يحيط بأي قرار تتّخذه جماعة أو فرد، مجموعة من العوامل والمتغيّرات التي تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر، بتشكيله ونجاحه. وفي المطلق، يتمّ تدريب معظم البشر عبر المجتمع والأكاديميا على التقاط العوامل والمتغيّرات المباشرة لتحليلها قبل اتّخاذ القرار، أو للقراءة والمراجعة. مع العلم، أنّ للعوامل والمتغيّرات غير المباشرة ثقلاً يوازي أهمّية تلك المباشرة، في معظم الأحيان، ويفوقها في أحيان أخرى كثيرة. هذه القرارات، بمتغيّراتها وعواملها، تتراكم لتشكّل السّياق التّاريخيّ لمجموعة من الأحداث والأفكار، التي قد تشكّل بدورها الرّافعة لعقائد ستتوارثها أجيال متعاقبة لعقود وقرون آتية. فالقراءة الصّحيحة لأيّ عقيدة لا بدّ أن تعود زمنيّاً إلى ما قبل تشكّلها، وطرحها لمحاولة قراءة السياق التاريخي لهذا التشكل. وتزداد أهمّية هذه العملية إذا ما أرادت جماعة ما تبنّي مجموعة عقائدِ ليست من نتاج محيطها. وتُعدّ الأحزاب الشيوعية المنتشرة حول العالم مثالاً على تبنّي «عقيدة موحّدة». فطبيعة الفكر الشيوعي الأممي تفترض مسبقاً أنّ هذا الفكر كونيّ، أي أنّه يصلح للبشر كلّهم دون استثناء.


«التغيير الجديد» يُنقذ فييتنام

عام 1945 أسقط شيوعيّو فييتنام إمبراطورها المدعوم من اليابان، إثر هزيمة الأخيرة في الحرب العالمية الثانية. ولكن الحكم الشّيوعيّ لم يستقر فعلياً على كامل الأراضي الفيتناميّة حتّى عام 1975، إثر الانسحاب الأميركي من البلاد، ودخول قوّات جبهة التحرير الوطنية (الفييتكونغ)، والجيش الشعبي الفييتنامي إلى العاصمة الجنوبية سايغون، في نيسان من العام نفسه. عانت فييتنام خلال تلك العقود الثلاثة، من سلسلة حروب ضد الاحتلالين الياباني ومن ثم الفرنسي، وضد الهجوم الأميركي، الذي كان آخر جولات الاستعمار، وإن كان بشكل مقنّع.
وكان الحزب الشيوعي الفييتنامي سوفياتي الهوى، على الرغم من مجاورة فييتنام للصين، ذلك أنّه وصل إلى السلطة أول مرة عام 1945، قبل أن تنجح ثورة الفلاحين الماويّة. ولكنّه رغم هذه الصّبغة ـ حتى بعد تحوّله إلى دولة في الشّمال بعد عام 1954 ـ تمايز في عمله العسكري عن الاتحاد السوفياتي. وابتدع تجربة قتالية، على صعيدي الاستراتيجيا والتكتيك، ركزت على استغلال العوامل المتاحة في الجغرافيا والموارد الطّبيعيّة في البلاد. واعتمدت على استخدام الأنفاق والتمويه الطبيعي لسلاح المدفعية، والقصف المباشر والدقيق، وهي أسس كثيرة مخالفة لعقيدة القتال السوفياتية. واستطاع الفييتناميّون هزيمة جيشين (الفرنسي والأميركي) متفوقين في التسلّح والتطور التكنولوجي، حتى إنهم، في بعض مفاصل الحرب، استولوا على مناطق خاضعة لسيطرة العدوّ (على سبيل المثال لا الحصر، السّيطرة على سايغون في رأس السّنة الفييتناميّة عام 1968، وتحرير «دِيْن بِيْن بو» من الفرنسيين عام 1954)، خارجين بذلك من نطاق حرب العصابات إلى الحرب الكلاسيكية.
وبعد الانتصار الكبير (1975) وتوحيد الدولتين، بدأ الحزب الشيوعي الفييتنامي بنقل تجربة الشمال إلى كامل الأراضي الفييتنامية، وكان من ضمن ذلك تأميم كل وسائل الإنتاج والأصول المنتجة. في الواقع، لم تُختبر هذه السياسات في فييتنام الشمالية بشكل جدّي، في ظل الحرب والدمار الهائل الذي لحق بالبلاد، والاعتماد على المساعدات الحربيّة السوفياتية التي سرعان ما تقلّصت بعد انتهاء الحرب ودخول الاتحاد السوفياتي في ضائقته الاقتصادية خلال ما تلا من السنوات.
قبل عام 1975، كانت السياسات الاقتصادية الفييتنامية في الشمال، وبعده في كل فييتنام، نسخة عن السياسات المتّبعة سوفياتياً، منذ عام 1928 بعد الخطة الخمسيّة الأولى. فقد حدّد الحزب الشيوعي الصناعات الثقيلة وتثوير نمط «علاقات الإنتاج» كأولويات الاقتصاد الفيتنامي، مهملاً بذلك النتائج المدمّرة للحرب على البنية التحتية للقطاع الزراعي، علماً أنّ فييتنام بلد زراعيّ. كذلك، أهملت هذه السياسة، نقص الخبرة والدراية عند العمال الفييتناميين ـ على قلّتهم ـ في مجال الصناعات الثقيلة، وواقع البلاد التي تعاني من نقص شديد في المواد الاستهلاكية.
وأنتجت هذه السياسة الاقتصادية مجاعتين في موسمي الجفاف عامي 1979 و1980. وبحسب دراسة لـ«المعهد الوطني للتطوير العلمي في اليابان» (منظّمة تابعة للأونيسكو) تساوت قيمة الدَّين الفييتنامي مع قيمة الدخل القومي السنوي، عند بداية ثمانينيات القرن الماضي، بينما بلغ العجز التجاري نسبة الثلثين مع حلول عام 1985. يُضاف إلى هذا كلّه أنّ هدف تحويل الثقل الاقتصادي إلى الصناعات الثقيلة قد فشل، حيث لم يسجّل هذا القطاع، وبعد عقد كامل من الاستثمار، إلا تطوراً طفيفاً لم يسهم في تحسين الوضع الاقتصادي إطلاقاً. وفي ظل كل ذلك، بقي ما يقارب السبعين في المئة من القوة العاملة الفييتنامية تعمل في قطاع الزراعة.

اتخذ الحزب الفيتنامي قراراً شجاعاً بالخروج من استنساخ التجربة السوفياتية

وعلى أثر هذا الواقع، خرج الحزب الشيوعي الفيتنامي في مؤتمره السادس بسياسة «التغيير الجديد» (Doi Moi بالفييتناميّة). هدفت هذه السياسة إلى المواءمة بين الاشتراكية والموارد ـ الاقتصاديّة والبشريّة ـ المتاحة في فييتنام. فكان قرار إلغاء المزارع والحقول التعاونية بشكل تدريجيّ سريع، وإعادة توزيع الأراضي على الفلاحين، والسماح لهم ببيع الجزء المتبقّي من المحصول بحرّية بعد إيفائهم الكمية المتوجبة عليهم للدولة (الكوتا). يُضاف إلى ذلك، سلسلة من الإجراءات والقوانين التي سمحت بإنشاء شركات تجارية خاصة، سهّلت إقامة أسواق محلية لتبادل السلع الاستهلاكية. ولعل أهم المقررات كانت نقل الاهتمام الصناعي إلى الصناعات الزراعية والغذائية، والصناعات الكيميائية (فييتنام بلد نفطي).
وارتفع الناتج المحلي الإجمالي في فيتنام بمعدّل 5.46% سنوياً بين عامي 1985 و2014، بحسب أرقام «البنك الدّولي»، حيث وصل إلى 186 مليار دولار. بينما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، من 364 دولاراً عام 1990 إلى 1900 دولار عام 2014. غير أن المؤشّر الأشد تعبيراً، كان انخفاض نسبة من يعيشون تحت خط الفقر، من 58% عام 1985 إلى 12% عام 2014. وإن لم يكن ممكناً توفير أرقام إجمالي الناتج المحلي بصورة دقيقة (بسبب اختلاف القدرة الشرائية من بلد إلى آخر)، فإنّ إحصاء من يعيش تحت خط الفقر يتحدّث بشكل أوثق عن الوضع الاقتصادي.
سيجد المتابع أن جلّ الاقتصاديين في زمن العولمة يردّون التطور الاقتصادي في فييتنام إلى الانفتاح على اقتصاد السوق، والتخلّي عن الاقتصاد الشيوعي. ولكن في الحقيقة، فإن جذور الاندفاع الاقتصادي في فييتنام يكمن في المواءمة بين شيوعية الحكم واشتراكية الاقتصاد، من جهة، وبين موارد البلاد والسّياقات التاريخية لاقتصادها ومجتمعها، من جهة أخرى. فقد اتّخذ الحزب قراراً شجاعاً بمراجعة عقائده، ليخرج من استنساخ التجربة السوفياتية إلى ما هو ملائم لطبيعة البلاد والقوة العاملة فيها، ولسياقات المجتمع وتطورها التاريخي. لقد تفطّن الفييتناميون إلى أنّه في الاقتصاد ـ كما في العسكر ـ لا بدّ من الخروج بما هو مناسب لـ«الجغرافيا» (بمعنييها البشري والطبيعي) المحيطة ببيئة العمل.

ستالين: الخطّة الخمسية الأولى

بنت معظم الأحزاب الشيوعية ـ التي حكمت والتي لم تحكم ـ نظرياتها الاقتصادية حول خطط ستالين الخمسية (كانت أولها عام 1928). إنّ ما يراه كثيرون على أنه «لينينية» هو في الواقع «ستالينية»، فلينين قدّم «السياسة الاقتصادية الجديدة» التي بُدئ العمل بها عام 1921، وألغاها ستالين مع أول خطة خمسية.
وبعد المجاعة التي ضربت الاتّحاد السوفياتي عام 1921، وحصدت أرواح ستة ملايين مواطن، نظّر لينين للحاجة إلى «رأسمالية الدولة»، للوصول إلى مرحلة الاشتراكية التامة. ورأى بأن دور الاتحاد السوفياتي، في حينه، هو تبنّي رأسمالية الدولة حتى انقضاء المرحلة. فحرّرت «السياسة الاقتصادية الجديدة» بعض الأسواق وبعض التجارة الخارجية، وسمحت بإبقاء بعض ملاّك الأراضي الزراعية متوسطة وكبيرة المساحة. إضافة إلى أنّها أعادت خصخصة عدد قليل من الصناعات المملوكة من جهات أجنبية قبل الثّورة. وأظهرت ملخّصات، ما أفرجت عنه الدولة الروسية عام 1991، من مخطوطات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي أنّ ستالين كان يدعم هذه السياسة، خلال حياة لينين وبعد مماته، رغم أنّه كان يُعَدّ من محافظي الحزب. ومما لا شك فيه، فإن خصومته مع تروتسكي، المعارض لـ«السياسة الاقتصادية الجديدة»، ساهمت بشكل كبير في هذا الدعم. ولكن مع خروج تروتسكي من الصورة، والخوف من عودة شبح المعاناة الغذائية، بالإضافة إلى التهديدات الخارجية بحرب قريبة النشوب (كانت بريطانيا قد قطعت علاقاتها الديبلوماسية بالاتحاد السوفياتي عام 1927)، ألغى ستالين العمل بـ«السياسة الاقتصادية الجديدة»، ووضعَ أولى الخطط الخمسية، ليرتقي بالاتحاد السوفياتي إلى مصافّ الدول الصناعية الرائدة.
كانت روسيا القيصرية دولة صناعية قبل الثورة، لكن تطور الإنتاج الصناعي توقف بعدها، ولم يعد إلى مستوى عام 1917 إلّا في عام 1927. كان يجب اتباع خطة قاسية وطموحة لتطوير الصناعات الثقيلة وتحفيز تلك الموجودة أصلاً. وللوصول إلى هذا الهدف، كان لا بدّ من إحداث ثورة زراعية من شأنها أن تزيد المحاصيل، باستعمال قوة عاملة محدودة، لكي يتسنّى توظيف فائض القوة العاملة في خدمة الثورة الصناعية المتلازمة معها. فكان قرار مكننة القطاع الزراعي، عبر الإنتاج الآلي المحلي ومصادرة كل الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مزارع تعاونية. كلّ هذا استلزم تعزيز صناعات الصلب والحديد، واستخراج النفط وإنتاج الطاقة. كان هدف ستالين تحويل دولة صناعية راكدة إلى رائدة. وبالفعل، حوّلت الخطط الخمسية الثلاث الأولى، الاتحاد السوفياتي إلى دولة صناعية رائدة مع بداية الحرب العالمية الثانية. وفي حقيقة الأمر، فإنّ الموارد الاقتصادية والبشرية والبنية التّحتيّة، التي امتلكها ستالين، سمحت له بتنفيذ هذه الخطط بنجاح.

الاستنساخ حين يحطّ في بلادنا

مع وصول الاستعمار إلى منطقتنا، بدأت النخب العربية البحث عن أُطرٍ لمواجهته. وبما أنّ العصر كان عصر حداثة وتحت تأثير سطوة تطور المستعمر التكنولوجي، نهلت هذه النخب أفكاراً وعقائد من تراث الحداثة الأوروبي، ولم تتنبّه إلى أنّ لهذا التّراث الأدبي والعقائدي، سياقات تاريخية واجتماعية خاصة، ساهمت بصنعه ودوامه إلى يومهم ذاك. استنسخ الكثير من الأحزاب ـ التي لا يزال بعضها فاعلاً إلى اليوم ـ التجارب والعقائد المُستمدّة من أحزاب غربية، دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات المجتمعات المحيطة بها. هذه المجتمعات كان من المفترض أن ترفد ـ وقد رفدت ـ لعقود هذه الأحزاب والتنظيمات بالأعضاء، وأن تؤمّن لها البيئات الحاضنة التي تشكّل ركائزها في حال وصولها الى السلطة.
أدّى الفشل في إدارة الصراع مع الكيان الصهيوني (آخر أطوار الاستعمار المباشر في بلادنا) إلى ضمور أحزاب تلك المرحلة وفقدان جماهيرها. فالتركيز على عناوين بناء الاقتصادات والمجتمعات بعد هذا الفشل، دفع باتجاه الكشف عن عدم قدرة هذه الأحزاب على تقديم ما هو متناسب مع «الجغرافيا» الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
حقيقة الأمر اليوم، في ظلّ تفكّك مجتمعات المشرق العربي وانفضاض الشريحة الأضخم من الشباب المتعلم عن الحياة الحزبية، هي أن هذه الأحزاب لم تدرك بعد أنّها تحتاج إلى أكثر من مؤتمرات وتغيير قيادات. وأنّ عليها أن تواجه ـ بصيغ متعدّدة ـ هذه المعضلة، كما فعل المؤتمر السادس للحزب الشيوعي الفييتنامي، فتدرس سياقات مجتمعاتها التاريخيّة والاجتماعية، وتوائم بينها وبين العقائد المُستنسخة.
* باحث لبناني