مع اقتراب ذكرى «حركة 23 يوليو/ تموز» التي منحت مصر وجهاً وقلباً وطنيين تطور ليضحي معادياً للاستعمار ومن ثم عروبياً (وذلك بفضل الحراك القومي في بلاد الشام وأحزابه الوطنية/ القومية)، قرر سيادة المشير، الحاكم بأمره، للتنكيد على ذكرى ذلك الحدث التاريخي، إرسال وزير خارجيته إلى فلسطين المحتلة للقاء قادة كيان العدو الغاصب العنصري والإشادة بذلك الكيان، القائم، بالمعنى الحرفي للكلمة، على أشلاء شعب ووطن عربي.

للتذكير، سيادة المشير سرّب صورة له عندما كان طفلاً، يلقي التحية العسكرية على الرئيس جمال عبد الناصر، ليمنح نفسه شرعية وشعبية قبل الانقلاب، لكن أين أنتَ اليوم من الخالد الذكر!
هذه الزيارة غير المباركة تمثّل دعماً لكيان عنصري عدواني قائم على كل ما ترفضه الإنسانية من معايير أخلاقية. وتاتي في أعقاب زيارة بنيامين نتنياهو إلى عدد من الدول الأفريقية هدفها، غير المعلن، حصار مصر وإضعافها، أكثر مما هي عليه الآن.
نعرف مشاكل مصر الاقتصادية لكن ليس ثمة من مسوغ، أيا كان، أن تحوّل قضية العرب الأولى ــ قضية فلسطين ــ إلى مشجب تعلّق عليه كل أمراض الأمة وشعوبها ومشاكلها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والمادية وما إلى ذلك. الرئيس المؤمن أنور السادات حاول أن يخفي عجز نظامه عن القيام بواجب الدفاع عن الوطن وتحرير أراضيه المحتلة، فحاول أن يقنع العرب بما هو ليس مقتنعا به، وهو أن معاداة كيان العدو سبّبت كل مشاكل مصر، والعرب، وأن الرضوخ للأمر الاستعماري الواقع أقصر الطرق للخلاص.
والآن، وبعد ما يقارب النصف قرن من الاستسلام، أين هي مصر! وأين هم العرب! وأين كيان العدو؟!
للتذكير، في مطلع خمسينيات القرن الماضي كانت مصر أكثر تطوراً اقتصادياً من الصين، وهي لم تعان حرباً أهلية، أما الأخيرة فكانت قد خرجت للتو من حرب أهلية وحرب تحرير من الاستعمار الياباني. قادة الصين، في ذلك الوقت، كان عليهم توفير الغذاء اليومي لخمسمئة مليون بشري، لا لبضعة ملايين كما كان عدد سكان مصر حينها.
أين مصر اليوم من الصين! بل نقول أيضاً: أين مصر اليوم من عمالقة الاقتصاد في شرقي آسيا مثل كوريا وماليزيا وسنغافورة!
المشاكل التي تواجهها مصر في مختلف المجالات سببها السياسات الخاطئة، بل الإجرامية، التي حولتها إلى مستهلك بدلاً من منتج، وأقفلت المصانع والمعامل التي أقامتها مصر ـ عبد الناصر، ونكّلت بالقطاع العام لمصلحة قطاع خاص طفيلي أتى على الأخضر واليابس. منذ أن قررت مصر الانخراط في المعسكر الاستعماري بقيادة واشنطن، فقدت صداقاتها ومواقعها في العالم، وتراجعت هيبتها المحلية والعربية إلى الدرجة الصفر، وصارت غير قادرة على مواجهة حتى إثيوبيا ونظامها المتصهين.
نقول هذا والأسى يعصر قلوبنا. نحن نريد لمصر، ولكل بلاد العرب، ولكل بلاد شعوب العالم المتحضرة، كل الخير. نريد من رئيس مصر، سيادة المشير السيسي، أن يسأل خبراء الاقتصاد عن كيفية خروج البلاد من أزماتها؛ لكن أن يسأل الخبراء الحقيقيين، من النخب العالِمة، لا «الخبراء» الذين أوقفوا علومهم، إن امتلكوا أيّاً منها أصلاً، لخدمة رأس المال المحلي والعالمي الذي أوصل أم الدنيا إلى ما هي عليه من حال لا يسرّ صديق ولا يغيظ عِدا.
إنّ فلسطين أكثر قضايا العالم عدالة، ولذا فقد ثبت بعد أكثر من قرن على اندلاعها أنها عصية على النسيان والدفن بين متاهات الزمن. فلسطين أثبت أنها أكثر من جغرافيا وأكبر من قضية سعي البعض لسلطة ميليشياوية مهزومة متهالكة عند أحذية الأعداء وبساطيرهم.
مع أن العدو الصهيوني تمكّن من تحقيق اختراق جديد في شرقي أفريقيا، فإن فلسطين بقيت في قلوب القارة التي لم تنسَ تحالفه مع بريتوريا العنصرية. وهو ما تجاهلته وسائل التضليل العالمية، وعلى الخصوص منها المعتاشة على ما يقدمه أعراب الخليج الفارسي لها من فتات. ما جرى هو أن رئيس أوغندا، يويري موسفني، أشار، في كلمته في أثناء استقباله رئيس وزراء كيان العدو الأخيرة، إلى تضامن بلاده مع فلسطين وأن علاقات بلاده بفلسطين، تاريخية، ولم يذكر إسرائيل ولا حتى مرة واحدة. هذا أجبر إذاعة العدو على قطع النقل المباشر.
العدو حاول الإيحاء بأن الرئيس الأوغندي أخطأ، وأنه يعاني فقدان الذاكرة، لكن الناطق باسمه، أوفونو أوبوندو، نفى في تغريدة له على حسابه، أن يكون الأمر قد اختلط على الرئيس وأكد أن إشارته الدائمة إلى فلسطين مقصودة، وأن تلك الأرض اسمها فلسطين.
شكراً يويري موسفني.
هل يغيظكم هذا يا من اخترتم التحالف الذيلي مع الأعداء.