ظلت الجغرافيا السياسية متحكمة لمدة تقترب من خمسة قرون على السياسة الدولية، ويقصد بالجغرافيا السياسية دور الدولة القومية وأمنها القومي، اللذان يتحددان بموقعها الجغرافي وتاريخها ـ أي حركة الجغرافيا في الزمن الذي تجري فيه تفاعلات البشر والقادة. من هنا فإن أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي تتحدد في الحفاظ على بقاء الدولة وفعلها في الإقليم وحماية قيمها العليا من العدوان الخارجي وتعظيم مصالحها القومية.

الجغرافيا السياسية وضعت مصر عند الزاوية الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط والشمال الشرقي للقارة الأفريقية، وعند ملتقى القارات الثلاث للعالم القديم: أوروبا وآسيا وأفريقيا، وعند نقطة النهاية لمسار نهر النيل من قلب أفريقيا، ثم فرضت الجغرافيا السياسية حساسية خاصة في التعامل مع إطارها الإقليمي عبر حدودها البرية، حدودها مع الشام وبلادها، حدودها مع المغرب العربي، وكذلك حدودها مع السودان وحوض النيل وموقعي البحر الأبيض والبحر الأحمر، لذلك عبرت مصر عن حدودها البحرية في الإطار الدولي.
أما التاريخ، أي فعل البشر مع الجغرافيا، فقد طبعها بالوحدة السياسية حتى إنها عرفت الدولة منذ ما يقرب من ستة آلاف سنة، وهكذا تفاعلت الجغرافيا مع التاريخ، ما حدد الجبهات التي على مصر التعامل معها درءاً لأخطار تهدد أمنها القومي وتعزز مكانتها ودورها الإقليمي والعالمي، وزاد هذا التحديد مع عملية بناء الدولة الوطنية المصرية في صورتها الحديثة مع تولي محمد علي عام 1805 وإنشاء أول جيش وطني مصري.
الجبهة الأولى، التي كان على مصر التعامل معها، كانت في الشمال، وعبر البحر المتوسط جاءت جيوش الإسكندر المقدوني التي تركت البطالمة آثارها ومن بعدهم أتى الرومان، والفرنجة (الصليبيون)، ومن بعدهم بوقت طويل جاء الاستعمار الفرنسي والبريطاني، ومن الشمال الشرقي زحف على وادي النيل عبر جسر سيناء الأفريقي الآسيوي الأشوريون، والبابليون، والفرس، والبيزنطيون والعرب والأتراك... وأخيراً الإسرائيليون.
هذا التراث القديم هو الذي شكل مخاوف الأمن المصري ومدركاته، لذلك قام النضال المصري ضد الهيمنة الغربية في الاستعمار البريطاني والهيمنة الأميركية المتجسدة في حلف بغداد والحلف الإسلامي ومبدأ «أيزنهاور»، وهكذا تم بناء السياسة الخارجية المصرية. بالإضافة إلى ذلك، إن تأسيس الكيان الصهيوني بمساعدة الغرب عام 1948 شكل تهديداً رئيسياً كان عليها مقاومته عبر حروب 1948، 1956، 1967، 1973، وهكذا كانت حدود مصر الشمالية الشرقية مثار متاعب دائمة لمصر. أما الجبهة الثانية، فتقع في الجنوب حيث اعتماد مصر على مياه النيل، لأنها دولة المصب التي تعتمد كلياً على وادي النيل، وكان ذلك يعني يقظة مصر الدائمة لتدفق المياه دون عوائق أو عجز في المياه.

دور مصر في الإقليم
ليس تعبيراً عن رفاهية أو رغبة في الزعامة

نستنتج مما فات أن دور مصر في الإقليم ليس تعبيراً عن رفاهية أو رغبة في الزعامة، بل أجندة تفرضها عليها ظروف وبيئة أمنها الوطني والقومي، وتفرضها عليها المخاطر والتهديدات الآتية عليها من حدها الشمالي الشرقي والجنوبي الأفريقي كذلك. ومن هنا فإن انسحاب مصر من دورها، وبالذات بعد توقيع كامب ديفيد، وخفض حدة الصراع المصري ــ الإسرائيلي، جعلاها تتقوقع داخل شرنقة الجغرافيا، ما سبّب الضعف العام في قدراتها ثم تهميش دورها في الإقليم.
نتج من ذلك التهميش الذي أصاب الدور مهددات أخرى للأمن الوطني المصري غير التي كانت في ظل سيادة الجغرافيا السياسية، وقد شملت التهديدات الجديدة: 1- أمن الخليج 2- الأصولية الإسلامية التي سادت منذ حادث الكلية الفنية العسكرية عام 1974 واغتيال وزير الأوقاف في عام 1977، ثم اغتيال أنور السادات عام 1981 وسارت المسيرة على الأرض إلى الآن.
وكان وزير الدفاع المصري المشير طنطاوي، قد صرح بأن «ظاهرة التطرف تشكل حالياً تحدياً يستهدف أمن مصر واستقرارها»، وكان ذلك في أكتوبر (تشرين الأول) 1994.
هكذا تغيرت عناصر الدور في الإقليم ودخلنا في مرحلة مصر، ذات الدور الهامشي غير المؤثر، والناتج من تبني سياسات تبعية للغرب تحت قيادة الولايات المتحدة. وقد ظهر ذلك جلياً في ما سمي الانفتاح الاقتصادي ثم الخصخصة بانهيار وببيع لأصول مهمة في المؤسسات الاقتصادية المصرية، ودخلنا في طريق التعاون الأمني الإسرائيلي ــ المصري حتى أُطلقَت عبارة الكنز الاستراتيجي على حسني مبارك بالنسبة إلى إسرائيل، واستمر إطلاق ذلك على عبد الفتاح السيسي، وأضيف إليه الحلم بالنسبة إلى إسرائيل بعدما دخلت مصر وإسرائيل مرحلة التعاون الأعلى حتى وصلت للعمليات المشتركة ضد الإرهاب في سيناء.
هكذا بدلت مصر عقيدتها الأمنية من العدو الصهيوني والخطر القادم من الشمال الشرقي عبر بوابة سيناء إلى الخطر الإرهابي في الداخل والخارج، وهكذا صارت القوات المسلحة أقرب إلى قوة شرطة منها إلى قوة حفاظ على الدولة من أعداء يستهدفون الحدود المصرية. وقد ترتب على ذلك ضعف قدرات مصر في لعب الدور القيادي في الإقليم، وتسلم دول أخرى تمتلك مقومات القوة لمواقع القيادة في الإقليم.
تشكل كل ذلك على حساب الدور المصري، وقد بدا هذا واضحاً في صراع الأدوار الدائر الآن في الشرق الأوسط بين الدور التركي والدور الإيراني والإسرائيلي، وأخيراً السعودي، الذي يحاول أن يأخذ موقفه على حساب ضعف الدور المصري والقدرات المصرية، وقد أعطتهم سياسة السيسي فرصة تسلمهم الدور الإقليمي بعدما اكتفت ببعض الاتفاقات والقروض والهبات، بل انخرطت مصر ــ السيسي في تحقيق مخطط السعودية بقيادة المحور السني مقابل المحور الشيعي، وذلك بعدم تبادلها التمثيل الدبلوماسي مع إيران وكذلك سوريا، وانخرطت كذلك (مصر السيسي) عبر سلاح الجو المصري بضرب اليمن تحت ذريعة حماية باب المندب الموضوع تحت سيطرة الأساطيل الدولية، وهكذا ساعدت السعودية في تسلم دورها في الإقليم!