باتت الحساسيّة نحو اليهود — كيهود — سمة من الثقافة العربيّة الليبراليّة السائدة (وهي نافذة ظاهريّاً، لكونها فقط متحالفة مع أنظمة الخليج التي تفتح لها منابرها الإعلاميّة). والتحوّل من ثقافة معاداة اليهود — كيهود — إلى ثقافة الـ«جودوفيليا» (أو ثقافة حبّ اليهود — كيهود) هو نوع آخر من معاداة الساميّة. السيئ الذّكر، الكاتب الإسرائيلي العنصري والمعادي للعرب، آموس عوز، كان دائماً يذكّر الجمهور الأميركي بأن معاداة الساميّة تكمن في الاعتقاد بأن اليهودي هو أسوأ — أو أفضل — من غيره. ويبدو أن النوع الثاني بات هو السائد في معاداة اليهوديّة عند بعض العرب. الطريف، أن هناك مَن يدعو، وبقوّة، إلى الحساسيّة الفائقة نحو اليهود — كيهود، فيما هو يكتب في جرائد تضخّ يوميّاً بمعاداة الشيعة — كشيعة، ومعاداة العلويّين — كعلويّين. هذا النوع من البغضاء الطائفيّة لا يثير حساسيّة أحد في الثقافة العربيّة الليبراليّة السائدة، لأن هؤلاء لا ينطقون بما لا يتعارض مع خطاب وأجندة أنظمة الخليج. الحساسيّة نحو البغض، ضد أي دين أو طائفة أو فرقة، يجب أن لا تخضع لمعيار انتقائي، كما يحدث في دول الغرب، لكن الليبراليّين العرب يتلقّفون القيم والمعايير الغربيّة، حتى لو جاءت على حساب قضايانا.
كانت الحوارات مع

«ماتزبن» ضروريّة للتمهيد لطريق قاد إلى أوسلو


والتعميم عن مشاعر العرب نحو اليهود — كيهود — بات سائداً. والحنين إلى الحارات اليهوديّة في المدن العربيّة بات ثابتة من الثوابت الليبراليّة العربيّة، فيما لا نجد حنيناً كثيراً نحو الحارات العربيّة في فلسطين العربيّة. وبروز الشخصيّات اليهوديّة في الرويات الحديثة (كما في المسلسلات) بات طريقاً سريعاً للترجمة، إلى اللغات الغربيّة أو إلى التغطية الغربيّة. ويفصّل الزميل أحمد محسن في حديث مع «الحياة» (عن تصويره الإيجابي «الجريء» — حسب وصف الجريدة، مع أن الأمير ليس جديداً وكتاب سامي الجندي «عرب ويهود» صدر في عام ١٩٦٨، لشخصية يهوديّة في رواية له) في موضوع معاداة الساميّة عند العرب بالقول: «للأسف معظم المجتمعات العربيّة معادية للساميّة». وبهذا يتمّ التعميم على ملايين من البشر، وليس بناء على استطلاع أو حتى على تدقيق في معنى المصطلحات. لو أن الكاتب استعمل عبارة غير «معاداة الساميّة» لجاز النقاش، لكنّه فصّل في استعمال المصطلح الغربي (طبعاً، هذا لا يدعم الفكرة العربيّة القائلة بأن العرب لا يمكن لهم أن يقعوا في معاداة الساميّة لأنهم ساميّون، لأن الحجّة هذه من الأضعف، لأن المصطلح سُكّ في القرن التاسع عشر للدلالة على نوع واحد من الكراهية). حتى برنارد لويس، كاره العرب والمسلمين، والذي لا يفوّت فرصة للنيل من قضيّة الشعب الفلسطيني، لم يحكم على العرب بتهمة «معاداة الساميّة» هذه، في كتابه «ساميّون ومعادون للساميّة»، إذ ميّز بين المعاداة العرقيّة لليهود (كما في أوروبا المسيحيّة) وبين المعاداة السياسيّة لليهود في العالم العربي نتيجة الاحتلال الإسرائيلي. لم يُقرّر العرب أن يكون الصهاينة من اليهود ولم تكن معاداتهم لهم أضعف، أو أقل، لو أن الحركة الصهيونيّة كانت مكوّنة من كاثوليك أو مسلمين من الصين أو أندونيسيا. وإذا عبّر عربي ما عن معاداته لجنود دولة تصف هي نفسها بـ«اليهوديّة» لا يكون ذلك دليلاً قاطعاً على معاداة اليهوديّة. كان أن المسلم يوصف بـ«التركي» في أوروبا، حتى القرن التاسع عشر، ووصف الجندي الإسرائيلي باليهودي لا يُشكّل في حدّ ذاته جرماً في معاداة الساميّة للقائل.
ونجحت الحركة الصهيونيّة في جعل كل العرب في موقع الدفاع: كلّهم متهمون بمعاداة الساميّة، لا بل بالمساهمة في المحرقة بشخص الحاج أمين الحسيني. قبل أسبوع، قرّر موقع «كناري مشن» الصهيوني - الأميركي (وهو يحذّر من أخطار أعداء إسرائيل في الجامعات) إنني ارتكبت فاحشة معادية للسامية، لأنني قلتُ إن أوباما «أطلق يد اللوبي الإسرائيلي» في أميركا. هذا دليلهم على معاداة الساميّة. وبناءً عليه، يذهب الضحيّة للدفاع عن نفسه ضد تهم معاداة المُحتلّ. يصبح على المُستعمَر أن يثبت حسن نيّته نحو المُستعمِر. ويصح القول إن «الجبهة الديموقراطيّة لتحرير فلسطين»، وبشخص نايف حواتمة، كانت أوّل مَن أطلق بدعة «الحوار مع القوى الديموقراطيّة في إسرائيل»، وعلى رأسها «ماتزبن» (سنعود إلى «ماتزبن» بعد قليل). لكن لم تكن «الجبهة الديموقراطيّة» حركة منفصلة عن ياسر عرفات ومخطّطاته وألاعيبه. كان على عرفات أن يوجد هذه المنظمة، لو لم توجد. نعرف أنها كانت انشقاقاً من رحم «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، لكنها ما كانت لتستمرّ لو أن ياسر عرفات لم يمدّها بالمال والسلاح والرجال. كان وديع حدّاد ينوي القضاء على الظاهرة غير الكبيرة، لكن عرفات منع تحقيق ذلك. أراد عرفات إيجاد مُنافس (قلْ وقولي مُزايِد) لـ«الجبهة الشعبيّة» — كان ذلك في زمن كان جورج حبش يشكّل فيه منافساً قويّاً لزعامة ياسر عرفات الصاعدة. كما أن عرفات استعان بـ«الجبهة» إمّا لإطلاق بالونات اختبار، أو لتمرير اقتراحات تسوويّة، واختبار ردّات الفعل عليها. أوكلت «الجبهة الديموقراطيّة» إلى خليل الهندي، ابتداءً من ١٩٧٠ الحوار مع «القوى الديموقراطيّة في إسرائيل»، المتمثّلة بمنظمة «ماتزبن». وقد أحيطت هذه المنظمّة الإسرائيليّة بهالة عظيمة في أواخر الستينيات والسبعينيات، وكان يُقال لجماعة جبهة الرفض: أتريد أن تفرض حظراً على الحوار مع «ماتزبن»؟ وكنتُ قبل الاطلاع على المنظمّة، في شبابي، قد وقعتُ أسيراً للدعاية العربيّة عنها. خلتها تنظيماً جماهيريّاً يشنّ حرب عصابات ضد قوّات الاحتلال الإسرائيلي، لكن سرعان ما اكتشفتُ أنها، باعتراف قادتها — وهم شاركوا في حرب ١٩٤٨ (راجع الفيلم الوثائقي عنها) لم تتجاوز العشرين عضواً. يُقال عادة: كانوا دزينتيْن لا أكثر، بما فيهم بضعة أفراد من العرب. والمنظمّة سرعان ما تحوّلت إلى منظمّة، أو منظمّات أشبه بالشلل، في المنفى بعد انتقال قادتها (وكل القادة أعضاء، وكل الأعضاء قادة، على غرار التشكيلات اليساريّة الصغيرة التي أطلقتها الحريريّة في لبنان) إلى لندن.
لكن «الجبهة الديموقراطيّة» فتحت في انفتاحها نحو «ماتزبن» جداراً في الحصار الذي كان العرب (شعوباً وحكومات — على الأقل في العلن) يفرضونه على العدوّ الإسرائيلي. وبات شعار «الحوار مع القوى الديموقراطيّة في إسرائيل» ستاراً للتقرّب من قوى «ديموقراطيّة» (كيف تكون ديموقراطيّة في دولة الكيان الإسرائيلي؟) وانتهى هذا الحوار إلى حوار سرّي وعلني مع القوى الفاشيّة في إسرائيل. ويزهو حواتمة بهذه التجربة الرائدة. حواتمة رأى أن منظمّته افتتحت منهجاً جديداً في الصراع مع العدوّ، وهو خرق جدار التطبيع في آذار ١٩٧٤، عندما أدلى بحديث إلى جريدة «يديعوت أحرونوت» قال فيه إنه «من المفيد جدّاً أن يأخذ المجتمع الإسرائيلي علماً... بموقف فلسطيني ثوري حول النزاع الإسرائيلي - العربي» (ألان غريش، «ألف إلى ياء الجديدة عن الشرق الأوسط»، ص١١٢)، لكن شهر العسل بين حواتمه و«المجتمع الإسرائيلي» لم يطل، فعمليّة معالوت لـ«الجبهة الديموقراطيّة»، في أيّار ١٩٧٤، نفّرت اليسار الإسرائيلي من حواتمه ومنظمّته. ونشر تنظيم «ماتزبن» رسالة مفتوحة إلى «الجبهة الديموقراطيّة» يُقرّعها فيها على إرهابها (حاول حواتمه التملّص من الورطة من دون لوم العدوّ على الضحايا المدنيّين، ومدنيّو العدوّ مدجّجون في الغالب) إذ نظّر لمقولة أن القيادة لا تستطيع أن تسيطر على قادة الوحدات العسكريّة في ميدان المعركة —مع أن العدوّ يسارع دوماً إلى إطلاق النار على المدنيّين والفدائيّين على حد سواء). إن عقيدة القصف العشوائي ضد المدنيّين والمقاتلين وأسرى العدوّ، باسم «إجراء هنيبعل»، هي في نفس سياق إطلاق النار من قبل العدوّ ضد المدنيّين (ومدنيّو العدوّ مسلّحون في الغالب)، حتى لو كانوا من صف العدوّ. لكن خطة حواتمه — الذي وجد صعوبة في اختراق قلوب الشعب العربي — في اختراق قلوب «المجتمع الإسرائيلي» — فشلت فشلاً ذريعاً وارتبط اسمه في أذهان ما أسماه بـ«المجتمع الإسرائيلي» بعمليّة «معالوت».
لا بل إن «اليسار الإسرائيلي» (بما فيه اليسار المتطرّف، بالمنظور الإسرائيلي)، مثل تنظيم «رابطة سبارتكوس»، التي انشقّت عن انشقاقات عن «ماتزبن» (وانشقاقات «ماتزبن» التنظيم الصغير، فاقت في عددها انشقاقات الأحزاب والتشكيلات الناصريّة في السبعينيات من القرن الماضي في بيروت)، لامت «الجبهة الديموقراطيّة لتحرير فلسطين» على صعود تحالف الـ«جاحال». أي أن الشعب الفلسطيني هو المسؤول عن إرهاب إسرائيل، إذ أن بيان الرابطة في حزيران ١٩٧٤ قال إن «العمل (وصفه التنظيم بـ«الإرهابي») دفع بالجماهير اليهوديّة في أحضان جاحال، وأعطى الحكومة الإسرائيليّة الذريعة لارتكاب جرائم جماعيّة ضد المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان» (راجع، مجلّة «ووركرز فانغارد»، العدد ٤٧، ٢١ حزيران ١٩٧٤، ص. ٣). هذا اليسار المتطرّف الذي دعانا حواتمه وغيره إلى الحوار معه لا يختلف في منطقه عن منطق غولدا مائير، التي قالت إنها لن تسامح الفلسطينيّين لأنهم دفعوها لقتل الأطفال، أي إن الشعب الفلسطيني مسؤول عن عنفه ضد الاحتلال، ومسؤول أيضاً عن إرهاب العدوّ الإسرائيلي ضدّه.
لكن التمعّن في كتابات «ماتزبن» تكشف تناقضات هائلة، ووعوداً ضبابيّة، تتناقض مع معاداة الصهيونيّة المفروضة للمنظمّة. إذ أن المنظمّة لجأت إلى تخريجات نظريّة أدّت في المحصّلة إلى نتائج صهيونيّة. كما أن المنظمّة لا تعتمد الأمانة في نشر آرائها في العربيّة والإنكليزية والعبريّة. يبدو أنها تعدّل في بعض الآراء ممالاةً للقرّاء العرب (خصوصاً أنه كان هناك عربيّان، على الأقل، في المنظمّة الصغيرة). فهي تقول في موقعها الرسمي بالعربيّة، إنها منذ عام ١٩٦٧ تدعو إلى «الانسحاب الإسرائيلي الكامل والفوري غير المشروط من جميع ما احتلّته من أراض»، لكن الجملة ترد هكذا بالإنكليزية: «تدعو إلى الانسحاب الفوري الكامل وغير المشروط من كل الأراضي التي احتلّتها في تلك الحرب»، أي أن النص الإنكليزي لا يعترف إلا باحتلال ١٩٦٧، وهنا الالتباس المقصود في مواقف «ماتزبن» هو جزء من التسويق الذاتي أمام الجمهور العربي.
لكن أطروحة «ماتزبن»، والتي هي أشبه بالخديعة وبلغات متعدّدة وألسنة مختلفة تحتاج إلى شرح. توصّلت المنظمّة إلى هذه الخلاصة: خلاص الشعب الفلسطيني هو في إطلاق ثورة في كل المشرق العربي، وضد الأنظمة العربيّة المجاورة لفلسطين من أجل إقامة دولة واحدة. لكن ماذا عن زعم المنظمّة بمعارضة الصهيونيّة؟ هنا يحتاج الأمر إلى مزيد من الشرح. تقول المنظمّة إنها معادية للصهيونيّة، لكن أدبيّاتها تشي بغير ذلك. هي تقول بإفراغ إسرائيل من الصهيونيّة عبر تغيير القوانين المُجحفة ضد الفلسطينيّين لكنها تقول أيضاً بحق «الشعب الإسرائيلي» في تقرير المصير. أي أن المنظمّة تسجّل سابقة في نظريّات القوميّة عبر الاعتراف بحقوق كيان الاحتلال، والشعب الواقع تحت الاحتلال، بتقرير المصير على نفس بقعة الأرض. وكيف توفّق المنظمّة بين معارضتها (المزعومة ضد الصهيونيّة)، وبين إصرارها على «حق الشعب الإسرائيلي» في تقرير المصير؟ هي تقول إن ذلك ممكن بدمج «الأمّة الإسرائيليّة اليهوديّة في شرق أوسط اشتراكي موحّد»، على أساس حق تقرير المصير القومي (راجع أدبيّات المنظمّة في كتاب «إسرائيل الأخرى» الصادر في نيويورك في عام ١٩٧٢، ص. ١٨-١٩). ألا تذكّر هذه الوصفة بوصفة معمّر القذّافي في سنوات تطبيعه مع العدوّ، بعنوان «اسراطين». إلا أن «ماتزبن» تريد إسراطين الكبرى. لكن «ماتزبن» تضيف أن حق تقرير المصير لا يجب أن يكون على حساب «الحقوق القوميّة» لشعب آخر. لكن كيف سيستقيم ذلك؟ أليس هذا الوهم الذي روّج له مارتن بوبر، وغيره، في مشروع الدولة الثنائيّة القوميّة، والذي رفضته الصهيونيّة مبكّراً؟ وكيف يمكن لأكثريّة الإسرائيليّين أن تتخلّى عن الصهيونيّة، بايعاز من منظمّة تحوز على نحو عشرين عضو؟ لكن الاعتراف بـ«الأمّة العبريّة» هو جزء أساسي في عقيدة «ماتزبن». وتنزّه «ماتزبن» «جماهير الصهيونيّة من المسؤوليّة عن جرائم الصهيونيّة، فتقول في تقريرها الأساسي في أيّار (مايو) عام ١٩٦٧ بعنوان «المشكلة الفلسطينيّة والخلاف الإسرائيلي - العربي» ما يلي: «إن حل المشكلة الفلسطينيّة يجب أن يتصدّى ليس فقط للإجحاف الذي لحق بالفلسطينيّين العرب، بل يجب أن يضمن المستقبل القومي للجماهير العبريّة» (النصّ في «إسرائيل الأخرى»، ص. ٢١١). والصياغة هذه تذكّر بصياغة وعد بلفور الذي أعطى الشعب اليهودي في فلسطين حقوقاً سياسيّة قوميّة، فيما حصر الحقوق العربيّة في فلسطين بالحقوق المدنيّة والدينيّة. ويبدو أن «ماتزبن» لم تلاحظ تلك الفجوة في الوعود بين الشعبيْن. كما أن مصطلح «الجماهير العبريّة» أو «الأمّة العبريّة» لم تكن إلا اسماً كوديّاً لـ«الجماهير الصهيونيّة»، فالمنظمّة تضيف في نفس التقرير: «إن هذه الجماهير (العبريّة) استُقدِمت إلى فلسطين من قبل الصهيونيّة — لكنها ليست مسؤولة عن أفعال الصهيونيّة». أي أن الصهيونيّة في عرف «ماتزبن» ليست إلا حركة هيوليّة، لا بشر فيها ولا جنود. لكن يمكن إقران هذه النظريّة بنظريّة تحميل الشعب الفلسطيني ومنظمّاته المسؤوليّة عن جرائم قصف المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان. لا تحيد هذه المنظمّات اليساريّة المتطرّفة عن السياق اللاأخلاقي للمسيرة الصهيونيّة، كما أنها لا تحيد عن ربط الصهاينة بأرض مملوكة من أصحابها.
رفض نيسلون
مانديلا نبذ الكفاح المسلح وهو في الأسر

ما كنّا سنسمع بمنظمّة «ماتزبن»، والتي تماثل في حجمها «رابطة الشغّيلة» في لبنان، أو هي أصغر منها. لكن العدوّ الإسرائيلي شهّر بالمنظمّة وخوّن أعضاءها، ولاحق بتهم قضائيّة شتّى عضويْن من العرب فيها. القانون لا يسري على العرب واليهود بالتساوي في الدولة الصهيونيّة، ولو كان المتهم يتساوى في عضويّة المنظمّة — على ما قيل لنا. وهذا التشهير جعل منها منظمّة معروفة. كما إن اليسار الغربي الراديكالي تلقّف المنظمّة بالأحضان: كان يريد أن توجد منظمّة إسرائيليّة كي يثبت أنه لا يعادي كل الإسرائيليّين، وإن بعضهم يساريّون مناضلون من أجل الحقوق الفلسطينيّة. وطارق علي في بريطانيا روّج للمنظمّة الصغيرة، ونشر لها في مجلّته، كما أن اليسار الأميركي والمنظمّات العربيّة - الأميركيّة رعت محاضرات في أميركا لـ«قادة» المنظمّة، إلى أن اقتنع الجميع في السبعينيات أنها اندثرت وتبخّرت. لكن بعض العرب أراد انعاشها في لندن، في السبعينيات، فصدرت مجلّة «خمسين» ونشرت كتابات لأعضاء فيها، من العرب واليهود (كتب كنعان مكيّة فيها باسم «محمّد جعفر»، وهو غير الاسم المستعار الآخر الذي استعمله، «سمير خليل»).
لم يكن للمنظمّة من أثر يُذكر أو تأثير. كانت أشبه بـ«حلقة» ليساريّين. لكن قيادة ياسر عرفات (مستعيناً بنايف حواتمه، الذي كان يسعفه دائماً في الترويج للحلول التسووية قبل إعلانها من قبل «فتح» رسميّاً) احتاجت إلى كذبة لم تصدّقها هي. كانت «فتح» وكانت «الديموقراطيّة» تدريان أن لا وزن سياسيّاً لـ«ماتزبن» وإن «المجتمع الإسرائيلي» لا يعيرها اهتماماً. لكن القيادة المتنفّذة في منظمّة التحرير كانت تعدّ العدّة لمسيرة طويلة من المفاوضات مع العدوّ، وهي لم تستطع أن تصارح جمهورها بالحقيقة في البداية فاستعانت بكذبة «ماتزبن». ومسيرة الحوار مع «ماتزبن» قادت إلى المفاوضات مع حزب العمل و«حيروت» و«ليكود».
كانت الحوارات مع «ماتزبن» ضروريّة للتمهيد لطريق قاد إلى أوسلو. لكن الطريف أن هناك في الإعلام العربي مَن لا يزال يتحدّث عن «القوى الإسرائيليّة الديموقراطيّة»، أو حتى عن «معسكر السلام»، فيما تعترف الصحافة الغربيّة أنه لا وجود لمعسكر سلام في إسرائيل، ومن المشكوك فيه أنه كان هناك معسكر سلام أصلاً. منظمّة «السلام الآن» اندثرت، كما اندثرت منظمّة «هناك حد». وهذه التفريخات الصغيرة على ضفاف الصهيونيّة الإسرائيليّة لم تكن تتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة بقدر ما كانت تتعلّق بصراعات في الداخل الإسرائيلي. والانشاق الأوّل عن منظمّة «ماتزبن» كان نتيجة خلاف حول الأهميّة المعطاة لقضيّة الصراع العربي - الإسرائيلي (كان «ماتزبن» تسمّيه «خلافاً»): رأى جناح في المنظمّة أنه يجب التركيز على أهميّة تحقيق النصر المبين للبروليتاريا اليهوديّة، وإن على العرب دعمها في ثورتها. والثقافة العربيّة تتذكّر بحنين تلك التظاهرة الحاشدة التي جمعت الآلاف بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، مع أنها كانت بدافع الحرص على الكيان الصهيوني وإنقاذه من جموح بعض اليمين.
إن الحوار مع العدوّ جرى في صراعات أخرى في العالم. نلسون منديلا فاوض حكومة الأقليّة البيضاء، لكنه أصرّ على شروطه هو، كما أنه في الأسر رفض نبذ الكفاح المسلّح: أي أنه أعطى عدوّه، وهو في الأسر، أقلّ مما أعطاه ياسر عرفات وهو حّر. وشروط الحوار، كما جرى في فييتنام، تحققت وفق شروط «هو شي منه» على أساس من عكس ميزان القوى ضد صالح الاحتلال. أي من هذه الشروط لم تتحقّق في حوارات منظمّة التحرير، والتي جرت كلّها بالكامل وفق شروط العدوّ، الذي سمح لنفسه بانتقاء محاوريه. ما كان يمكن لكسينجر أن ينتقى العظيم، لي داك تو، مفاوضاً له في باريس، لكن إرادة «هو شي منه» لا تُرد — ولا حتى من دولة نوويّة عظمى.
يمثّل نايف حواتمة ومحمود عبّاس نفس المدرسة في المواجهة مع الصهيونيّة: يعتقد الاثنان ان المشكلة في القضيّة الفلسطينيّة كمنت في الناطقين باسمها، من أمين الحسيني إلى أحمد الشقيري، وأن ناطقاً جيّداً باسم القضيّة كفيل بإحقاق الحق وإقناع «الشعب الإسرائيلي» بأحقيّة القضيّة الفلسطينيّة. وهذه النظريّة تفيد أن خطبة جيّدة أو مقابلة محكمة، مثل مقابلة نايف حواتمة مع «يديعوت احرونوت» في عام ١٩٧٤— والتي تحوّلت إلى مهزلة بعد عمليّة «معالوت» — ستظهر للإسرائيليّين ما يجهلونه وأنهم سيفرّون من أرض فلسطين من جراء الشعور الفظيع بالندم. لكن هذه النظريّة لم تعد لها من حجج، لأن الحوار مع الإسرائيليّين بات غير محظور وعلى كل الصعد، ومع كل الأطراف. والذين كانوا ينظّرون للحوار مع العدوّ بحجّة التواصل «مع معسكر السلام الإسرائيلي» أو مع «القوى الديموقراطيّة» أو مع الدزّينة في «ماتزبن» باتوا اليوم ينظّرون للتواصل من أجل «التنسيق الأمني» مع العدوّ، لمنع المقاومة من إلحاق الأذى بالاحتلال. ظنّت «ماتزبن» أنها تعبّر عن وجه آخر لإسرائيل، وجه أقل قباحة. لكن ليس لإسرائيل وجه آخر. الوجه الآخر لإسرائيل ليس إلا الوجه الحقيقي، لكن بعد أن يخضع لكميّة هائلة من مسحوق التجميل — الذي يطلي ولا ينطلي.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)