في الوقت الذي يتزايد فيه ميل بعض شعوب أوروبا لليمين حيث فاز العديد من الأحزاب اليمينية المتطرفة، إلى حد ما، ليس فقط بمقاعد إضافية في مجالس النواب، بل أيضاً تمكنت من انتزاع أغلبية الأصوات لتشكيل حكومات، كما نرى ذلك في بولونيا والمجر وسلوفاكيا وفنلندا والسويد، وغيرها. كما أن ازدياد شعبية اليمين المتطرف في غربي أوروبا نفسها، كما رأينا حدوث ذلك في النمسا وألمانيا، قد أصبح «يقلق» الأنظمة هناك.

موضوعنا هنا ليس مشكلة صعود اليمين المتطرف بحد ذاته وإنما ارتباطه بحملات معادية للأجانب من ذو البشرة غير البيضاء على نحو عام، واللاجئين والمهاجرين على وجه الخصوص.
لا شك في أن ازدياد فقر فئات واسعة من شعوب أوروبا يساهم إلى حد كبير في تسعير الحملات على الآخر، غير الأوروبي. لكن ذلك التدهور في الأوضاع الاقتصادية، وبالتالي في مختلف مناحي الحياة الخاصة والعامة، سببه ليس موجات اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، وإنما ضغوط العولمة والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية. وقد أكد أخيراً رئيس أحد أهم مراكز البحوث الاجتماعية في ألمانيا أن السياسة الاقتصادية هناك لم تعد «اقتصاد السوق الاجتماعي»، وهو تعبير سياسي تضليلي أصلاً هدفه تجنب استخدام المفردة «الرأسمالية»، كما يطلق عليه في ألمانيا وغيرها، بل دخلت تلك الدول مرحلة «اقتصاد السوق - اللاجتماعي»، وسنعود إلى هذا في عرض آخر.

أعداد اللاجئين
الأوروبيين كانت تعد بعشرات الآلاف

الأجانب في ألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية، لا يشكلون ضغطاً على سوق العمل، بل إن كثيراً منهم، والأتراك على نحو خاص، وعددهم في ألمانيا أكثر من مليوني فرد، يدعمون الاقتصاد الألماني ويساهمون في سد عجز المجتمع عن حاجاته إلى العمالة في بعض فروع سوق العمل.
لقد تابعتُ التغطيات الصحافية المؤيدة لسياسة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بفتح أبواب البلاد للاجئين السوريين، مع تحفظي الشخصي على تعميم تلك الصفة، فلم أجد أي إشارة فيها إلى حقيقة تاريخية مثبتة، لم يمر عليها وقت طويل ما قد يسوغ تيهها في أنفاق النسيان. الحقيقة تقول: إن دولاً في «الشرق الأوسط» هي فلسطين ومصر وسورية وإيران تحديداً، استقبلت إبان الحرب العالمية الثانية، أيضاً مع تحفظنا على تلك الصفة، أعداداً هائلة من اللاجئين الأوروبيين الفارين من جحيم الحروب والاضطهاد في بلادهم وسنفصِّل في الأمر تالياً.
قبل ذلك، قد يقول قائل: إن تلك الدول لم تكن مستقلة، ولذلك فإن انتقال اللاجئين الأوروبيين إليها لم يكن بناءً على دعوة من حكوماتها وإنما بمبادرة من الدول المستعمِرة، أي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية. هذا صحيح، لكن كتب التاريخ لا تذكر بروز أي اعتراض شخصياً كان أو شعبياً، من أهل البلاد المستقبِلة للاجئين على تواجدهم. لم نر حملات من أي صنف ضد اللاجئين الأوروبيين القادمين من اليونان ويوغسلافيا وبولونيا وغيرها من شعوب أوروبا، ناهيك عن أي تصرفات مشينة بل وهمجية كالتي تحدث حالياً في بعض دول أوروبا الشرقية والغربية المستقبِلة للاجئين والمهاجرين، مثل إحراق المآوي وسط هتاف السكان المشجعة لتلك الجرائم الموصوفة، ولا قتل أجانب ولا ولا... ولم نقرأ في أي صحيفة أي مقالة تطالب بوقف توطين اللاجئين الأوروبيين الفارين من بلادهم لأسباب اقتصادية أكثر منها سياسية أو فكرية.
لننظر أيضاً في سياسة السويد تجاه اللاجئين، والتي تُعد مثالية، في ظن البعض. فعندما بدأ تدفق اللاجئين السوريين إليها، عملت الدولة على استئجار كافة الأمكنة الفارغة المتوافرة في البلاد، من قاعات وفنادق ومشافٍ سابقة وما إلى ذلك. كما عملت على استئجار أكواخ خشبية في مناطق شديدة البرودة ومنها الواقعة في المنتجع السياحي البحري في بلدة رو (Råå) بكلفة 42 دولاراً للفرد والليلة. لكن مع تحسن الطقس، رفض أصحاب تلك المرافق تمديد عقودهم مع وكالة إغاثة اللاجئين الحكومية لأن السائح السويدي يدفع نحو مئة دولار للفترة نفسها، ما اضطر اللاجئين للمغادرة بعدما تعودوا على الحياة في البلدة والتحق أبناؤهم بالمدراس وأقاموا علاقات شخصية. على اللاجئين الآن الانتقال إلى مناطق أخرى لا يزورها الاعتدال المناخي، وليست محط أنظار السكان. لنقارن لاحقاً هذا بمصير اللاجئين الأوروبيين في «الشرق الأوسط»، الذين وفدوا إليها قبل الحرب العالمية الثانية وفي أثنائها.
المراجع ذات العلاقة تقول: إن أعداد اللاجئين الأوروبيين إلى فلسطين وسورية ومصر كانت تعد بعشرات الآلاف، آخذين في الاعتبار أن عدد سكان تلك البلاد كان أقل من 10% من أعدادهم حالياً، وأن الضائقة الاقتصادية التي اجتاحتها وصلت في فلسطين وسورية إلى حد المجاعة.
اللاجئون الأوروبيون الفارون من بلادهم في شرقي أوروبا ودول البلقان، إلى «أرض الميعاد» العربية و«الشرقأوسطية» جاءوا إلى بلادنا عبر مختلف الطرق، عبروا أهوال البحر المتوسط وسلكوا الطرق الجبلية الوعرة، وتحملوا ذات المشاق التي يلاقيها اللاجئين إلى أوروبا في أيامنا هذه، وربما أكثر.
اللاجئون الأوروبيون إلى فلسطين أقيم لهم معسكر في النصيرات الواقعة في غربي فلسطين حيث تمتعوا باحتضان الفلسطينيين المقيمين في المنطقة الذين قدموا للأطفال ألعاباً وعرائس وما إلى ذلك، ما دفع بأحد القائمين على المعسكر للقول: إن الأوضاع هنا أفضل من رديفها في الولايات المتحدة.
أما في سورية فقد أقيمت لهم معسكرات إيواء في ريف حلب حيث توافرت لديهم فرصة الاحتكاك بالسكان والتنقل والاختلاط بحرية كاملة.
الفارون إلى مصر أقيمت معسكرات إيواء لهم في كل من ينابيع موسى والشط وطلمبات، ورغم أن بعضها كان يقع في مناطق نائية إلا أنه سنح لبعضهم الاستفادة من الموقع للاصطياف على ضفاف البحر الأحمر القريب منهم (انظر المصورات العائدة إلى إدارة الأمم المتحدة للغوث والتأهيل/ United Nations Relief and Rehabilitation Adminstration - UNRRA).
تمهيداً لاستقبال اللاجئين أقامت الحكومة البريطانية وكالة خاصة بهم أطلقت عليها اسم «إدارة الغوث واللاجئين في الشرق الأوسط» Middle East Relief and Refugee Adminstration - MERRA والتي وضعت عام 1944 تحت سلطة حلفاء الحرب الذين عرفوا باسم الأمم المتحدة؛ - ألا يذكرنا هذا بتأسيس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتأهل اللاجئين (UNRWA) للفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم وفق اتفاقيات سايكس-بيكو ومؤتمر الصلح في باريس!
أما إيران فقد استقبلت بين عامي 1939 و1941 نحو أربعمئة ألف لاجئ بولوني قدموا إليها بطريق بحر قزوين، وأحوالهم بائسة. الذين مروا بتجربة الانتقال إلى إيران إبان فترة فرارهم من بلادهم تحدثوا عن استقبال الإيرانيين لهم بالقول: الشعب الإيراني الصديق أحاط بالحافلات وهم يصرخون بكلمات لا بد أنها كانت للترحيب بنا. لقد قدموا لنا عبر نوافذ الحافلات المكسرات والتمر والبازلاء المحمصة مع الزبيب وكذلك الرمان. البولوني الذي أخبر الصحافة الأميركية بذلك كان معلماً وانتقل للعيش في مدينة إصفهان، ولم يجبر هو وأبناء جلدته من اللاجئين على الإقامة في معسكرات. نقول هذا أيضاً للحكومة البولونية التي ترفض على نحو قاطع استقبال أي لاجئ سوري أو غير سوري (انظر الفيلم عن استقبال اللاجئين البولونيين في إيران على نسخة الموقع الاكتروني).
في المقابل، استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة في ذلك الحين أظهرت رفض الشارع القاطع لاستقبال أي لاجئ من أوروبا، قبل بدء مطاردة اليهود في ألمانيا في 9/11/1938، وبعدها.
كلمة أخيرة، المسلمون والعرب هم من مكّنوا اليهود من الحفاظ على هوياتهم الدينية ومنحوهم الحماية الجسدية والفكرية عبر نحو ألف وخمسمئة عام، أما أوروبا فقد خلقت مناخاً عنصرياً ولد الفكر الصهيوني العنصري المتعصب والمتخلف.
لنتذكر، جميعاً، هذه الصفحات المضيئة من التعايش السلمي في تاريخنا وبلادنا، مقارنة بالأحقاد والكراهية التي يزرعها التكفيريون ورعاتهم من أعراب الخليج الفارسي، ولنرفعها في وجه الفكر العصبي المتطرف في أوروبا.

-