إن شئت أن تدافع عن الامبريالية الغربية اليوم، فجلّ ما عليك فعله هو أن تتحدّث عن "الامبريالية الروسية" و"الامبريالية الصينية"، وأن تشرح أن الامبريالية هي أمرٌ نسبوي، شائع؛ وأنّ من يلهج بمعارضة "الامبريالية الأميركية" هو، بالضرورة، خادمٌ لامبريالية أخرى صاعدة. لهذا السّبب تزخر مطبوعات اليمين العربي هذه الأيام بالكتابات عن "الامبريالية"، ووجهها "الشرقي"، وزيف أعدائها ونفاقهم (المشكلة هنا: اين هي هذه الأدبيات "المعادية للامبريالية" التي يتكلّمون ضدّها؟ هم، فعلياً، أكثر من يذكر "الامبريالية" ويستخدمها، كعادة الإعلام المهيمن بخلق عدوٍ من قشّ، غير موجودٍ في عالم الواقع، يجادله ويهزمه).

قد يعود الأمر الى دينامية لاحظها رائد شرف في الإعلام العربي المهيمن تتلخّص في أنّه، ما أن يخرج أحدهم بحجّة ــــ وهي حالة نادرة ولا تحصل كلّ يوم ــــ ينسخها عنه الجميع، وتنتشر في الإعلام القطري والسعودي، هي هي، بصياغاتٍ مختلفة، حتّى ولو كانت حجّة ضعيفة، أو كليشيه أو تفصيلاً ("دبابة بوتين" مثالاً: ألا يشعر مثقفو اليمين العربي بأنهم لا يكتبون، بل "يؤدون"، حين يصطفّون واحداً واحداً، ليكرروا القصة نفسها، والنكتة ذاتها، والخلاصة الموحّدة. ألا توجد وسائل أكثر ابداعاً وإرضاءً للذات لكسب العيش؟)، وعمليّة "التكرار" هذه هي أكثر السبل بدائية، وأقلّها فعالية، في ممارسة الهيمنة.
بالتوازي مع هذه السردية، بغض النظر عن مقدار واقعيتها وصحّتها (أشدّ المعادين لروسيا في الغرب، وأكثر المتخوّفين من صعود الصّين، لا يجرؤون على الكلام عن "امبريالية روسية"، فهذا "اكتشاف" عربي محض)، تخرج مقولة أنّ الرأسمالية والليبرالية لم تعودا متلازمتين، وأن صعود نماذج اقتصادية ناجحة، ليست غربية وليست ديمقراطية، قد تعطينا رأسمالية أسوأ في المستقبل، تحوي كلّ عناصر السوق وسلبياته، ولكنّها لا تدين بالديمقراطية أو بالإرث الليبرالي الأوروبي ــــ والحقوق والحريات التي يضمنها. هذه الحجّة، التي بدأ بترويجها ليبراليون عرب ويساريون سابقون، صعدت في اوروبا في صفوف اليمين الذي يدعو للدفاع عن "الحضارة الأوروبية" و"تراثها الديمقراطي"، وهي تستنسخ ــــ حرفياً ــــ تحذيرات المؤسسة الغربية، خلال الحرب الباردة، من صعود نموذج اقتصادي ناجح وبديل في الاتحاد السوفياتي، وتأثير ذلك على "الحرية".
توجد هنا مشكلتان، تتعلّق أولاهما بمفهوم "الحضارة الأوروبية" أو "الإرث الليبرالي"، وهل نحن هنا نتحدّث عن تاريخٍ فعلي أم نصدّق اسطورة الغرب عن نفسه؟ يحذّر جوزف مسعد من هذا الفخّ في كتابه الأخير عن "الاسلام في الليبرالية" (وهو ليس كتاباً عن الاستشراق والمخيال الغربي عن الشرق بل، على العكس، عن تأثير "الاسلام" ــــ كما تخيّله الغرب ــــ ودوره في نشوء وتكوّن الليبرالية الغربية). المسألة ليست فقط في أنّ ثقافة الحقوق السياسية في الغرب (واختلاق رابط تاريخي بين اثينا والدول الأوروبية المعاصرة، وتقديم المسيحية البروتستنتية كـ"دين ديمقراطي"، الخ) لها تاريخٌ حديثٌ نسبياً، يبدأ في أواخر القرن الثامن عشر. تخيّلوا، يكتب مسعد، أنّ دولة كأميركا تقدّم نفسها كمثال لبلدٍ نشأ على مبادىء ديمقراطية، أو كديمقراطية ظلّت في طور "التفتّح" حتّى وصلت الى حالتها "المكتملة"، هي فعلياً أمة عمرها قرنان، قضت القرن الأول منهما في ظلّ نظام عبودية رسمي، والثاني تحت نظام فصلٍ عنصري، ولم تعط المرأة فيه حقّ التصويت ــــ القرينة الأساس للمواطنة ــــ حتى عام 1920. هذا يشبه، يقول مسعد، أن نعتبر أن دولة الابارتهايد في جنوب افريقيا كانت، طوال سنوات القهر والعنصرية، عبارة عن "ديمقراطية في طور التشكّل".
فكرة "الدولة الديمقراطية" ليست نظاماً وحيداً للحقوق والمواطنة، بل ظلت في تنافسٍ مع نموذج "الديمقراطية الشعبية" طوال فترة الحرب الباردة؛ و"الحقوق الليبرالية" لم تصبح مفهوماً عالمياً مهيمناً، تفرضها مواثيق دولية وتعدَّل القوانين المحلية للتوافق معها، حتى سقوط الاتحاد السوفياتي وانتصار النموذج النيوليبرالي بالكامل. يلفت جوزف مسعد هنا الى أنّ "الديمقراطية الشعبية" السوفياتية، بعد أن اتمت هيمنتها الداخلية بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن في حاجة الى منسوبٍ عالٍ من العنف أو القمع لضبط مواطنيها (في الستينيات والسبعينيات، عزّ "القمع البريجينيفي" يقول مسعد، لم يزد عدد السجناء السياسيين عن 400 من اصل 267 مليون مواطن سوفياتي)، فيما كانت الولايات المتّحدة، بالمقارنة، تعدّ لموجات متلاحقة من القمع وكشف النشاطات "غير الأميركية"، من لجنة مكارثي بعد الحرب العالمية وصولاً الى السياسات القانونية التي تعتقل وتسجن، اليوم، ملايين السود والأقليات.
ما يقدّمه ناشطو الليبرالية، في المنظّمات الدولية وغير الحكومية وغيرها، على أنّها "حقوق" هي، بالنسبة الى مسعد، "ثقافة" غربية، ذات سياقٍ مخصوص (وهي تحديداً ثقافة الطبقة الوسطى في الغرب)، وقد تمّ نشرها منذ التسعينيات على المستوى الدولي بعد تحويلها الى منظومة "حقوق". الحريات الفردية، الحقوق السياسية، الحقوق الجنسية، وقضية المرأة صارت "رزمة"، يحملها ناشط المنظمات غير الحكومية، وتؤكد عليها تشريعات الأمم المتحدة، وتعتمدها تقارير "التنمية العربية" معياراً. صعد قطاع المنظمات غير الحكومية في العالم الاسلامي، بالتوازي، ودور الموظفين فيه، يقول مسعد، هو ترجمة مزدوجة: يترجمون الثقافة الليبرالية الغربية الى "اللهجة المحلية"، ويتصرّفون مع الغرب الليبرالي كـ"ناطقين" باسم مجتمعاتهم، يوصّفونها ويقيّمونها وينقدونها (حتى الترجمة بالمعنى الحرفي، كمهنة وصناعة، ازدهرت في هذه الفترة، بحسب سبيفاك، اذ تحتاج هذه الشبكة العالمية من المنظمات الى ترجمة مستمرّة للنصوص والمعلومات والمعطيات).
قد يصرّ المدافعون عن منظومة الحقوق الليبرالية الفردية، يقول مسعد، على أنهم معادون للنيبوليبرالية الاقتصادية، بل قد يقدّمون أنفسهم (كما في حالة بعض مؤسسات الأمم المتحدة) كاحتجاجٍ على شطحات الرأسمالية ومحاولةٍ للتخفيف من وطأتها؛ الّا أنّ أهمّ ما يميّز هذه المنظومة ــــ بغض النظر عن رأينا في مسألة النظام السياسي أو قضية المرأة ــــ هو أنّها تظلّ خارج الحلبة الاقتصادية بالكامل، ولا تتحدى النيوليبرالية ولا تزاحمها في المجال الوحيد الذي يهمّها. حتّى إن نقدتها، فهي تنقدها من خارجها، ومن دون مطالب يمكن أن تخلخل نظام السوق ــــ ناهيك عن طرح رؤية بديلة له.
الفكرة هي أنّه، بدلاً من التنظير لـ"الامبرياليات المتعددة" واعتماد "الحقوق" ــــ بحسب تعريف المنظمات الدولية ــــ كسقفٍ وحيدٍ للنضال والتغيير، من الأجدى نقد منظومة الهيمنة القائمة (هل تستطيع روسيا، فعلاً، أن تجتاح سوريا ــــ أو حتى لاتفيا؟ وهل تقدر الصين على فرض قوانين داخلية على الغير، وصولاً الى تغيير نظام العائلة والدين؟). من أخطر السقطات التي يقع فيها المثقف "الغرباوي" في دول الجنوب ــــ التعبير لهادي العلوي ــــ هي حين يتوهّم أنّه يهاجم النيوليبرالية والهيمنة فيما فكره ومفاهيمه "المضادة" هي، في الحقيقة، من نتاجها؛ وحين يعتقد الناشط أنّه يُمارس الإصلاح والتنوير والنّقد فيما هو، في الواقع، "مترجم".