التبعية في لبنان منظومة متكاملة. هي تحولت إلى أحد الأركان والثوابت الأساسية، بل الأهم، في الحياة السياسية اللبنانية. جذرها الأساسي يعود، بشكل انعطافي، إلى مرحلة طلب الحمايات الخارجية من قبل الأقليات التي كابدت اضطهاد السلطنة العثمانية التي احتلت بلادنا لحوالى أربعة قرون. تبلور وتكرس هذا الأمر، خصوصاً، في مراحل ضعف الدولة العثمانية حيث اشتد بطشها واضطهادها للأقليات الدينية والعرقية، بمقدار ما استشعرت خطر لجوء هذه المجموعات إلى طلب الدعم والحماية الخارجين، أو بسبب تذرُّع الدول الخارجية، الأوروبية أساساً، بنصرة الأقليات تلك، من أجل الاستيلاء على مستعمرات «الرجل المريض» العثماني الذي وضعت نتائج الحرب العالمية الأولى نهاية حاسمة لمكتسباته الإمبراطورية والكولونيالية في كل المناطق التي كان يسيطر عليها. منها، طبعاً، منطقة الشرق الأوسط، التي انتقلت، بشكل كامل، من الاحتلال التركي إلى الاحتلالين البريطاني والفرنسي.

محاولة الإفلات من الاضطهاد والظلم، وبالتالي، طلب الحماية والسعي من أجل الحصول عليها بثمن يكبر أو يصغر (حركات التحرير احتاجت دائماً للدعم المادي أو المعنوي)، ليست أمراً غير طبيعي. لكنها تصبح كذلك حين تزول أسباب الخطر الخارجي، وبالتالي الحاجة إلى طلب دعم خارجي مماثل، ما يحوِّل هذا الدعم إلى أساس لقيام علاقة غير سوية، هي، بالضرورة، غير متكافئة وفئوية أي علاقة تابع ومتبوع. مثل هذه العلاقة تقوم على الاستقواء بالخارج، ليس لمواجهة خطر خارجي لا يمكن رده أو ردعه بالوسائل المحلية (ومنها أساساً الوحدة الوطنية)، بل لمواجهة خطر داخلي. طبعاً، لا يجوز، مبدئياً، إقحام الخارج في الصراع الداخلي، لما يترتَّب ذلك من مخاطر على وحدة الشعب والبلاد، وبالتالي، على السيادة الوطنية والاستقرار وسلامة العلاقات الداخلية والعلاقات مع الخارج على حد سواء.
الواقع هو أن ما كان حاجة أملتها أسباب خارجية قاهرة، قد أصبح ترفاً تمليه مصالح داخلية خاصة وفئوية. وما كان سعياً لدفع خطر خارجي بدعم خارجي موازٍ، قد أصبح استقواءً بالخارج على الداخل: ما كان استثناءً قد تحوَّل إلى قاعدة. حصل ذلك بدور مزدوج: أولاً، للقوى المحلية التي «استمرأت» الحصول على دعم خارجي، فحوَّلته إلى أداة في صراع داخلي على السلطة والنفوذ. ثانياً، للقوى الخارجية التي وجدت في تدخلها أداة لتنفيذ مصالحها كثمن لما تقدمه من دعم ومساعدة. وحيث أن القوى الخارجية المعنية (الأوروبية) قد تحولت إلى دول منتدبة، فقد اتخذت ما يلزم من الإجراءات التي كان من شأنها جعل تدخلها حاجة دائمة يمليها انقسامٌ نظَّمته وفق معادلة «فرِّق تسد» التي ابتدعها المستعمرون البريطانيون ونسج على منوالها أمثالهم ممن تعاقبوا على احتلال منطقتنا وبلدنا. وبطبيعة الحال، فإن الانقسام يولِّد صراعات داخلية متواصلة. يصبح من «الطبيعي» أن يتسابق أطراف الصراع على كسب دعم جهات خارجية، وبالتالي تلبية ما تمليه من الشروط. كل ذلك سيكون، بالضرورة، على حساب المصلحة الوطنية، وعلى حساب كرامة الطرف المحلي. هذا هو أساس منظومة التبعية التي تحكم حياتنا السياسية وعلاقاتنا الداخلية والخارجية، بشكلٍ عام!
في امتداد تبلور ورسوخ منظومة التبعية كانت التوازنات والتوترات وعدم الاستقرار. وكان، طبعاً، تشوه مجمل علاقات اللبنانيين وتكريس ذلك في نظامهم السياسي الذي قام على المحاصصة الطائفية في مرحلة الامتيازات الفئوية السابقة ومرحلة «المساواة» (المناصفة) المعطِّلة الراهنة. كانت أيضاً الحروب الأهلية التي استمرت أقساها خمسة عشر عاماً. كانت، كذلك، حاجة لبنان إلى الوصاية والأوصياء في مراحل ولحظات الصراعات والاستعصاءات، وهي كثيرة ومتنوعة في الوصاية والأوصياء.
ثم أن التبعية تداعت من الكبار إلى بعض وكلائهم وحلفائهم الإقليميين. أتاح الأساس الطائفي (أو العرقي أو الجهوي...) للانقسام المفتعل (وللمحاصصة التي ولّدتها المساومات والتوازنات) الدفع به نحو مداه الأقصى عندما لجأت قوى خارجية وإقليمية إلى التعبئة المذهبية على غرار ما يحصل منذ سنوات: ههنا تكاملت عوامل عديدة، سياسية ومادية وروحية، من أجل ممارسة التبعية بشكل مكشوف، ومن أجل المجاهرة بالعلاقة مع الخارج باعتبار ذلك أمراً مصيرياً ينبغي الذهاب فيه ومعه إلى الحد الأقصى! لذلك نلاحظ اليوم بأن الجميع في لبنان، مثلاً، يعتبر أن انتخاب رئيس الجمهورية، هو أمر يقرره الخارج بشكل حصري! يجري الحديث عن ذلك بوصفه تقليداً اعتاده اللبنانيون وليس لهم أو عليهم التغيير فيه حتى يقضي أصحاب القرار الخارجيون أمراً كان مفهولاً! لا تؤخذ على محمل الجد تصريحات البعض بأنه هو صاحب القرار في أي شأن داخلي أساسي أو مصيري. هو تطابق قد يحصل، أحياناً، بين موقفي التابع والمتبوع. عبَّر عن ذلك رئيس تيار «المستقبل» ورئيس الحكومة السابق سعد الحريري حين اضطر أن يبرر كل مواقفه برغبات مرجعيته العربية (السعودية) التي دافع عنها، مع ذلك، لأن مبدأ التبعية يبرر كل المواقف وتهون إزاءه كل الخسائر!
ويزيد من سوء الوضع أن القوى المقررة دولياً وإقليمياً، تحاول، بالاتفاق وبالصراع، نقل التجربة اللبنانية إلى كل المحيط العربي والشرق أوسطي (هذا أحد الأسباب لعدم السماح بتفجير صيغة المحاصصة الطائفية والمذهبية «النموذجية» اللبنانية). النتائج، طبعاً، «باهرة» في العراق مثلاً، وفي اليمن، وفي سوريا وفي ليبيا والبحرين و... وبقليل من «الأريحية» السياسية يجوز الربط ما بين حالة التنافر الطائفي والمذهبي، وما بين حالات التطرف والتكفير التي تجتاج المنطقة والعالم حالياً: بأبشع أنواع القتل والإجرام. لذلك لا بد أن يمر التصدي الدولي لظاهرة التطرف، باعتراف دول كبرى وإقليمية عن نشوئها ورعايتها وتمددها؛ من خلال سياسات ومواقف مباشرة، أو من خلال دعم الديكتاتوريات والعصابات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني...
على طريقة الشاعر أبو نواس يتعامل فرقاء الصراع في لبنان مع تبعيتهم للخارج: «ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر»! بكَّر قدماء المستفيدين من الدعم الخارجي في تحويل التبعية إلى نظرية «وطنية»: «لبنان إذا استقلَّ اهتزَّ» (النائب الراحل إدوار حنين). ارتضى التبعية أيضاً دعاة التغيير حين تحوَّلوا، باسم «الأممية» أو «القومية»، إلى مجرد فروع لأحزاب خارجية...لا استقلالية لها ولا برامج أو مواقف خاصة.
العجز اللبناني الراهن هو ثمرة مسمومة من ثمار التبعية المتفاقمة، اليوم، إلى حدِّها الأقصى. الفساد والفئوية والانقسام والاقتتال... كل ذلك هو نتيجة «طبيعية» من نتائجها. أما الفوضى التي ترتدي رداء «الحرية» في لبنان (قياساً على ما يحصل في البلدان التي تحكمها أنظمة قهر واستبداد)، فقد أغرقت لبنان واللبنانيين في انعدام المسؤولية والعبث والفئوية والعجز عن بناء وطن موحَّد وحصين وقادر على الحياة والنمو والاستقرار.
يجب ألا ننسى أنه، بالنسبة للبنان، تحديداً، فالانقسام والتبعية يهددان، حالياً، تضحيات رائدة ورائعة بذلها مقاومون لبنانيون من أجل طرد العدو الصهيوني ومنعه من تحقيق أهدافه الخبيثة في لبنان والمنطقة. أما بالنسبة للعرب فهم في أسوأ حال، وفي جلجلة خسائر وتدمير ذاتي لا نهاية لهما. أما المعروض عليهم، في نهاية النفق القاتل المظلم الراهن ف... فالنموذج اللبناني على وجه التحديد!

* كاتب وسياسي لبناني