بعد اختطافه بطريق الخطأ في مقدونيا واحتجازه في سجن سرّي تابع لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) في أفغانستان، قال خالد المصري للمحققين إنّ عملية احتجازه شبيهة بواحدة من «روايات كافكا». وذكرت برقية وُجِّهت الى المقر العام لوكالة الاستخبارات المركزية ان المصري قال بأنه «لم يتمكن من إثبات براءته لأنه لم يكن على علم بالتهم الموجهة إليه».

تم نقل العديد من الأخبار حول هذه القضية المأساوية التي نجمت عن التباس في الهوية من قِبَل وكالة الاستخبارات الاميركية. ولكن ظهرت خلال الأسبوع الماضي تفاصيل إضافية عن قضية المصري حين أفرجت وكالة الاستخبارات المركزية عن دفعة جديدة من الوثائق استجابة لدعوى قضائية رفعها الاتحاد الاميركي للحريات المدنية (ACLU) مستنداً على قانون حرية المعلومات. ومن بين العديد من التفاصيل المُربِكة لبرنامج التعذيب والتسليم الاستثنائي الذي اتبعته وكالة الاستخبارات المركزية في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر كانت تلك المتعلقة بتحقيقات قام بها المفتش العام بوكالة الاستخبارات الأميركية والتي كشفت عن عملية تسليم المصري وتعريضه للتعذيب. والمصري مواطن ألماني بريء اختفى أثره، وتم احتجازه، وتعرض للمعاملة السيئة من قِبَل وكالة الاستخبارات المركزية لمدة أربعة شهور في بداية عام 2014. (يقوم حالياً الاتحاد الأميركي للحريات المدنية بتمثيل المصري في دعوى قضائية مرفوعة ضد الولايات المتحدة امام لجنة الأميركيتين لحقوق الانسان).

لم تُبلِّغ وكالة الاستخبارات
الكونغرس بعملية التسليم
الخطأ التي وقعت

وأظهرت التحقيقات بشكل واضح أن برنامج التسليم والاحتجاز غير القانوني الذي مورِس على المصري كان مفعماً بالإهمال، والمعاملة السيئة، وعدم الكفاءة من قِبَل كبار العاملين في وكالة الاستخبارات المركزية، وتكشف أيضاً أنه حتى بعد ان خلصت وكالة الاستخبارات المركزية «بعد وقت وجيز الى أنه ليس إرهابياً»، برَّر ضابطان، كانا قد شاركا في عملية تسليمه، الاستمرار في احتجازه «على الرغم من ضعف المنطق، وذلك بإصرارهما على علمهما بأنه سيئ».
وتؤكد الوثيقة أيضاً ان المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية جورج تينيت «تم إعلامه بعملية التسليم... التي جرت في عام 2004، وذلك بعد وقت قصير من اتمامها، فضلاً عن إعلامه مرة أخرى بها في اواخر ابريل/ نيسان 2004». ومع ذلك لم يتم إطلاق سراح المصري، ولم يُسمح له بالعودة الى اسرته في المانيا لغاية شهر مايو/ أيار من العام نفسه، وذلك بعد ان أصدرت مستشارة الامن القومي السابقة كوندوليسا رايس أمراً بذلك. ولم تُبلِّغ وكالة الاستخبارات المركزية الكونغرس بعملية التسليم الخطأ التي وقعت إلّا بعد ان تمَّت اعادته إلى بلده، وبعد أن علمت بأنه وكَّل محامياً.
ويؤكد التقرير على قساوة التعذيب النفسي الذي تعرض له المصري وعلى تجاهل وكالة الاستخبارات المركزية الصارخ لصحته البدنية والنفسية أثناء فترة احتجازه. واحتجاجاً على تسليمه غير المشروع، دخل المصري في اضراب عن الطعام خسر خلاله 50 رطلاً من وزنه. ووصف أخصائي نفسي يعمل في وكالة الاستخبارات الاميركية أنه كان «منهمراً بالبكاء وعاجزاً عن الكلام»، وكان يعاني من «مشاعر العجز واليأس... ومتمنياً الموت». وأكد اخصائي نفسي آخر على شعوره القوي «بالكآبة، والوحدة، واليأس، والغضب».
وبرأي الاخصائيين النفسيين، فإن السبب الذي أدى الى تدهور حالته النفسية كان «عدم علمه بمجريات قضيته وعدم يقينه بطول مدة احتجازه، ومما زاد وضعه تعقيداً كان انعدام التفاعل مع موظفي الوكالة». ووصّى الاخصائيون النفسيون بالإفراج عنه وذلك ليس بسبب براءته أو حالته النفسية، بل لتجنب «متاعب محتملة في المدى البعيد مع المقر الرئيسي».
وأكَّد تقرير المفتش العام لوكالة الاستخبارات المركزية ان الاحتجاز التعسفي طويل المدى الذي تعرض له المصري كان وحشياً ولا إنسانياً، حيث شملت المعاملة المهينة وضعه في الحبس الانفرادي داخل «زنزانة صغيرة تحتوي فقط على دلو لقضاء حاجته فيه». وخلص التقرير الى:
«انه لم تكن هنالك أسس كافية لتسليم واحتجاز المصري، ولم يكن هنالك مبرر للفترة الزمنية الطويلة التي احتُجِز فيها المصري من قِبَل الوكالة. لقد كان تسليمه واحتجازه لفترة طويلة من الزمن نتيجة لسلسلة من التدهورات التي لحقت بالمهارات التجسُّسية، وبِسيْر العمليات، وبأداء الإدارة، وبالإشراف. ولم يتخذ المركز القومي لمكافحة الإرهاب الخطوات المسؤولة للتحقق من هوية المصري؛ وبالغت محطة ALEC بطبيعة البيانات التي كانت بحوزتها حول ارتباط المصري بالإرهاب. وبعد اتخاذ قرار بإعادة المصري الى بلده، تميزت عملية نقله بالتأخير وبالاقتتال البيروقراطي الداخلي».
وعلى الرغم من صدور قرار بالإفراج عنه، بقي المصري قابعاً في سجن وكالة الاستخبارات المركزية لما يزيد عن الشهرين نتيجةً «للاقتتال البيروقراطي الداخلي» و«للخلافات البيروقراطية». وفي وقت من الأوقات، نظرت وكالة الاستخبارات المركزية في إمكانية نقل المصري الى عهدة الجيش الأميركي، ولكن في نهاية المطاف تم استبعاد هذا الخيار نظراً لأنه «كان يمكن لخطوة من هذا النوع ان تعقِّد الأمور»؛ «حيث كان بإمكان الجيش الأميركي تسجيل المصري واخطار الصليب الأحمر بعملية احتجازه»، دون أن تكون هنالك أسباب تجعله مشتبه بدور ما داخل تنظيم القاعدة، «لا يمكن ان يكون للولايات المتحدة أي مبرر لاحتجازه» و«بإمكانه ان يصبح رجلاً حراً في غضون ساعات».
على الرغم من اعترافها بالخطأ الفظيع الذي ارتكبته، ضغطت إدارة بوش على المحكمة العليا لكي ترفض الاستماع الى دعوى رفعها المصري ضد تينيت ووكَّل فيها الاتحاد الأميركي للحريات المدنية. واذعنت المحكمة حيث قررت عدم النظر في الدعوى – التي كانت قد اسقطتها المحاكم الابتدائية متعذرة بحماية «اسرار الدولة» - وتم في الشهر نفسه تقديم تقرير المفتش العام للإدارة.
باستثناء «توبيخ شفهي» تم توجيهه إلى ثلاثة محامين من وكالة الاستخبارات المركزية، لم تتم مساءلة أحد عن المحنة التي مرَّ بها المصري. وأحال المفتش العام في وكالة الاستخبارات المركزية قضية المصري الى وزارة العدل لمقاضاته – ولكن في مايو/ ايار 2007، رفض مكتب المدعي العام الأميركي للقطاع الشرقي من ولاية فرجينيا المضي قدماً في القضية.
ويؤكد هذا التقرير ما قاله الاتحاد الأميركي للحريات المدنية لسنوات طويلة: في ذروة ما يسمى بـ«الحرب على الإرهاب»، ارتكبت وكالة الاستخبارات المركزية أخطاء فادحة وانتهاكات شنيعة للقانون المحلي والدولي، غير انه لم تتم محاسبة أي من المسؤولين عن هذه الأفعال. وعلى الرغم من جهود وكالة الاستخبارات للحفاظ على هذه القصة وغيرها الكثير سراً – قالت هذه الوكالة للمصري إن الشرط لإطلاق سراحه كان «عدم الكشف عن تجربته لوسائل الإعلام أو للسلطات المحلية» – فإن الحقيقة بدأت تظهر بشكل منتظم.
وعلى الرغم من ذلك لا يزال المصري، وغيره من ضحايا تعذيب وكالة الاستخبارات المركزية، في انتظار الحصول على استحقاقاتهم – أي إجراء تحقيق جنائي كامل مع المسؤولين الذين أشرفوا على ونفذوا هذا البرنامج، والإقرار بالمعاناة التي مرّوا بها والاعتذار لهم رسمياً، فضلاً عن التعويض لهم من اجل مساعدتهم على إعادة بناء حياتهم. هذا أقل ما يمكن للرئيس أوباما القيام به قبل مغادرة منصبه الرئاسي.
* مدير قسم حقوق الانسان في الاتحاد الأميركي للحريات المدنية (ACLU)