لكأنّها «آرمجدون» التي يستشرف فيها دعاة «المظلومية» نهاية العالم. منظّروهم في السياسة والإعلام يتخندقون فيها، كما لو كانت معركتهم الأمّ و«الرسالة». دعاتُهم في منابر التكفير يحيلونها الفيصل بين فسطاطَي الخلاص والهلاك، ومفسّرو أحلامهم والرؤى ينسجون حولها الأساطير ويُسقطون أحداثها على آيات القرآن. هكذا تجتاح الهيستيريا صفوف القوى المحاربة في صفّ مشيخات النفط والغاز، حاصدة في طريقها آخر السعوف التي اجتهد أصحابها في خصفها على أنفسهم. إنّها الطائفية بأوضح صورها، عاريةً من أيّة أوراق توت، مجرّدةً من أيّة جلابيب استحياء، ومطهّرةً من أيّة مساحيق تجميل. كما هي، فجّةً، عمياءَ، عشواء، تكشف وجهَها القبيح معركةُ الفلّوجة، تميط عنها لثام العسل، الذي دُسّ، على مرّ السنوات الماضية، في سمّ التحريض.

من رأس الهرم حتى أخمصه، توحّدت الشعارات واتّفقت السرديّات وتعاضدت اليافطات، لتصبّ جميعها في عين واحدة: نحن أنصار «الدولة الإسلامية» في معركة الفلّوجة، إنّما من منطلق معاداة الطائفية وتبديل هوية العراق! بدا، وسط ذلك التجييش، السفير السعودي في بلاد الرافدين، ثامر السبهان، قائد «أوركسترا» يتبع النادبون حركاته والإشارات. الرجل الذي أثار منذ تعيينه في بغداد، الكثير من السخط على خلفية مواقفه، خرج إلى العراقيّين بثياب الحرص على العروبة والوحدة الوطنية. قال السبهان إن «وجود مكوّن مُختلَفٍ عليه (في معركة الفلّوجة) يمثّل في حدّ ذاته مشكلة كبيرة، ويزيد من الشرخ»، في إشارة إلى «الحشد الشعبي». وأضاف أن «وجود شخصيّات إرهابية إيرانية قرب الفلوجة، دليل واضح على أنّهم يريدون حرق العراقيّين العرب بنيران الطائفية المقيتة، وتأكيد لتوجّههم بتغيير ديموغرافي». لم يشرّح السبهان، للمتلقّين، جَسدَ منطقه «المبخوش» لاعتبارَين اثنَين: أوّلهما، أن التشريح والتفصيل يظهّران فتوق هذا المنطق، الذي لا يمانع تطويع كلّ المعادلات المنطقية والمتطلّبات العقلية والمثل الإنسانية، بل وحتّى تربيع الدائرة وجعل الماعز يطير خدمة لأغراض السياسة، وثانيهما، أن اللعبة التحريضية التجييشية تقتضي سوق ثنائيّات صنمية مختزلة مقولبة، تجرؤ على حسم القضايا بقوّة من غريزة، لا بدليل من عقل. كان يُفترض بمحاور السبهان أن يحاججه بمشاركة كُبرَيَات عشائر الفلوجة في الحرب ضدّ «داعش»، وأن يقابَل برهانه بمواقف عدد كبير من وجوه «اتّحاد القوى العراقية» الذين أيّدوا «تحرير الفلوجة وأبنائها، بعدما باتوا رهائن ودروعاً بشرية بأيدي التنظيم». كما كان يُفترض به أن يسائله عمّا قدّمته الرياض لبغداد طيلة سنة ونصف السنة، أحال فيها «داعش» الفلوجة ساحة للجاسوسية، وتفنّن في ابتكار أساليب التعذيب، وجعل المدينة منطلقاً لمهاجمة بغداد وإقلاق أمنها وذبح أبنائها. ولكن، لا عتب على مراسل صحيفة «عكاظ» المسبِّحة بحمد الأمراء، واللاهجة بأسمائهم.
في كلّ الأحوال، لم يتأخّر ردّ بغداد على السبهان، وإن تفاوتت قوّته ما بين السلطات الرسمية والقوى السياسية. ففي وقت استغربت الخارجية العراقية تصريحات السفير السعودي، واصفة إيّاها بـ«السلبية»، ومؤكّدة أن الحكومة العراقية «هي وحدها من يقرّر الاستعانة بجهود أيّ من المستشارين العسكريّين من الدول المتحالفة مع العراق» (ردّ وزير الخارجية، إبراهيم الجعفري، على منتقدي تواجد قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بالقول إن الأخير يعمل في الأراضي العراقية بوظيفة مستشار عسكري، بعلم الحكومة)، ذهبت كتل نيابية أبعد من ذلك، مطالبة باعتبار السبهان «شخصاً غير مرغوب فيه»، ومتّهمة إيّاه بـ«بمحاولة تمزيق النسيج الوطني وإثارة الفتن». في المقابل، وكما هي العادة عند كل مفصل حيوي، برزت الأصوات المتناغمة مع دعوات المملكة، والمتصدّرة وسائل إعلامها، بهدف تَعبَويّ لم يعد خافياً على أحد. في مقدّمة تلك الأصوات نائب الرئيس الأسبق، طارق الهاشمي، الذي وصف إعلان معركة الفلوجة بأنّه «خطاب طائفي تحريضي قبيح، يترافق مع قصف واسع النطاق من الميليشيات لمناطق سكنية». وعلى المنوال نفسه، مضى محافظ نينوى السابق، أثيل النجيفي، قائلاً إن «مشاركة حزب الله وسليماني، تجعلنا لا نأمن على أنفسنا كسنّة العراق، إلّا بطلب دعم عاجل من إخواننا المسلمين والعرب». واعتبر النجيفي أن «بقاء الموصل بيد داعش أفضل من تحريرها من قبل جيش شيعي»، لافتاً إلى أن «ما استطاع داعش فعله هو تحقيق لا مركزية الحكم... لم يعد مستقبل الموصل يقرّره السياسيّون في بغداد، نحن نتّفق مع بعض الأشياء التي فعلها داعش ولا نتّفق مع أشياء أخرى»، في تصريح هو الأشدّ تدليلاً على نزعة هؤلاء التقسيمية.
إلى جانب السبهان وجوقته السياسية تأتي فرقة الدعاة السعوديّين الضالعين في خطاب التكفير والتحريض، والمحظيّين حتّى الآن، لدى سلطات الرياض بالرعاية. هؤلاء يعزفون على الأنغام نفسها التي سنّها السفير السعودي، إنّما بلغة سافرة تحضّ صراحةً على القتل، وتدقّ علانيةً طبول الحرب المذهبية. «يبشّر» إمام وخطيب جامع خالد بن سعود، وعضو فريق مناصحة السجناء الذين يحملون الفكر «المتطرّف»، سعد البريك، متابعيه، بأن «أبطال الفلّوجة تأسر رتلاً كاملاً من عصابات الصفويّين، أذناب إيران»، مضيفاً: «دعواتكم لإخوانكم بالنصر على الصفويّين الروافض». كذلك، يذهب عضو هيئة التدريس في جامعة أمّ القرى، محمد البرّاك، مدّعياً أنّه «اجتمع على أهل الفلّوجة أميركا وإيران ومرتزقتها والحشد الشعبي والجيش العراقي ولا زالوا عاجزين. لا دليل أوضح من هذا على عجز أحزاب الكفر». ويرى البرّاك أن «كلّ الدلائل تشير إلى أن الحرب في العراق والشام صليبية رافضية صهيونية ضدّ الإسلام، وهي حقيقة لا تخفى على عاقل». «حقيقة» تبدو من الخفّة بمستوى تنتفي معه الحاجة إلى تفنيدها، لكن ناعِتَ أتباع مذهب من مذاهب المسلمين بـ«إخوان الشياطين»، يصرّ على التساؤل: «متى يدرك أهل السنّة أنّهم جميعاً، حكّاماً ومحكومين، مستهدفون من الرافضة؟». ولا يبدو الأستاذ المساعد في كلية التربية في جامعة آل سعود، إبراهيم الفارس، أقلّ تفظيعاً من زملائه، إذ يخاطب متابعيه، بأن «المجوسية ألقت بفلذات أكبادها في معركة الفلوجة الفاصلة، وبتأييد مطلق من قوّات الصليب وشراذم اليهود وزمر النفاق». ويمعن الرجل في التلذّذ بالتفتين قائلاً: «على أبواب فلّوجة العزة، جيش الحشد الشعبي صاروا طحين... وينك عنهم يا حسين؟!!!». أمّا الأستاذ السابق في جامعة محمّد بن سعود، عوض القرني، فيشطح في تحليلاته، محذّراً من أن «المدّ الصفوي لا يستهدف الفلّوجة فقط، بل مكّة والمدينة»، فيما لا يجد أستاذ العقيدة في جامعة الملك سعود، محمّد العريفي، متّسعاً إلّا لإعادة تغريد منشورات تدعو بالنصر لمن «تكالب على قتلهم الصفويّون والنصارى».
هذا الإصرار على تصوير معركة الفلّوجة بوصفها حرباً على أبناء المدينة أنفسهم يتجلّى، كذلك، في وسائل إعلام النفط والغاز، إنّما على نحو أكثر وضوحاً في مسخ الحقائق. تغفل وسائل الإعلام تلك خلال سوقها سرديّة الفلّوجة الإنسانية، عدّة اعتبارات لا يمكن القفز عليها، في محاولة عقلنة الأحداث الدائرة راهناً: أوّلها، أن السواد الأعظم من سكّان المدينة نزح عنها منذ سيطرة «داعش» عليها في أوائل عام 2014، وأن من تبقّى منهم على أقصى تقدير أعلنته الأمم المتّحدة، هم 90 ألفاً. ثاني الاعتبارات المشار إليها، هو أن القوّات العراقية أمّنت خطوط نفاذ للمدنيّين إلى خارج الفلّوجة، باتّجاه ناحية العامرية وقضاء الخالدية. وثالث الاعتبارات، أن من يجعجع بالنازحين حاليّاً، ويضيّق عليهم الخناق، هم مسلّحو «داعش»، سواء عبر إطلاق النار على العوائل النازحة أو عبر فرض أتاوات باهظة عليها.
وقائع لا يُعثر على أثر لها في وسائل الإعلام الخليجية، ما يؤكّد أن المرجوّ من رفع اليافطة الإنسانية هو هدف سياسي مغاير لشعارات الدفاع عن حقوق الإنسان. يعزّز الاستنتاج المتقدّم، أن فضائيّات الخليج سرعان ما تبادر في إحالة الاعتبار الإنساني منصّة إطلاق باتّجاه القوّات العراقية، إذ يغدو لديها إعلان بغداد التريّث في العمليّات حفاظاً على أرواح المدنيّين غطاءً لـ«جبن القوّات العراقية وانهزامها أمام داعش». أكثر من ذلك، تكاد تغطية تلك الفضائيّات مجريات المعركة لا تفارق تغطية وكالة «أعماق». كلاهما يتّفقان في إعلاء صوت «داعش» وتظهير «بطولاته» والدفاع عن استيطانه الفلّوجة، في مقابل تشنيع القوّات العراقية والشماتة بخسائرها والتقليل من أهمّية إنجازاتها. تفعل «أعماق» فعلها بلغة «الدولة الإسلامية» التي تعلن الحرب على «الروافض والنصيريّين والصليبيّين»، فيما يأتيه الإعلام النفطي تحت شعار «طائفية المعركة ومذهبيّتها». شعار يترافق دائماً مع التصويب على الدور الأميركي بوصفه «لوثة ترتضي الحكومة العراقية التطبيع معها». تغيب وسط هذه الانتقادات تماماً، الأصوات العراقية الرافضة أيّة مشاركة للولايات المتّحدة في المعركة ضدّ «داعش». ويغيب أيضاً، أن الإدارة الأميركية توسّلت السبل جميعها، طيلة الأشهر الأخيرة، لمنع «الحشد الشعبي» من الانخراط في معارك استراتيجية يمكن أن تزيد رصيده لدى العراقيّين. كما أن انتقاد الدور الأميركي، وهنا مكمن المفارقة، يتكثّف في منابر أضحت مهاجمة السياسات الأميركية «المحايدة» حيال سوريا، وعدم تدخّل واشنطن في معركة إسقاط النظام، جزءاً من ثوابتها ومحدّدات خطابها.

يبدو السفير السعودي ثامر السبهان كقائد «أوركسترا» يتبع النادبون حركاته

أمّا النغمة الثالثة التي تعزف على وترها وسائل الإعلام الخليجية، فهي «انتهاكات الحشد الشعبي» في الفلّوجة. «انتهاكات» لم يثبت إلى الآن، أن الاحتجاج بها مستندٌ إلى ظاهرة طاغية يمكن اعتبارها مبرّراً لتصوّر «الحشد»، «غولاً» يناظر في ممارساته الإجرام الداعشي. يقوّي الاستدلال المتقدّم، أن منابر الممالك والإمارات، رغم جهدها التعبوي منذ ما قبل دخول الحشد معركة تكريت، فشلت في الحيلولة دون تلاقي الحشدَين «الشعبي» و«العشائري»، تماماً كما فشلت في منع تشكّل إجماع ولو مهزوز، على المعركة ضدّ «داعش». ولعلّ إعلان العديد من الوجوه السنّية تأييدها لهذه المعركة وانخراطها فيها، هو أكثر ما يغيظ فضائيّات البترودولار، كونه يناقض السردية الطائفية التي يصرّ الإعلام الخليجي على تصديرها. سرديّة تضحي أشدّ قتامة على صفحات رموز هذا الإعلام، حيث يبدو التماهي مع الوجدان «الداعشي» مكشوفاً إلى أبعد الحدود، مجلّياً توجّهاً مذهبياً أعشى، ومظهّراً مساندة التكفير والقضاء على كلّ القواعد البشرية، التي يمكن أن تنظم الخلاف وتقونن الخصام وتكبت النزوع إلى التوحّش.
معدّة تقارير «الرأي والموقف» في قناة «الجزيرة»، فاطمة التريكي، تميط اللثام عن ذلك التوجّه، قائلة إنّه عندما يعلن «طرطور العراق (رئيس الوزراء، حيدر العبادي) أن ميليشيا الحشد الطائفي هي جزء من جيش الحكومة، فهذا معناه أن قوّات الحكومة كلّها أهداف مشروعة». وتزيد التركي، في التشبّث بتطييف المعركة، أن «أكثر ما يقرف وضع السياسيين السنة الواقفين تحت حذاء سليماني... يسمعون شتيمتهم في آذانهم ويشاهدون إذلال إخوانهم طائفيّاً ثم يقول لك: ما في شي الدنيا عم تشتي».
بدوره، لا يظهر فيصل القاسم أقلّ انفضاحاً من زميلته. بسخرية فظّة، يقول القاسم إنّه «لو أراد داعش أن يصطاد عصافير في العراق لما استطاع أن يصطاد نفس العدد الذي يصطاده يوميّاً من الجيش العراقي والحشد الشعبي». ويضيف أن «الفلّوجة رمز العزّ والفخار تذبح بصمت بسكّين الطائفية بحجّة داعش، بينما ملايين العرب السنّة في دول الجوار يستعدّون لمسلسلات رمضان». نماذج تحريضية هي غيض من فيض، استنفر الحكومة العراقية ودفعها إلى التلويح برفع دعاوى قضائية ضدّ فضائيّات عربية «تحرّض على الفتنة، وتنقل صوراً وأخباراً غير صحيحة حول عمليّات القوّات الأمنية في الفلّوجة، وتدقّ أسافين الفرقة بين العراقيّين».
هكذا إذاً، تضحي معركة الفلّوجة مختبراً لأنصع المواقف جاهلية وطائفية وكراهية. مواقف لا تنفع إزاءها المواربة أو المجاملة أو مخادعة النفس. باختصار، نحن أمام من تصحّ تسميتهم بالـ«homo-sectarianism»، الذين لا ينطقون ولا يتحسّسون ولا يتفكّرون إلّا انطلاقاً من «دوغما» طائفية توجّه عقولهم وتتحكّم بآرائهم. ومن خلف هؤلاء، حكومات وأجهزة استخبارات وأخطبوطات إعلامية، بات التلاعبُ بالنعراتِ نهجها الذي لا تحيد عنه، وبضاعتها التي لا يملك دَلّال البترودولار سوى الدوران بها على الجثث والدماء.