بعد ثلاثة أشهر من سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي، قام الحاكم بول بريمر، يوم 12 تموز 2003، بتشكيل «مجلس الحكم». تم إسقاط حرف الواو من صفة أمين عام الحزب الشيوعي العراقي حميد مجيد البياتي، لكي يدخل ذلك المجلس بصفة «شيعي» وليس «شيوعي». كان التوزيع في ذلك المجلس من خلال صفات: شيعي ـ سني ـ كردي ـ تركماني ـ مسيحي، وليس من خلال الصفات السياسية لأعضائه الذين أتى معظمهم من أحزاب سياسية. في يوم 13 شباط 2004، تم نشر «مشروع الشرق الأوسط الكبير»، المتبنى من الإدارة الأميركية، وفي قمة «مجموعة الدول الثمان الاقتصادية الكبرى» يومي 9 ـ 10 حزيران 2004، تم تبني المشروع الذي يحوي عنوانين رئيسيين: اقتصاد السوق والديموقراطية، مع هدف أعلن ـ خارج النص ـ من مسؤولين غربيين أميركيين وأوروبيين، وهو ربط المنطقة الممتدة بين كابول والدار البيضاء وحلب وعدن، بمنظومة «الناتو» الأمنية ـ السياسية ـ الاقتصادية ـ الثقافية.

لم يكن ما فعله بريمر في بغداد، خارج نص المشروع الأميركي، بل في مضمراته. وربما ـ وهذا المرجح ـ هو معناه العميق. فما جرى من قبل الأميركي في بغداد ما بعد 9 نيسان 2003، كان مسيرةً نحو تحويل بلاد الرافدين إلى منطقة يتحدد فيها الإنسان العراقي بـ«مكوِنه» الطائفي (شيعي ـ سني)، أو الإثني (كردي ـ تركماني ـ مع تنازع تجاه الإيزيديين بين كونهم يتحددون بدينهم أم بكونهم أكراداً؟)، أو الديني (مسيحي ـ مسلم)، وليس من خلال انتمائه الأيديولوجي السياسي، مثلما هو موجود في لندن وباريس وبرلين وواشنطن، أو كما في بلد مثل الهند، يعج بالأديان والإثنيات، حيث يتحدد الهندي من خلال انتمائه الأيديولوجي السياسي حتى وهو ينتمي إلى أحزاب دينية؛ هندوسية وسيخية (المسلمون: 10%، يصوتون لحزب علماني كحزب المؤتمر أو الحزب الشيوعي ولم يتجهوا إلى أحزاب اسلامية)، أو إثنية كالأحزاب التاميلية في مناطق الجنوب في ولاية (تاميل نادو).

11 أيلول ليس
حدثاً يمكن فصله عن الوضع في منطقة
الشرق الأوسط

في السياق نفسه، كان اتجاه من قام بتأييد المشروع الأميركي على صعيد بلدان عربية عدة: تحالف «14 آذار» عام 2005، في لبنان، في سياق منطقي، لما فعله بريمر في العراق، وهو تعميم لدولة المكوِنات التي بدأت في لبنان عام 1943، ثم في لبنان «الطائف» عام 1989. ثم «إعلان دمشق» في 16 تشرين الأول 2005، الذي بدأ في نصه التأسيسي، في سياق يخالف مسيرة الحياة السياسية السورية الحديثة منذ عام 1918، بتدشين مفهوم «المكونات» في النظر إلى السوريين، عندما تحدث عن «مكوِنات الشعب السوري». وكان طبيعياً أن تنخرط في سياق «إعلان دمشق» كل الأحزاب الكردية التي تنظر إلى سوريا من خلال «مكوناتها»، فيما ظل خارجه (الإعلان) «حزب الاتحاد الديموقراطي» (PYD)، المؤسس عام 2003، وهو المتأثر بنظرية عبدالله أوجلان حول «الأمة الديمقراطية.../التي/ تمكّن من إنشاء مجموعات وطنية عليا مؤطّرة باتحادات متنوعة من مختلف الأمم التي تقطن نفس الأماكن بل ونفس المدن أيضاً... دون هدم أو تقويض الدول القومية القائمة» (من نص لأوجلان، مكتوب بعد سجنه منذ يوم 15 شباط 1999 ـ «حل العصرانية الديمقراطية في أزمة الشرق الأوسط» ـ WWW.DEM-SOCIETY.COM). نظرية أوجلان كانت تركيبية للدول القائمة، مع اتجاه إلى جعلها «ما فوق قومية» وصولاً إلى «توحيد العالم الثقافي للشرق الأوسط تحت ظل مصطلح (اتحاد الأمم الديمقراطية في الشرق الأوسط)»، وأن يكون حل المسألة الكردية عبر «الكونفدرالية الديمقراطية الكردستانية» التي «لا تمس الحدود السياسية القائمة»، فيما نظرية «ديموقراطية المكوِنات» ذات طابع تجزيئي للدول القائمة، مع إنزالها إلى مجموع تجميعي لـ«مكوِّناتها»، مع النظر إلى المواطن من خلال «المكوِّن» وليس من خلال انتمائه الأيديولوجي ـ السياسي.
كان ملفتاً أن يحصل هذا من واشنطن في مرحلة ما بعد 11 أيلول/ سبتمبر2001، عقب ما جرى لبرجي التجارة في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن. يروي بوب وودوورد، في كتابه «حالة الإنكار» (منشورات سيمون وشوستر ـ 2006 لندن ـ نسخة كتاب جيب عام 2007 ـ ص 83ـ85)، أن الإدارة الأميركية تحت إشراف نائب وزير الدفاع الأميركي، بول فولفوفيتز، جمعت بعد شهرين ونصف الشهر من أحداث 11 أيلول/ سبتمبر، طاقماً مؤلفاً من 12 شخصاً، كان من بينهم المستشرق، برنارد لويس، والأكاديمي، فؤاد عجمي، وكاتب العمود الأسبوعي في «نيوزويك» من أصل هندي، فؤاد زكريا، ومستشار وزير الدفاع، ستيف هيربيتز. قدمت تلك المجموعة تقريرها يوم 2 كانون الأول 2001، تحت عنوان «دلتا الإرهاب». استخدم مصطلح «دلتا» بمعنى «فم النهر» الذي يبدأ منه جريان النهر. كانت الخلاصة المركزة للتقرير (أو المذكرة) بأن 11 أيلول ليس حدثاً يمكن فصله عن الوضع في منطقة الشرق الأوسط، التي شُخّصت حالتها في المذكرة بأنها تحوي «malignancy» التي تحمل معنيين: الطبيعة الشريرة والمرض الخبيث. كان للمذكرة «وقع قوي» عند الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، وكان نائبه ديك تشيني «مسروراً بالمذكرة»، كما اعتبرتها مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس «مقنعة جداً». يبدو أن «ديموقراطية المكوِنات» كانت هي الوصفة التي بُنيت على ذلك التشخيص، وقام «الصيدلي» بريمر، بتطبيقها وبيعها في بغداد، التي كانت بوابة من أجل «إعادة صياغة منطقة الشرق الأوسط»، وفق التعبير الذي أطلقه وزير الخارجية الأميركي كولن باول، قبل أربعين يوماً من بدء غزو العراق: «النجاح في العراق قد يعيد ترتيب هذه المنطقة جذرياً بطريقة إيجابية تخدم أكثر المصالح الأميركية» (جريدة «السفير» ـ 7 شباط 2003). الآن في عام 2016، ومن خلال مشروع الدستور الذي يعمل عليه «معهد كارتر» برضا أميركي ـ روسي، يبدو أن مشروع «ديموقراطية المكوِنات» يطلّ برأسه كوصفة ترافق التسوية السورية المرتقبة في «جنيف3»، وهناك إضمارات واضحة في وثيقة المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، المسرّبة في نيسان 2016 تحت عنوان: «مسودة الإطار التنفيذي لبيان جنيف 3»، تدل على أن دي ميستورا ـ بالنسبة لسوريا ـ يتقمّص ما فعله بريمر في العراق، أو ينوي «تبليع» السوريين ذلك، بغطاء من واشنطن وموسكو. في عام 2013، طرحت قطر مشروع «طائف سوري»، لم تقبله سوى بعض القوى السياسية الكردية المنخرطة في «الائتلاف»، فيما رفضته السلطة السورية و«الائتلاف» و«هيئة التنسيق». يبدو الآن في عام 2016 أن رفض مشروع «الطائف السوري» ما زال مستمراً، وإن كان تلاميذ أوجلان في «الاتحاد الديموقراطي»، قد انحرفوا عن خط معلمهم باتجاه «ديموقراطية المكوِنات»، عندما تحدثوا في وثيقة إعلان «الفيدرالية» يوم 17 آذار 2016، عن «سوريا المستقبلية لكل السوريين، وهذا ما يحققه نظام فيدرالي ديموقراطي على أساس جميع المكونات المجتمعية».
في الخمسينيات تولى فارس الخوري، وهو من الطائفة البروتستانتية، وهي أقلية صغرى ضمن الأقلية المسيحية في سوريا، منصب رئيس الوزراء، يومها لم يحتجّ أحد من السوريين وكانت الانقسامات والاستقطابات تجاه وزارته تتعلق فقط بموضوع الموقف من «حلف بغداد». في عام 1977 ترشحت حفيدته كوليت خوري لعضوية مجلس الشعب عن مدينة دمشق، وأخذت بسبب تراث جدها السياسي، أكثر الأصوات من حي الميدان وليس من القصاع أو باب توما.
* كاتب سوري