لا تبحث في هذا السجن الصحراوي البائس عن مخرج، لا داعي لأن تحفر بالأظافر والأسنان وأن تتجول في كلّ أرجاء هذا المكان المعتم لتلاحق بصيصاً من نور. الأمر أسهل بكثير ممّا تعتقد. كل ما عليك أن تفعله ببساطة هو أن تتوجّه نحو الباب مباشرة لتخرج... الباب مفتوح، لست في الواقع سوى سجين أوهامك. لكنك يا رفيقي ومنذ الولادة الحزينة على أعتاب هذا الشرق اللعين لا تعرف سوى أن تنشد لحن موتك وتنظر بغربة وغرابة إلى جسدك وتتحين الفرصة لتلقيه على أول مذبح ثم تعود إلينا من دون رأس لنقيم لك مأتماً أو عرساً، سيّان، فالنواح سمة هذه الموسيقى الجنائزية التي نتقنها، حتى هي يجب أن تكون شيئاً يشبه كلّ الأشياء إلّا الفرح. أو تظن فعلاً يا رفيقي أن جسدك الذبيح منسيٌ على أدراج معبد شرقي أو محمول وسط جموع سيغيّر وجه العالم؟ أما زلت تعتقد أن إله الحصاد يحتاج لجسد عذراء جميلة كيما يرضى، وأن السماء لا تمطر إلا بذبح رضيع في مواجهة الشفق الأرعن؟ لا شيء يا رفيقي من هذه الترهات كلها. جسدك الدامي ووجهك المعفّر بالرمال لا يستطيع إلّا أن يؤدي دوراً أوحد وهو رسم البسمة واللذة الخبيثة على قسمات وجوه صيادي الرأسمالية الحديثة، وهم اعتادوا دوماً تشغيل طواحينهم بأكوام من الجثث والأشلاء. وأنت تراقص الريح المجنون، تنده أساطير وحكايا وتردد أنشودة الغول والعنقاء خارج الزمان والمكان. أعرف أنك لا تفهمني، تماماً كما لا تفهم أنّ دماءك هي زيت عجلات الماكينات اللئيمة التي تخطّ على رمل الصحارى خرائط أنابيب النفط والغاز.

هذا العالم يا رفيقي حقير، حقير لدرجة أن كومة أشلاء وعظام توازي في ارتفاعها جبال همالايا لا يمكن أن تغيّر فيه بوصة واحدة لكنّها قد تخدم «مالتوس» في نظريته الدنيئة عن تخفيض عدد الأفواه البشرية في مقابل الحفاظ على الثروات. بالضبط هي الثروات والشهوات والصفقات لا تجري بغير سيل من دماء الفقراء. ولو توقف سيلان الدم لحظة يا رفيقي لحصل الانهيار وتوقفت عجلات التاريخ. دعه يتوقف، لا تنزف، لا تمت، لا تمنحهم تلك اللذة. لا تجعل جرارهم تمتلئ خمراً وجيوبهم تكتنز ذاك الورق الأخضر، بينما نذوي نحن يا رفيقي في مجاهل الإسمنت الباهت نتوسّل رغيفاً ممزوجاً بالسم لندسّه في فم الصغار. أنا مع الثورة يا رفيقي، لطالما رغبت في تمزيق هذا القميص البالي وتغيير هذه السحنة المقيتة. منذ زمان بعيد أصبحت أكره وجهي في المرآة وأكره أدراج البناء وأكره المزبلة التي عليّ أن أعيش بها وأمارس حياتي كالمعتاد. أريد أن أختار حربي وأن أختار عدوّي وأن أعلن على الملأ كله أن قضيتي هي خبز ودواء وحذاء. يؤلمني يا رفيقي أن تعلو فوق جسدك المنسيّ في مكان بعيد ناطحات سحاب ومكاتب الشركات الناهبة بعد أن يقتسم اللصوص غبار ما تبقى من حطامنا. توقف عن الرقص يا صديقي، دع الحلبة... اتركها. لا تدع هذه الموسيقى السيئة تجرّك إلى عدميّة هذا التكوين البذيء الذي لم ينتج غير هذه الغرائز الحبيسة والأجساد المنهكة ومذابح اللاجدوى. منذ عقود ونحن تسليتهم الوحيدة، يفعلون كل ما في وسعهم لنبقى على قيد الحياة لاستخدامنا في دورة وقود هذا النظام العالمي القذر. اقرأ يا صديقي، حاول أن تقرأ قبل أن تسلمهم جسدك، تابع عقودهم وتابع الصفقات والابتسامات الخبيثة. أمة اللصوص أمة واحدة وهي تقتسم فيما بينها جوعنا وحزننا ويتم أطفالنا. سنعيش يا صديقي لنبحث عن عالم يليق بعيون الصغار وتناغيهم الجميل وسندعو كل الذين غادرونا إلى أن يخرجوا من قبورهم ليشاركوننا فرحنا. سنقتل الحزن ويموت الموت ثم لا نموت. دعهم وحدهم يبحثون عن جسد أضحية. فليسقط المذبح وليرتفع هذا الجسد العظيم وهو أعظم ما صنع الرب.
وداعاً يا رفيقي، حياً... ميتاً، سوف نلتقي.
* كاتب لبناني