خطأ الأولويات أمر شائع في منطقتنا. هو شائع في كل البلدان «النامية» التي تخلّفت عن ركب التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والحضاري، بسبب قرون السيطرة الخارجية الاستعمارية، بالدرجة الأولى. خطأ الأولويات نجم عن نشوء بنى مشوهة وغير مستقرة. بلوغ السلطة بات يتم، غالباً، بالإكراه والقوة، وكذلك الأمر بالنسبة لمسألة الحفاظ عليها بنفس الأساليب وأسوأ. الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها، بأساليب غير ديموقراطية وبالإستقواء على الخصم الداخلي، جعل، بدوره، الاستعانة بالقوى الأجنبية، الحاضرة والقادرة، ماضياً وحاضراً، عامل تعزيز لعلاقة التبعية بالقوى المذكورة. مكَّن ذلك تلك القوى الاستعمارية، في نطاق المعادلة المذكورة، من إرساء أو تشجيع صيغ حكم وسلطة وعلاقات وأساليب، على أُسس هشّة ومفككة (بالانقسام والعصبيات من جهة، وبالتبعية للقوى الاستعمارية في صيغ سيطرتها القديمة والجديدة، السياسية والعسكرية، المباشرة وغير المباشرة، من جهة ثانية).

لم تخرج، نوعياً، عن هذا المسار المشاريع القومية التغييرية أيضاً. هي عززت، من جهتها أيضاً، أولوية الحفاظ على السلطة بدعوى استخدامها في خدمة المشاريع والشعارات القومية. بل هي دفعت ذلك إلى الحد الأقصى، وصولاً إلى التأبيد والتوريث، من جهة، والمبالغة في استخدام القمع والبطش من جهة ثانية. بهذا المعنى فقد تخطى الإستبداد، «العصري» الجمهوري، نظيره القديم الملكي التوارثي. أما في موضوع التبعية فقد تمَّ فعل القليل جداً من أجل كسر مسارها وذلك بعدم بناء أسس اقتصاد مستقل ووطيد ومستقر، تنهض به خطط ومشاريع تنمية وتوجهات تشاركية توفر، أيضاً، شروط تعامل ديموقراطي مع ما يسمى بالأقليات ومطالبها الثقافية والاجتماعية (تميّزت، نسبياً، التجربة الناصرية من بين التجارب القومية). الإستقطاب الدولي الحاد خلال الثنائية القطبية الأميركية السوفياتية قلَّص من فرص الاستقلال وأضفى على الصراع القديم، التنافسي السياسي والاقتصادي على الأسواق والمواد الأولية والمواقع والممرات الاستراتيجية، بعداً إيديولوجياً، أُضيفت إليه عناصر عديدة على مستوى «البناء الفوقي» في الحقول الروحية والقومية والعصبيات الموروثة... وكان هذا الأمر فعالاً في منطقتنا وفي مناطق أُخرى من مناطق الصراع في العالم. في بولونيا، مثلاً، تمَّ اختيار أحد كهنتها لإشغال الكرسي البابوي (يوحنا بولس الثاني) بهدف تأجيج الصراع ضد الوجود والنفوذ السوفياتي في بولونيا وأوروبا الشرقية الإشتراكية عموماً. وهنا في الشرق إشتعل «الجهاد» ضد الجيش السوفياتي في أفغانستان برعاية أميركية وخليجية مباشرة. كلا «الجهادين» ساهم في تنضيج عوامل انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته قبل ربع قرن من الزمن (سبب الانهيار الأساسي يكمن في أخطاء تراكمت مع فرض وتعميم النهج البوليسي القمعي الستاليني في العلاقات داخل الحزب والمجتمع وفيما بين السوفيات ودول منظومتهم...).
خطيئة التشوه «الأصلية» التأسيسية، لجهة الوصول إلى السلطة والحفاظ عليها بوسائل غير مشروعة وبأدوات القمع والمنع والقهر، اقترنت دائماً، بخطأ أولويات سياسية حسب محطات الصراع وعناوينه وأطرافه. الحكم الملكي السعودي كانا سباقاً في بناء منظومة حكم مستوفية شروط القدرة على الإستمرارية. سلطة فردية عائلية انتصرت واستمرت بالقمع وبالإخضاع. قاعدتها، في الداخل، بنية فقهية إجتماعية متشددة، وضمانتها في الخارج، حماية انتقلت من التاج البريطاني إلى الكاوبوي الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية. اكتشاف واستخراج النفط، بكميات وباحتياط أسطورييين، شكَّلا عصب الحكم والإستقرار (النسبي) السعوديين منذ أواسط الثلاثينيات حتى اليوم.
واجهت المملكة تحديات كثيرة تخطت معظمها بخسائر محدودة. لكنها تواجه اليوم خطراً من نوع جديد. إنه تحدي «الإرهاب» التكفيري الذي نشأ في كنف المؤسسة الدينية والرسمية السعودية نفسها، ومن ثمّ كبُر ومارس «مهامه» الخارجية القتالية «الجهادية» الأولى برعاية منهما ومن واشنطن، كما أشرنا. بعد النجاح في أفغانستان، تحول الإرهاب إلى مشروع ذي طابع عالمي يتوسع بديناميات ذاتية، متفلتة، غالباً، من أي سيطرة، وناشطة، عموماً، في ظل ظروف سعودية وإقليمية ودولية ملائمة. أما بعد الأزمة السورية فقد أصبح الإرهاب قوة بالغة الخطورة حيث استطاع أن يقتطع لنفسه دولة يقيم فيها، وعلى مساحات شاسعة من الأراضي السورية والعراقية، «خلافة» للقتل والإجرام والهمجية.
سبب الإحراج، لقيادة المملكة، ليس فقط في أن الغلو وتوليده ورعايته قائم في صلب المؤسسة الفقهية «الوهابية» الرسمية السائدة. وليس فقط في أنّ نواته الأولى، «القاعدة»، تضرب في قلب المملكة نفسها في صراع مرير على السلطة والسياسة فيها. الإحراج الأساسي في أن المملكة ما زالت تراهن على عدد من الفصائل الإرهابية الأشدّ تطرفاً من أجل تحقيق بعض أهدافها السورية والإقليمية. يستمر هذا الرهان في وقت أصبح الإرهاب، بكل فروعه ومسمياته خطراً عالمياً تتزايد ضحاياه بتزايد قدراته وتعاظم همجيته وتوسع ساحات نشاطه إقليمياً ودولياً... وبالارتباط بذلك قامت وتقوم أحلاف وتُبذل جهود دولية للتصدي لخطره الذي لا حدود لإجرامه وأذاه. الأزمة السورية، نفسها، التي أرادتها المملكة فرصة للتخلص من سياسات وإرباكات و«مزايدات» ومخاطر، تحوّلت، بالإضافة إلى العراق، ساحة المعركة الأساسية ضد الإرهاب المنفلت. تشخيص قيادة المملكة للصراع في سوريا على أن أولويته تحريرها من الاحتلال الإيراني يصطدم برفض من الأصدقاء قبل الخصوم. التشخيص هذا يجعل مهمة إسقاط النظام السوري هي الأولوية، لا ضرب الإرهاب الذي يهدد السعودية والمنطقة والعالم. تغرِّد قيادة المملكة منفردة بمشاركة كورس بسيط يضم قطر وتركيا (الباحثة اليوم عن حل لمآزق حكومتها عبر مقاربات جديدة). ثم إذا كانت السعودية ترفض احتلال دولة عربية من قبل دولة غير عربية، لماذا لم تضع أولويتها تحرير فلسطين أو جزءٍ منها لا اليوم ولا في الماضي؟
في سوريا نفسها، الاحتلال الصهيوني للجولان سابق على «الاحتلال» الإيراني لدمشق. لم تفعل السعودية شيئاً حيال ذلك. ثم أن السعودية تبيح لنفسها ما ترفضه للآخرين. دخل جيشها إلى بلدين عربين استناداً إلى طلب من سلطاتهما «الشرعية» التي تواجه معارضة داخلية أحدها سلمي بشكل كامل (البحرين). شرعية سلطتي اليمن والبحرين لا تختلف، نوعياً، عن شرعية السلطة السورية القائمة. يكرر المسؤولون السعوديون أنه لا بد من إزالة سلطة الرئيس بشار الأسد بالمفاوضات أو بالقوة. هذه سياسة متناقضة بالمقياس السعودي نفسه. وهي باتت ذات أولوية خاطئة، بل قاتلة، منذ أن تحول الإرهاب في سوريا إلى قوة تهدد استقرار المنطقة والعالم.
تعالج أزمات المنطقة باعتماد مقاربات جديدة، لا باعتماد سياسة النعامة، أي دفن الرأس في الرمال لدرء الخطر. الأحرى أن تكف القيادة السعودية عن المكابرة وتقر سياسة داخلية تقوم على المشاركة والمساواة ونزع قيود التقاليد البالية والممارسات القمعية الموجهة ضد الأفراد أو الجماعات. سياسة تقوم، في المحيط الإقليمي، على البحث عن منظومة تعاون وتكامل في مجالات الاقتصاد والأمن والسياسة، وفي المستوى الدولي، على التدرج في ممارسة نهج مستقل يُغلِّب مصالح الوطن على مشاريع السلطة والتسلط والتبعية: نهج هو نقيض النهج القائم تماماً!
المشكلة أنّ الخطأ ليس سعودياً فقط، ومعالجته لا تقتصر على تغيير سياسات طرف واحد فحسب!
* كاتب وسياسي لبناني