شكّلت مدينة الفلوجة تاريخياً كوابيس لكل المحتلين للعراق قديماً وحديثاً، من البريطانيين أو الأميركيين، وتحمّلت ما تحملت جراء ذلك. وإذا كان احتلال ما بعد عام 2003 متميّزاً مع الفلوجة وشقيقتها النجف، لا سيما مع ادارة عراقية محسوبة، من الجوانب السياسية والمذهبية، على المدينتين فإن الفاجعة مستمرة عليهما ايضاً ومن تقارب معهما أو تشابه معهما من المدن الاخرى. واليوم عادت مدينة الفلوجة من جديد إلى الواجهة الاعلامية ودموع التماسيح ازدادت، وكأنها كانت تعيش بغير ما هي عليه الآن... كاشفة النفاق والتضليل والخداع الذي يمارس كلما تعرضت لكوابيس مزمنة. ولعل نكبتها الحقيقية تكمن في الجاري عليها ليس من احتلال «داعش» وحسب، بل من هذه الجوقات الاعلامية خصوصاً، والبكائيين الكذابين الذين يملأون وسائل الاعلام المخزية. من يتابع هذه الوسائل الناطقة بالعربية والصادرة من عواصم عربية أو أجنبية، ويرى وجوه الحقد الطائفي وما يبثونه من دجل صارخ وغثاء مسلف يشعر بأن هذه الحملات والهجمة المخادعة تعكس ما في نفوس تلك المجموعات التي عاشت وتربت على الكوابيس والنكبات. وكذلك الامر مع من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي التي تكشف حقيقة الاهداف المخطط لها خلفها أو أمامها، فلم تعد الأمور مستترة أو مخفية. فوكالات وأجهزة المخابرات التي كانت سبة ووصمة عار يتخفون منها وينكرون تخادمهم معها، أصبحت أوراقاً أو هويات تفاخر بالارتباط بها أو حتى التهديد باسمها. وهذا أمر ينبغي الالتفات إليه والتركيز على مخاطره العملية على مستقبل الأمة ومصيرها في الحياة والتقدم. فالكل يعلم أن هذه الدول وأجهزتها ووكالاتها ما عملت يوماً لصالح الشعوب ولا ساعدت في بناء مجتمع أو حضارة أو قدّمت دعماً للإنسانية، مهما كان شكله أو حجمه أو إطاره.
كم عدد العوائل التي أُجبرت على ترك المدينة والعيش في العراء؟

الوسوم أو «الهاشتاغات» التي وضعت عن الفلوجة في قنوات اعلامية معروفة بمواقفها وانحيازاتها الطائفية وصلاتها بالمشاريع الصهيو ــ غربية في المنطقة، وتدافعت أعداد وراءها تعلن هوية هؤلاء وأعمالهم ودوافعهم وتبين من هم المروجون او الناشطون خلفها. وهو عمل علني مكشوف يصبّ في خدمة مصالح وأهداف واضحة لا تنتهي إلى خدمة أهل الفلوجة ولا الشعب العراقي ولا الامة العربية والاسلامية، مهما كانت ألوانهم واشكالهم وملابسهم، فهم يقطرون خبثاً ونفاقاً وتسليماً للأعداء أكثر من الوقائع المرّة التي يتحدثون عنها اعلامياً فقط. لقد صمت اغلبية هؤلاء أيام حوصرت المدينة وصُبّت عليها الاسلحة المحرمة دولياً، لأنّ من قام بهذه الجرائم هو مشغلهم وممولهم وراعي مصالحهم وفنادقهم ومزودهم بالأخبار والخطط والبرامج، التي بالمناسبة لم تعد سرية أو مشفرة. وهذا ليس تخويناً أو اتهاماً لأحد أو تشويهاً لسمعة أو ما شابه ذلك، وإنما وصف واقع وشهادة للكثير منهم. ولعل في اصرارهم على ممارسة مثل هذه الاعمال والمبارزات في وسائل الاعلام والتواصل وغيرها دليل واثبات.
كم عدد الشهداء في هذه المدينة فقط؟ كم عدد العوائل التي أجبرت على ترك المدينة والعيش في العراء، أو في مخيمات لاجئين؟ كم عدد البيوت التي هدمت وخربت؟ كم عدد الأرواح التي قتلت أو دمرت؟ في المجزرة الأولى في الفلوجة نشرت وسائل الاعلام مقتل 731 مواطناً مدنياً. وفي المجزرة الثانية نقلت وسائل الاعلام أيضاً عن مدير المستشفى المركزي في المدينة مقتل 700 مواطن مدني، من بينهم 555 من النساء والأطفال، كما ذكر عن اعتقال الآلاف من الشباب من سكان المدينة. ومثل هذه الأرقام أو الأحداث تكررت في معظم المدن الاخرى، وهي بكل الأحوال ليست الأرقام الحقيقية أو تعبيراً عن وقائع ما حصل فعلاً، ولكنها حتى بمقاربتها لما حدث، أين توضع مثل هذه الوقائع في سجلات الاحتلال وتاريخ العراق السياسي المعاصر؟
تذكروا الفلوجة شاهداً ونموذجاً عن قيم الاحتلال وأخلاق المحتلين وتابعيهم!؟ ومرت هذه الوقائع والحقائق في صمت اولئك الذين يرفعون عقيرتهم اليوم ويزعمون ما يزعمون، وقد تحولت المدينة بفضلهم او بتشجيعهم ومشاركتهم الى ادارة وحكم "داعش". لقد كان سكانها اكثر من 700 ألف، واليوم يتحدثون عن 50 الف مواطن بقوا فيها، فأين دعاة «حقوق الانسان» ومروجو الفتن عن هذه المحنة لآلاف من المواطنين الابرياء؟ وأخيراً وحسب ما نقلت وكالات الانباء ووسائل الاعلام ليوم الجمعة 3/1/2014، ووفق مراسل وكالة الانباء الفرنسية في الفلوجة، الذي اختصر الخبر، بأنه اعلن من على منبر خطبة الجمعة فيها انها تحولت الى «ولاية اسلامية» (!)، إلا ان «الكهرباء مقطوعة تماماً، ومولدات الكهرباء لا تعمل بسبب النقص في الوقود». في هذه الحالة ماذا يتوجب القيام أو العمل عليه؟ وكيف يقتضي وطنياً ودينياً وأخلاقياً وقانونياً وسياسياً؟ أليس تحرير مدينة الفلوجة ومن بقي من اهلها، ومحاكمة المساهمين في دعم ما يسمى بداعش والدفاع عنه فيها وخارجها، مطلباً شعبياً ووطنياً؟ ولا بد ان يتم بإرادة العراقيين الذين صمموا عليه، ويبقى السؤال الذي سألته في بعض المقالات المنشورة لي عامي 2004 و2005 عن الفلوجة، ماذا بعد الفلوجة؟!
* كاتب عراقي