في 6 تشرين الأوّل1978، وصل «آية الله الخميني» إلى باريس، وأقام في ضاحية «نوفيل لوشاتو»، بعدما أجبره صدّام حسين على مغادرة مدينة النجف، استجابة لطلب شاه إيران. كانت شوارع إيران، لتسعة أشهر سابقة من هذا التاريخ، تغلي على وقع ثورة شارك فيها الإسلاميون، والليبراليون، والماركسيون. كانت حسابات الشاه صحيحة، بأن الخميني هو القائد الفعلي للثورة، ولكنّه كان مخطئاً في التقدير، بأن إبعاده عن العراق سيخمد دور رجل الدين الإيراني، الذي تعاظم من خلال وجوده في الضاحية الباريسية حتى وصوله للسلطة في طهران، في 11 شباط 1979، ولينفرد بعدها الإسلاميون بالسلطة هناك بعد إبعاد الليبراليين والماركسيين، وأحزاب الأقليات الكردية والعربية، التي أدت دوراً رئيسياً في انتصار الثورة أيضاً.

في 16 تشرين أول 1978، انتخب بابا جديد للفاتيكان، من أصل بولندي، وهو البابا غير الايطالي، للمرة الأولى، خلال أربعمئة وستة وخمسين عاماً خلت. وليكون في عام 1980، هو الملهم الروحي - السياسي لحركة «التضامن»، البولندية، التي ضمّت ملايين العمال والفلاحين ضد الحكم الشيوعي في وارسو. وقد كانت بولندا هي الإنذار الأول، برغم إنذار المجر 1956، وتشيكوسلوفاكيا 1968، ببدء اهتزاز الكرملين السوفياتي، الذي انهار في الأسبوع الأخير من عام 1991، إثر انهيار «منظومة حلف وارسو»، عام1989.
منذ هزيمة حزيران1967، وبدء تراجع الطبعتين الناصرية والبعثية من النزعة العروبية، بدأ صعود مدّ إسلامي – أصولي - إخواني عند العرب، كان الخميني توأمه الشيعي، خلال النصف الثاني من عقد السبعينيات. في عام 1980، تأسس حزب «بهاراتيا جاناتا» في الهند، مستلهماً الهندوسية في بناء أيديولوجيته السياسية، وليصل للسلطة عام 1998، ثم يفقدها في 2004، قبل أن يعود بقوّة أغلبية برلمانية من (278/545 مقعداً)، عام 2014.
في 4 أيّار 1979، وصلت مارغريت تاتشر لمنصب رئيسة الوزراء في بريطانية، بأغلبية برلمانية كاسحة، ضد العماليين. وفي 4 تشرين الثاني 1980، فاز رونالد ريغان بانتخابات الرئاسة الأميركية، وهو المشترك مع تاتشر في «النزعة الليبرالية الجديدة» في الاقتصاد، بعيداً عن كوابح النظري الاقتصادي جون مينارد كينز، التي تبناها اليمين إثر أزمة 1929-1932 الاقتصادية العالمية، وفي نزعة التشدد اليميني ضد الكرملين.

كان تقدير رونالد ريغان أن «عقدة الهزيمة الفييتنامية» هي المتحكمة في جيمي كارتر

وأثناء توقيع الرئيس الأميركي، جيمي كارتر، مع الأمين العام للحزب الشيوعي السوفياتي، ليونيد بريجنيف، في فيينا يوم 15 حزيران 1979، «معاهدة سالت 2» لتحديد الأسلحة الإستراتيجية عند الطرفين، كان تقدير المرشح الرئاسي ريغان بأن «عقدة الهزيمة الفييتنامية» هي المتحكمة في كارتر عند تقديمه لتلك التنازلات الأميركية أمام السوفيات، وأن البيت الأبيض لا ينظر إلى موسكو من خلال ما كتبته، لاحقاً، مجلة «الإيكونوميست» في عدد27 كانون أول 1980: «لو أن التطورات استمرت على زخمها الاجتماعي والاقتصادي الراهن، مما يجب أن يُرصد من قبل أي جهاز يملك ذكاء كافياً لكي يصاب بالفزع، فإن مجمل النظام السوفياتي المتعفن يمكن أن يواجه ثورة على طراز1789، قبل عام 1989» (ص15)، حيث كان ريغان وتاتشر يتشاركان هذا الرأي المقدّم من قبل نائب رئيس تحرير «الإيكونوميست»، نورمان ماكراي» تجاه توقّع الإنهيار السوفياتي الوشيك. فيما كانت انتصارات موسكو وحلفائها في فييتنام 1975، وأنغولا 1976، وإثيوبيا 1977، وأفغانستان 1978، ونيكارغوا 1979، قد أوحت لليساريين في العالم، وشاركهم في ذلك جيمي كارتر وليونيد بريجنيف، بأن هناك مداً يسارياً عالمياً متعاظماً في السبعينيات، منذ بدء الموجة اليسارية العالمية مع ثورة تشرين الأوّل 1917 البلشفية.
هنا، لم يكن اليساريون في السبعينيات واعين للمؤشرات التالية على توقف المد اليساري العالمي: الانشقاق الصيني - السوفياتي منذ عام 1960، الذي قسم الحركة الشيوعية العالمية إلى شطرين، صعود «اليسار الجديد» في أميركا اللاتينية على حساب الأحزاب الشيوعية، وثورة أيار 1968 الطلابية الفرنسية التي كان الحزب الشيوعي الفرنسي خارجها، والتراجع المطرد للاقتصاد السوفياتي خلال عقد السبعينيات. هذا على صعيد الحركية السياسية، فيما كانت حركية الفكر بين أوائل الستينيات، وأواخر السبعينيات، مع «البنيوية» و«التفكيكية» و«تيار مابعد الحداثة»، بكل استدعاءاتها لنيتشه، وهايدغر على حساب هيغل وماركس، تدل على بدء صعود اليمين الفكري، الذي بدأ بطرح نفي وجود «واقع موضوعي» و«فكرة التقدم التاريخي» و«العقلانية» و«الأيديولوجية»، مع تقليص العالم وتلخيصه في «النص» و«نظام الخطاب». مع «المحافظين الجدد»، تلاميذ ليو شتراوس المتوفَّى عام 1973، الذين سيطروا على إدارة بوش الإبن، جرى مزج «الليبرالية الجديدة في الاقتصاد» مع نزعة فلسفية ترفض ليس فقط، كما تفعل النزعات الفكرية الثلاث المذكورة، كل التراث الفلسفي الغربي النابع من «عصر الأنوار» و«الثورة الفرنسية» وما نتج عن هيغل، وماركس بل حتى تراث أرسطو الذي انبنت عليه عقلانية توما الإكويني (1225-1274)، الذي قامت على أفكاره عقلانية عصر النهضة الأوروبية في القرنين الخامس والسادس عشر قبل عقلانية ديكارت (1596-1650) الذي كان فاتحة الفلسفة الغربية الحديثة، وعمودها الأول، ممهداً لمجيء جون لوك، وعمانوئيل كانط وهيغل وماركس. وقد كان من مؤشرات تراجع اليسار أمام اليمين محاولة لويس ألتوسير عام 1965 في «قراءة (رأس المال)»، تطعيم الماركسية بالبنيوية، فيما كان اليمين يطعم نفسه بالماركسية، كما فعل جوزيف شومبيتر عام 1942، في كتابه: «الرأسمالية والاشتراكية والديموقراطية»، ناقضاً «النزعة الكينزية»، وممهداً لأفكار «ميلتون فريدمان»، مؤسس الليبرالية الجديدة في الاقتصاد.
لم تكن «الأطراف» في هانوي، ولواندا، وأديس أبابا، وكابول، وماناغوا تعطي مؤشراً كافياً على استئناف حركية المد اليساري العالمي، أو على عدم توقفه: كانت العاصمة التشيلية سانتياغو، يوم سقوط الحكم اليساري للاشتراكيين والشيوعيين، في11 أيلول 1973، تعطي إنذاراً عن إرهاصات بدء صعود المد اليميني العالمي، من خلال طغمة عسكرية انقلابية دموية، قامت بذبح اليساريين في الشوارع واستادات كرة القدم، مع الزنازين وأقبية التعذيب، تحت رعاية وتوجيه واشنطن، فيما كانت موسكو تتفرج، بينما كانت هافانا تتوجع. بعد سقوط السوفيات، عام 1991، وظهور (القطب الواحد للعالم) نرى كيف ان تلك العواصم الطرفية الخمس قد أصبحت، ومنها هانوي هوشي مينه، في المدار الأميركي إثر سقوط المركز اليساري العالمي في الكرملين، ما يعطي مؤشراً عن كون «الأطراف» محكومة بـ«المركز»، ولا تستطيع انعاشه بعد توقف كان بادئاً عملياً منذ حزيران 1960، مع صدام خروتشوف وماوتسي تونغ.
هناك مؤشرات منذ بدء الأزمة المالية - الاقتصادية العالمية انطلاقاً من نيويورك منتصف أيلول 2008، على توقف المد اليميني العالمي، وخاصة مع ترافق فشل نزعة «الليبرالية الجديدة» في الاقتصاد، عبر الانهيارات المالية والاقتصادية، مع فشل «المحافظين الجدد» في بغداد وكابول: يجسد باراك أوباما ذلك من خلال انكفائيته في السياسة الخارجية، ومن خلال عودته في الاقتصاد إلى وصفات «كينز»، لتدخلية الدولة في الاقتصاد، وعدم ترك «اقتصاد السوق» لحركته الذاتية. هناك بدء عودة في الفكر الغربي إلى الشجرات الكبرى: ديكارت – هيغل – ماركس، مع موت «البنيوية» و«التفكيكية» و«ما بعد الحداثة». هناك مؤشرات على صعود اليسار في أثينا ومدريد، ولكن ليس بعد في برلين، وباريس، ولندن. هناك دخول للمدّ الإسلامي الأصولي الإخواني في حالة توقف، وبدء الجزر في حركته العالمية منذ سقوط حكم «الإخوان المسلمين» في مصر، يوم 3 تموز2013.
السؤال الآن: هل نشهد في عام 2017 بدءاً لمد يساري عالمي، كما حصل قبل مئة عام مع تشرين الأوّل 1917 الروسي؟... في حالة لينين كان «الفكر» حاملاً لـ«السياسة»، ممهداً لها من خلال «ما العمل؟» (1902)، و«الإمبريالية» (1916)، و«موضوعات نيسان1917»...
* كاتب سوري