«العرب وإيران فى مواجهة التحديات الإقليمية ــ الفرص والمعوقات وآفاق الشراكة»، هذا عنوان مؤتمر عُقد مؤخراً في العاصمة اللبنانية بيروت، على مدى ثلاثة أيام، وشاركتُ فيه إلى جانب عدد من الباحثين والخبراء وممثلي جهات معنية عديدة من إيران وبعض الدول العربية. كان مؤتمراً مهماً يمثل إحدى المناسبات القليلة التي يجتمع فيها ممثلو الطرفين المتقابلين في لقاء علمي جاد، وثقافي رصين.

ناقش المؤتمر قضايا عديدة تقع في صلب الاهتمام العربي والإيراني في هذه المرحلة الزمنية الفاصلة، فما أهم الانطباعات التي خرجت بها من أعماله الحافلة؟
الانطباع الأول الذي خرجت به، أن هناك ميلاً واضحاً يمثّل أحد التوجهات الأساسية التي سادت أعمال المؤتمر وأروقته الخلفية، سواء من الجانب الإيراني أومن الجانب العربي المتعاطف مع إيران بدرجة أو أخرى، وفحواه أن من الضروري ضرورة بالغة اتخاذ خطوات جادة نحو رأب الصدع مع المملكة العربية السعودية بالذات. وقد أشار عدد من الباحثين إلى أن المسار الجاري للعلاقة السعودية ـ الإيرانية مسار غير منتج بل ومدمّر، وأن الاستمرار فيه مضرّ إضراراً شديداً بالطرفين معاً. السعودية ـ من وجهة النظر هذه ـ دولة كبيرة على المستوى الإقليمي، وذات قدرات عسكرية واقتصادية عالية، ورغم عدم نجاحها في تحقيق أهدافها من عملياتها الخارجية على المستوى العربي في السنتين الأخيرتين، إلا أن من المهم ملاقاتها في منتصف الطريق، للحيلولة دون امتداد الحريق إلى ما هو أشدّ وأنكى. وقد أكد عدد من المشاركين أن النهج السعودي الراهن في مواجهة الأزمات الإقليمية، وخاصة في بلدان ما يسمى بالربيع العربي (سوريا واليمن وليبيا والعراق)، نهجٌ هجوميٌ، بل و«عدوانيٌ» في رأي البعض. ولكن هذا لا يمنع ـ بل يؤكد ـ ضرورة تحقيق خطوات عاجلة وأخرى آجلة لرأب الصدع السعودي ـ الإيراني بالذات. ولدى إثارة التساؤل عن مدى واقعية هذا الطرح بعد أن بلغ النزاع مبلغه، برزت أهمية وجود وسيط راغب وقادر على القيام بالمهمة. وارتأى البعض أن روسيا جاهزة لأداء الدور، نظراً الى ثقلها الدولي والاقليمي وطبيعة علاقتها بكل من إيران والسعودية. وعلى استحياءٍ، تم طرح فكرة إمكانية قيام مصر بالتوسط الحسن، خاصة لما يكنّه الإيرانيون ـ على الصعيدين الرسمي والشعبي ـ من تقدير لمصر، من جانب أول، وللعلاقة المتميزة بين مصر والسعودية، من جانب آخر. ولكن، يحولُ دون ذلك أن مصر ـ حتى الآن ـ لم تظهر رغبة واضحة في إعادة العلاقات الديبلوماسية المقطوعة مع إيران منذ سبعة وثلاثين عاماً تقريباً (غداة قيام الثورة الإيرانية)، في حين أن دول الخليج جميعها تحتفظ بعلاقات ديبلوماسية واقتصادية مستديمة، أو قوية، مع إيران.

برزت أهمية وجود وسيط راغب في رأب الصدع بين السعودية وإيران

وقد شعرتُ من ناحيتي بتعاطف شديد مع فكرة قيام مصر بدورها المستحق بين البلدين الكبيرين، ولو لإطفاء نيران الفتنة التي أشعلها البعض لأسباب سياسية (بين السنّة والشيعة)، ولادخار طاقات الوطن العربي والعالم الإسلامي لمواجهة التحديات الأكثر أهمية. وقد يكون المدخل الطبيعي إلى ذلك هو البحث عن «مخارج» تسمح باستعادة قوة الدفع نحو إقامة علاقات ديبلوماسية واقتصادية طبيعية بين مصر وإيران.
أما الانطباع الثاني، فهو أن جمهورية إيران الإسلامية ليست في وارد التخلّي عن طبيعتها الأساسية ـ أو تخفيف طابعها ـ كـ«جمهورية إسلامية». بعبارة أخرى، إن الجمهورية التي أرسى الإمام الخميني قواعدها منذ عام 1979، عقب الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي، وبنظام الحكم الشاهنشاهي ككل، سوف تظل قائمة، كما هو مفترض، على فكرة «الحكومة الإسلامية» وفق مبدأ «ولاية الفقيه»، وهو أمر يدركه جيداً المتخصصون في الفكر السياسي الإسلامي. انطلاقاً من تسليمنا بأهمية قيام العلاقات الدولية المتبادلة في «المنطقة العربية ـ الإسلامية المركزية» على مبدأ القبول المتبادل بالسيادة، وعدم تدخل أية دولة في شؤون الدول الأخرى، فإنه لا يصحّ بالتالي أن يربط البعض استعادة الزخم الديبلوماسي والاقتصادي، بشرط حدوث تغير في النهج السياسي الداخلي للدولة الإيرانية. يضاف إلى ذلك ـ بالنسبة لنا نحن في مصر ـ أمر جدُّ مهم، وهو أن إيران قد أعادت النظر جذرياً في موقفها من جماعة الإخوان المسلمين وتنظيمها الدولي وفروعها في الدول العربية والإسلامية. وقد بدا ذلك جلياً في مداخلات المشاركين الإيرانيين جميعهم تقريباً، إذ أكدوا ـ بجميع الطرق الممكنة ـ أنهم كانوا في السابق يحكمون «إيجابياً» على جماعة الإخوان، تأسيساً على تصورات قديمة إزاء الجماعة باعتبارها نشأت أصلاً فى أجواء مواجهة الاحتلال البريطانى بمدينة الإسماعيلية عام 1928، وباعتبارها كانت تمثل أحد نماذج الدعوة إلى نوع من الحكم الإسلامي. ولكن النقطة الفاصلة في مسار العلاقة بين إيران وجماعة الإخوان، كانت زيارة الرئيسي المعزول محمد مرسي، إلى طهران، أثناء افتتاح مؤتمر قمة دول عدم الانحياز، حيث كان تصرفه غير اللائق إزاء إيران ـ أثناء المؤتمر وبعده ـ كاشفاً عن التحول الخطير في بنية وسياسات الإخوان من وجهة النظر الإيرانية، وخاصة حول طبيعة «الإسلام السياسي» كما ينبغي له أن يكون، حسب فهم الإيرانيين له.
أما الانطباع الثالث، فهو أن إيران تبدي تصلباً في الدفاع عن ثوابت سياستها الخارجية، ذات الطبيعة الخلافية على كل حال، كما يتبين مثلاً من موقفها بادّعاء السيادة المنفردة على الجزر الثلاثة في مدخل الخليج (طنب الصغرى وطنب الكبرى وأبو موسى) وتمسّكها الرمزي ـ اللفظي باستخدام مصطلح «الخليج الفارسي»، بالإضافة إلى استمساكها العملي بدعم حلفائها الإقليميين أينما كانوا. إلا أن الإيرانيين يشعرون بقدر كبير من خيبة الظن في كثير من العرب الذين لم يقدّروا لإيران وقفتها الدائمة، القوية والثابتة، إلى جانب القضية الفلسطينية، وتضحياتها الكبيرة من أجلها، فيما يقولون.
يبدو إذاً، أنه طريق طويل من أجل إزالة الالتباسات المتبادلة بين العرب وإيران، وفتح آفاق جديدة للعلاقات المنتظرة؛ فمتى يبدأ الطريق الطويل بخطوة واحدة، ومن «يعلّق الجرس في رقبة القطّ»؟

* أستاذ العلاقات الاقتصادية الدوليّة في معهد التّخطيط القومي ــ القاهرة