وقع عدد لا يُستهان به من اللبنانيّين/ات في حب أمين معلوف في الأسابيع الماضية. مِنهم مَن اكتشف معلوف للمرّة الأولى: أليسا، التي لها أبحاث منشورة في موضوع تاريخ الحروب الصليبيّة، أثنت على كتابات معلوف (بإنكليزيتها المتعثّرة، كالعادة). حتى وليد جنبلاط، حليف المحافظين الجدد في حقبة صعودهم، رأى في نفسه حجّة في موضوع المقاطعة وذكّر بديكارت (وكان الأخير من المعجبين بالنظام السعودي) وحذّر من «الماكرثيّة». الماكرثيّة؟ الماكرثيّة كانت، كما أظهرها، مايكر روغن، في كتابه الأوّل «المثقّفون ومكارثي: الشبح الراديكالي»، نسقاً من أنساق الفكر والممارسة المحافظة في أميركا (المحافظة التي تحالف جنبلاط معها).

ما علاقة ذلك بحركة المقاطعة التي لم تنتشر إلّا في أوساط اليسار في العالم؟ وحركة المحافظة لها جذور في السلطة في أميركا، وما هي علاقة حركة المقاطعة بالسلطة التي تناهضها في الشرق والغرب؟ لكن المُلفت أن حركة المقاطعة، وهي تنتشر في معظم العالم قاطبة، خصوصاً في صفوف الطلاب في الجامعات الغربيّة حيث هناك فرع للحركة في كل جامعة تقريباً، تستفزّ المثقّفين العرب بصورة خاصّة. طبعاً، هذا لا يعني أنه يمكن الركون إلى تأييد ستفين هوكنز أو جوديث بتلر أو روجر وترز فيما تستعدي الحركة أمثال وليد جنبلاط وأليسا وساطع نور الدين أو صحافي بلاط أردني-قطري، لِما لهؤلاء من نفوذ ثقافي في أوساط طلبة العالم. على الحركة ان تستقطبهم كما استقطبتهم أنظمة الخليج بقوّة حجّتها وسداد رأيها. وحركة المقاطعة تستفزّ الكتّاب والمثقّفين العرب أكثر مما تستفزّهم جرائم الاحتلال الإسرائيلي اليوميّة (قتلَ جيش العدوّ ومدنيّوه أكثر من ٢٠٠ فلسطيني وفلسطينيّة منذ أكتوبر الماضي فقط). لكن حركة المقاطعة تُحدث ردود فعل حادّة في أوساط الكتّاب والمثقّفين العرب. ليس صدفة ان هذه الحملة تنحصر في كتّاب النظام الأردني والسعودي والقطري والإماراتي والكويتي: فهذه الأنظمة هي التي تقود حملة التطبيع الرسمي مع العدوّ الإسرائيلي. لكن هناك سمات ومعايير سجاليّة لهذه الردود.

يصرّ معارضو حركة المقاطعة على أنها بلا جدوى وضعيفة

1) الافتراض ان كل هؤلاء الكتّاب يتفوّقون على غيرهم أخلاقيّاً وطهرانيّاً، وان ولاءهم لأنظمة الخليج أو النظام الأردني لا تشوبه شائبة وأنّ هذا الولاء لا يُضعف من المصداقيّة كما يُضعف الولاء للنظام الإيراني أو السوري. أي أنّ الولاء للنظاميْن المذكوريْن هو المشكلة الوحيدة في الولاء للأنظمة في العالم العربي، وان الولاء للنظام الأردني أو أنظمة الخليج يُضفي مصداقيّة أخلاقيّة لا تُضاهى.
2) ان نقد حركة المقاطعة يستعير، عفواً أو عن قصد، كل استعارات وحجج وذرائع الحركة الصهيونيّة —قائدة الحرب على حركة المقاطعة حول العالم. الحركة الصهيونيّة تعتبر أن حركة المقاطعة تخالف قواعد حريّة التعبير فيما الحركة الصهيونيّة والمنظمّات اليهوديّة العالميّة كانت الرائدة في حركة المقاطعة (ضد ألمانيا وضد الأنظمة العربيّة وضد منظمّة التحرير وضد حركات المقاومة الباقية). والحركة الصهيونيّة، مثل حاكم نيويورك، ترفض المقاطعة فيما هي تسنّ قوانين لفرض مقاطعة صارمة... ضد حركة المقاطعة. أي ان المقاطعة، بالمنظور الصهيوني، جائزة لكن من طرف واحد فقط.
3) لقد اعتنقت الأنظمة الخليجيّة المقاطعة الصهيونيّة بحذافيرها ضد حركات المقاومة وضد الأنظمة التي تخالف مشيئة أنظمة الخليج، كما هي اعتنقت مقاطعة المقاطعة ضد الصهيونيّة. وفرض المقاطعة ضد حركات وطوائف وأفراد في دول الخليج يأتي بناء على معايير اللوبي الصهيوني نفسه.
4) يصرّ معارضو حركة المقاطعة انها بلا جدوى وضعيفة وأن لا أثر لها. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا هي تزعج دولة الكيان الغاصب وتزعجهم هم أيضاً؟ العدوّ الإسرائيلي يتحدّث رسميّاً عن مخاطر حركة المقاطعة، ووزير الخارجيّة الأميركيّ حذّر الحكومة الإسرائيليّة من عواقب حركة المقاطعة النامية وقال إنها ستقضي على (لا) حلّ الدولتيْن. ولماذا ينفق العدوّ ملايين الدولارات من أجل مكافحة حركة المقاطعة إذا كانت عديمة النفع؟ هذه مثل الذين قالوا في لبنان بعد عدوان تمّوز ان إسرائيل هي المنتصرة، فلما شكّلت حكومة العدوّ لجاناً رسميّة للتحقيق في أسباب الفشل الاستراتيجي. بات بعض هؤلاء أخبر في مصلحة العدوّ من العدوّ نفسه.
5) يلجأ هذا الفريق إلى خدعة باتت مفضوحة: يردّون على الدعوات لمقاطعة العدوّ الإسرائيلي عبر السجال لا مع فريق المقاطعة بل مع النظام السوري وأدواته في لبنان، ومع النظام الإيراني أيضاً. فتصبح القضيّة قضيّة براميل النظام السوري وصفقة إيران-كونترا ومصافحة بشّار الأسد مع رئيس دولة الكيان والدبّابة الروسيّة كأن كل ذلك له علاقة بالمقاطعة. لكن مَن حوّل حركة المقاطعة إلى رديف للنظام السوري؟ على العكس، إن الممانعة —وحتى حركة المقاومة- لا علاقة لها البتّة بحركة المقاطعة، وحزب الله لا يجد نفسها معنيّاً بها، ولا هو حتى شارك في حملة مقاطعة البضائع الأميركيّة في بلادنا قبل سنوات. لكن الردود على الرد على أمين معلوف تصرّ على التعامل مع حركة المقاطعة على أنها مِن بنات أفكار ميشال سماحة وعلي مملوك.
6) ألا يمكن الاختلاف في كل المواضيع السياسيّة، حول كل مشاكل المنطقة، والاتفاق على معاداة الاحتلال الإسرائيلي؟ إن إقحام موضوع النظام السوري أو القطري أو السعودي أو الأردني في الحديث عن المقاطعة لا يمكن إلاّ ان يكون بهدف تحوير الأنظار عن المقاطعة بغية محاربتها.
7) ماذا يريد أعداء المقاطعة؟ هؤلاء من دعاة «النضال السلمي الحضاري»، وهم يرون ان قرع الطناجر النحاسيّة وحده يمكن ان يُشكّل مقاومة فاعلة للعدوّ، لكنهم في معاداتهم للمقاطعة -وهي أضعف أنواع المقاومة (وهي نتجت أصلاً في الغرب لأن دعم المقاومة هناك غير ممكن لأسباب كثيرة)- يقولون انه يجب وقف المقاومة (وهم أعداؤها أيضاً) ووقف المقاطعة. ماذا يبقى في مواجهة العدوّ الإسرائيلي، غير مبادرة السلام... السعوديّة؟ حسناً، لماذا لا يُقال ذلك بصريح العبارة؟ لماذا اللف والدوران؟
8) لا شك ان استبطان الخطاب الصهيوني الغربي، في الكثير من عناصره، بات سائداً في الثقافة والإعلام العربي. باتت مناصرة المقاطعة العالميّة للعدوّ الإسرائيلي ومصالحه الاقتصادية سمة مِن سمات الحركات الأكاديميّة الليبراليّة في الغرب، فيما يصرّ الخطاب العربي السائد على معارضة المقاطعة. أكثر من ذلك، لقد أنعش الإعلام العربي في السنوات الأخيرة نقد نقد الاستشراق وبات سائداً في إعلام النظام الخليجي نقد إدوار سعيد ونقد تفكيكه للخطاب الاستشراقي. لكن من دون استعلاء فكري، إن هؤلاء الذين يُحيون الاستشراق، ويعتذرون منه وعنه، لا صلة لهم بعالم الإنتاج الأكاديمي الغربي، وهم جاهلون/ات بأن نقد الاستشراق بات من مسلّمات العلوم الاجتماعية والإنسانيّة في الغرب (لم يكن صدفة ان تفرد مجلّة «المجلّة» السعوديّة موضوع غلافها قبل سنتيْن لنقد وتهشيم إدوار سعيد على يد الليكودي الأميركي العنصري، جوشوا مورافتشيك، وهو ضيف مّحبب في محطات الخليج وإل.بي.سي عبر السنوات).
9) يعتبر معارضو/ات المقاطعة ان مخاطبة القضيّة الفلسطينيّة من خلال وسائل إعلامهم هي ضروريّة للقضيّة الفلسطينيّة. هذا يفترض، حكماً، أن الصراع العربي-الإسرائيلي ليس إلاّ سوء تفاهم، وأن خطبة بليغة وحجّة قويّة كفيلة بتغيير وجهة الرأي العام الإسرائيلي، حيث الفرد لا يعلم عن النكبة وأنه فور تلقّيه الخطبة البليغة سيفرّ من فلسطين إلى غير عودة. إن أوّل مَن تبنّى المنطق القائل بأن خطبة بليغة كافية لتغيير الرأي العام الإسرائيلي هو محمود عبّاس وأنور السادات (وليس صدفة أن الإثنيْن أتيا من خلفيّات معادية للسامية: السادات كان نازيّاً، فيما كانت «أطروحة» عبّاس للدكتورة ناكرة للمحرقة). لم يتغيّر الرأي العام الإسرائيلي نتيجة انصياع عبّاس والسادات للصهيونيّة، بل تغيّر الاثنان. وهذا الأسبوع، دافعت سلطة أوسلو في رام الله على مشاركة عضو لجنة تنفيذيّة لمنظمّة التحرير في مؤتمر هرتزيليا بالقول إن ذلك من شأنه «التأثير على المجتمع الإسرائيلي».
10) ردّ عامر محسن هنا على القائلين بالدفاع عن أمين معلوف لأنه «عالمي». لن يصل إلى العالميّة عربي أكثر من أنور السادات. لا، وهناك مَن يرفض النقاش في موضوع معلوف من تقديم إثبات ممهور بتوقيع من المختار بقراءة كل مؤلفّاته كأن الموضوع أدبي او نقدي فنّي محض. هذا كأن تقول إنه لا يجوز نقد عازف دربكّة عربي لو ظهر في قاعة الكنيست أو في محطة إسرائيليّة من دون سماع كل ضربات العازف من قبل. إن شروط العالميّة (الغربيّة حصراً) هي سياسيّة للعربي: لم يكن نجيب محفوظ سيفوز بـ»نوبل» من دون معرفة مواقفه التطبيعيّة (وفكرة ان محفوظ استحق جائزة نوبل في الأدب العربي من لجنة تضمّ أفراداً لا يفقهون حرفاً من العربيّة، أكثر من طه حسين او توفيق الحكيم او حتى ميخائيل نعيمه، إهانة للتراث الأدبي العربي)، ولم يكن أحمد زويل سيفوز بجائزة نوبل لو انه لم يقم من قبل بعلاقات مع جامعات في الكيان الإسرائيلي ولو لم يكن قد قبل بجائزة منه. وقد وصل فاسدون ومحتالون ونصّابون من أصل لبناني إلى العالميّة، وقد زهت بهم جريدة «النهار» —وآخرهم الرئيس الأرجنتيني. ثم ألم يصل وليد فارس، الليكودي الأميركي-اللبناني، إلى العالميّة الثمينة عندما عيّنه كاره العرب والمسلمين، دونالد ترامب، مستشاراً له؟
11) لا تعفي الموهبة أو الفذاذة عن الخطل السياسي. ليست موهبة أمين معلوف أو زياد دويري أكبر من موهبة هيديغر أو موهبة ليني ريفنستال، لكن الأخيريْن لم ينجيا من إدانة وتقريع لاحقهما طيلة حياتهما (وريفنستال عمّرت إلى ما بعد المئة سنة) بسبب تعاطفهما مع النازيّة.
12) لماذا لا يسمح ليبراليّو وليبراليّات حركة معارضة المقاطعة لحريّة الرأي لدعاة المقاطعة؟ هم ليبراليّون ولكن على ان لا تؤدّي حريّة التعبير إلى ازعاج الكيان الإسرائيلي؟
لكن أطرف الردود كان من الياس خوري في جريدة «القدس العربي»، وهو المعروف بتأييده لقضيّة الشعب الفلسطيني عبر السنوات. لا يجوز إقحام موضوع «القدس العربي» في الموضوع كونها باتت جريدة داعشيّة الهوى تحرّض طائفيّاً ومذهبيّاً يوميّاً بصفاقة، لأن هذا الإقحام المبتذل هو ليس موضوعنا (مع ان خوري في مقالته يستسهل الخلط المبتذل بين المواضيع). ويستهلّ خوري نقده بالاستجارة بإدوار سعيد. لكن ما علاقة الراحل سعيد بالموضوع؟ كون سعيد اعطى مقابلة لـ«هآرتس» لا يعطي مشروعيّة البتّة للتسابق على إعطاء مقابلات لوسائل الإعلام الإسرائيليّة. مَن قال إن إدوار معصوم دينيّاً على طريقة القدّيسين؟ وقد تلقّى سعيد نقداً منّي ومن غيري على مشروعه مع الصهيوني دانيال برنباوم، الذي يظنّ ان معزوفة على البيانو بمشاركة أطفال من فلسطين ومن الكيان الغاصب كفيلة بإحقاق الحق وتحقيق السلام.
ثم إذا كان سعيد مرجعاً لخوري وغيره في موضوع المقاطعة، فهل هو مرجعهم أيضاً في موضوع حزب الله وقد كال الكثير من المديح (في العلن وفي الجلسات الخاصّة) لمقاومته ولشخص حسن نصرالله (راجع مثلاً المقابلة مع سعيد في مجلّة «سوسيتي أند كلتر»، عدد ٣، سنة ٢٠٠٠، وفيها يقول: «لقد التقيتُ بالشيخ نصرالله ووجدته رجلاً مثيراً جداً للإعجاب. رجل بسيط، شاب، ولا يهذر («نو بولشيت»). رجل انتهج استراتيجيّة نحو إسرائيل شبيهة بتلك التي انتهجها الفييتناميّون ضد الأميركان... وترك فيّ أثر انه الوحيد بين القادة السياسيّين الذين قابلتهم في الشرق الأوسط، الذي كان دقيقاً في موعده... واتفقنا ان... اتفاقيات أوسلو هي عبثيّة شاملة». وماذا عن نقد سعيد لعرفات؟ هل نسي خوري ما قاله عنه، أم أن مقابلة سعيد في «هآرتس» باتت تختزل كل كتابات ومواقف سعيد عن القضيّة الفلسطينيّة؟ (ولنتذكّر ان مواقف سعيد عن قضيّة فلسطين تطوّرت كثيراً عبر السنوات، منذ عام ١٩٧٧ عندما كان مرشح أنور السادات لرئاسة حكومة فلسطينيّة مؤقّتة، حتى وفاته عندما بات معارضاً لـ(لا) حل الدولتيْن).
استبطان الخطاب الصهيوني الغربي بات سائداً في الإعلام العربي

ويصف خوري كلام سعيد العرضي مع جريدة إسرائيليّة عندما قال مجازيّاً أنه «اليهودي الأخير» بأن عبارته تلك كانت «مدويّة»؟ لماذا وكيف؟ ما كان صداها؟ ثم ان المقابلة كانت ردّاً على الحملة التي تلت زيارة سعيد للبنان عندما رمى حجراً ضد العدوّ. ولماذا هذا الاهتمام المفرط بالجانب اليهودي في الخطاب؟ تطرّف العالم العربي في الماضي في معاداة اليهوديّة (سياسيّاً وكردّة فعل غير مُبرّرة على النكبة والاحتلال) إلى التطرّف الحالي في حب اليهود واليهوديّة—وهذا جانب آخر من اللاساميّة—حيث بات الحنين إلى الحارات اليهوديّة في الثقافة العربيّة يفوق الحنين إلى فلسطين العربيّة (من المألوف اليوم في الكتب والشعر العربي بروز وإبراز شخصيّات يهوديّة ربّما لأن ذلك يؤدّي إلى ترجمة الأعمال عن العربيّة). ثم يضيف خوري كلاماً عن ان سعيد ورث ثقافة «صنعها» أدورنو وآرندت ومدرسة فرانكفورت. لقد خلط خوري بين موقف سعيد من إرث المفكّرين المذكورين: كان سعيد يميّز دائماً بين إرث المفكّرين الذي لا علاقة له بالصهيونيّة وبين الإرث السياسي الشنيع للذي وردت أسماؤهم.
ويقول خوري، ويقول غيره، ان سعيد قدّم «مرافعة مدهشة» عن القضيّة الفلسطينيّة في الجريدة الإسرائيليّة. ما هي نتيجة المرافعة وما نفعها، مع العلم ان المقابلة التي أجراها سعيد جرت بعد ضغوطات هائلة تعرّض لها من قبل إدارة وأساتذة جامعة كولومبيا بسبب زيارته للبنان ولقائه مع حسن نصرالله ومديحه للمقاومة، وبسبب رمية الحجر الشهيرة. لكن المقابلة كانت في غير محلّها، ولم تتوقّف الحملة ضدّه بعدها، ورحل سعيد والإعلام الصهيوني يرميه بتهم الإرهاب.
لكن الأخطر (على قول أحمد فتفت الذي يحذّر من الأخطار يوميّاً) ان خوري «يذكِّرنا» بان المعركة ليست مع اليهود بل مع إسرائيل. مَن يُذكر خوري هنا؟ وما علاقة ذلك بمَن ينتقدهم في حركة المقاطعة. ليس هناك مَن يتهم حركة المقاطعة بمعاداة اليهود—كيهود—إلا دولة العدوّ الإسرائيلي وحدها. هل الذين كتبوا ضد أمين معلوف هم من معادي اليهود، خصوصاً ان معظمهم كانوا من السبّاقين في الكتابة والخطابة ضد معاداة اليهوديّة؟ مَن يتهم؟ إن معاداة اليهوديّة تسود في خطاب إعلام أنظمة الخليج والأردن وفي خطاب النظام السوري (مع ان حسن نصرالله في تقديم الوثيقة السياسيّة الأخيرة للحزب ميّز بين معاداة الصهيونيّة وبين معاداة اليهوديّة، وهذا موقف متقدّم وفريد لحزب إسلامي). لقد قامت جامعة كاليفورنيا مؤخراً بإجراء تحقيق طويل حول ما إذا كانت حركة المقاطعة هي حركة معادية للساميّة، وخلُصت إلى نتيجة أنها ليست كذلك. أي ان خوري يرمي حركة المقاطعة باتهام باطل. وفي وثائق الحكومة الإسرائيليّة التي قدّمتها إلى المجلس النيابي الأسترالي والكندي، والتي أعلنها نتنياهو في خطبة ضد حركة المقاطعة، لم يُعثَر على دليل واحد عن معاداة لليهوديّة في حركة المقاطعة إلا... منّي أنا لأنني كتبتُ قبل بضع سنوات مطالباً (في سجال مع نورمان فنكلستين الذي جاهر برفض المقاطعة مما عزله سياسيّاً في الحركة المناصرة لفلسطين في الغرب) حركة المقاطعة بإعلان موقف واضح وصريح ضد وجود إسرائيل من أساسه، ورفض (لا) حلّ الدولتيْن (حركة بي.دي.إس ترفض ان تفعل ذلك حتى الساعة). كلامي هذا اعتبرته حكومة إسرائيل والحركة الصهيونيّة العالميّة معادياً لليهوديّة. ولا يحتاج رموز حركة المقاطعة في لبنان وفي الغرب إلى دروس مِن احد في ضرورة التمييز بين اليهوديّة والصهيونيّة، خصوصاً عندما يأتي الكلام في صحف لا تميّز في عدائها بين النظام السوري وبين إيران وبين الشيعة والعلويّين والزيديّين.
ثم يضيف خوري كلاماً عن ان المعركة هي أيضاً ضد الاستبداد العربي، لكنه لا يخصّص بين ٢١ نظاماً عربياً إلاّ دولة عربيّة واحدة هي سوريا (وللصدفة فإنها الدولة الوحيدة التي تعمل كل دول الخليج على قلب نظامها، بعد ان تحالفت مع هذا النظام لعقود طويلة). لكن ما علاقة الموضوع السوري هنا؟ ولمَن يوجّه خوري كلامه؟ هل لرموز المقاطعة؟ مَن في حركة المقاطعة أو مَن من الذين كتبوا في موضوع معلوف معروف بتأييده للنظام السوري وجرائمه؟ سماح إدريس؟ بيار أبي صعب؟ عامر محسن؟ مَن مِن هؤلاء عُرف بمناصرته للنظام السوري؟ وهذا ما فعلته إعلاميّة في محطة الحريري، وهي كاتبة في «الشرق الأوسط»، عندما رمت نضال الأشقر بتهمة «التشبيح» لأنها وقفت ضد امين معلوف. لكن خوري قرّر أن يغيّر الموضوع ويعطي عظة أخلاقيّة في موضوع النظام السوري. حسناً، فليسقط النظام السوري ولتسقط معه كل الأنظمة العربيّة وإيران، هل يمكننا العودة إلى موضوع المقاطعة ورفض التطبيع؟ وفي المقلب الآخر، هل لاحظ خوري ان في فريق مناهضة المقاطعة أفواج من مناصري أنظمة الاستبداد العربي كلّها جمعياً ما خلا نظاماً واحداً فقط؟ أم ان المعيار الأخلاقي الوحيد في السياسة العربيّة بات محصوراً بالموقف من نظام واحد، لأن سقوطه يضمن تحقيق الحريّة والديمقراطيّة في كل العالم العربي؟
ومن يقصد خوري بكلامه عن «الكلام القومجي الممانع»؟ عليه ان يكون أكثر تحديداً خصوصاً وان المنظمّات القوميّة العربيّة لا علاقة لها البتّة بحركة المقاطعة، كما ان القومي العربي، عبد الرحيم مراد، مشغول لضرورات البزنس بالانضمام إلى عاصفة الحزم. ويذكّرنا خوري بديماغوجيّة فاقعة ومُنفّرة - على طريقة ١٤ آذار المبتذلة – بـ«دماء» مهدي عامل وحسين مروّة وغيرهم كأن سماح إدريس أو حركة المقاطعة هي التي قتلتهم، بالاشتراك مع بيار أبي صعب وأسعد غصوب ورانيا المصري.
لكن خوري يقع في تناقض: فهو من ناحية يصف مقابلة أمين معلوف مع المحطة الإسرائيليّة بأنها «بائسة» من دون أن يخبرنا لماذا هي بائسة، ثم ينصرف لنقد كل من انتقد تلك المقابلة... البائسة. التناقض الثاني ان خوري يقول إن حركة المقاطعة هي حركة «نبيلة» ثم يكرّس مقالة كاملة لنقد دعاتها. ماذا يريد الياس خوري؟ ثم يحذَّر من هؤلاء الذين يدعون إلى «مقاطعة مثقّفين يهود إسرائيليّين يناضلون ضد الهمجيّة الإسرائيليّة». مَن هم هؤلاء؟ أين يمكن ان نعثر على دلائل على نضال المثقّفين الإسرائيليّين ضد الصهيونيّة. نفهم ان نحترم التمييز بين اليهود والصهاينة، لكن هل بات علينا التمييز بين المثقفين الإسرائيليّين العاديّين وبين «المناضلين» منهم؟ قدّمت حركة «السلام الآن» فرصة ذهبيّة للتطبيعيّين العرب من أجل ان يطبّعوا بحجّة ان هناك لوبي للسلام (مزعوم) في داخل الدولة، لكن الحركة اندثرت وماتت. ولماذا يصف الإسرائيليّين بـ«اليهود»، طالما هي دولة يهوديّة وسكّانها المُحتلّون من اليهود. ألا تساهم الصفة اليهوديّة في ردع نقد دولة العدوّ وردع المحتلّين؟
هناك ثقافة لـ١٧ أيّار، وأمين معلوف وجريدة «النهار» كانت الناطقة الرسميّة باسم هذه الثقافة. إن ردة فعل وليد جنبلاط الحادة ضد حركة المقاطعة مفهومة لأنه ينتمي إلى تلك الثقافة: نسي البعض ان جنبلاط كان قد أيّد المفاوضات مع العدوّ الإسرائيلي في بداية عهد أمين الجميّل لا بل عبّر عن مفهومه الفريد للسيادة آنذاك قائلاً: «أننا كوطنيّين لبنانيّين مستعدون لقبول مطالب إسرائيل في شكل ما، بمعنى تأمين الحدود الشماليّة» («النهار»، ٤ تشرين الأوّل، ١٩٨٣). حدث ذلك عندما كان فادي أفرام، قائد القوّات اللبنانيّة، يدعو إلى «محاكاة حضاريّة» بين لبنان وإسرائيل («العمل»، ٢٩ تشرين الأوّل، ١٩٨٢). كان ذلك في زمن قرّر فيه شارل مالك ان حكم التاريخ على لبنان سينحصر بموقفه الإيجابي من إسرائيل. لم تنتهِ مفاعيل اتفاقية ١٧ أيّار بعد.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)