، فمن ليس لديه الرغبة أو المقدرة على دفع الثمن المطلوب، من الأفضل لنا جميعاً وللقضية، أن يتنحى جانباً ويترك المنبر لمن يملكهما. أما الاستمرار في هذه التصرفات المائعة التي تفتقر إلى الجدية والحزم المطلوبين، فيجعلنا نشك في نوايا بعض أعضاء حملة المقاطعة كما هي حالياً ما جعلها، في ظننا، (نكتة بايخة!).