في مستهل دستورنا الحالي (غير النافذ!) أن «لبنان دولة مستقلة ذات وحدة لا تتجزأ وسيادة تامة...» (المادة الأولى منه). وفي مقدمة الدستور، التي أضيفت بعد «اتفاق الطائف» واستناداً إلى تفاهماته (عام 1990)، أن «لبنان وطن سيد حر مستقل». لكن لبنان لم يصبح مستقلاً وذا سيادة، بالفعل، لا بعد انتهاء الانتداب الفرنسي وجلاء قواته عام 1945، ولا بعد إقرار اتفاق الطائف عام 1989. ونستطيع أن نضيف أنه، بالتأكيد، لم يصبح كذلك بعد خروج القوات السورية منه في أواخر نيسان من عام 2005. الواقع أنه لا علاقة لذلك: لا بالنصوص ولا بالنوايا، بل بالأسس والمسارات التي حكمت حركة الوضع في لبنان منذ الاستقلال إلى اليوم.

لا داعي لتقديم براهين على ذلك، آخذين بعين الاعتبار، دائماً، أن الاستقلال التام والحصين ليس سهل المنال، وأنه لا يُكتسب دفعة واحدة في كل الأحوال. الواقع، أن تحقيق مثل هذا الاستقلال ليس مجرد قرار. هو مسار طويل يتطلب توفير مستلزمات سياسية واقتصادية وأمنية وحتى روحية... لكن الأمر، بالنسبة للوضع اللبناني، انطوى، منذ التأسيس، وما قبله وما بعده، على اختلال جوهري حال دون أن يتمكن اللبنانيون من ولوج مسار طبيعي ومتنامٍ للاستقلال. كان ذلك حالة شاذة قياساً إلى ما حصل، تقريباً، في معظم دول العالم التي أصبحت بعد كفاح، طال أم قصُر، وبدرجات نسبية ومتفاوتة، كيانات سيدة ومستقلة. باتت هذه الدول، وإلى حدٍ طبيعي، تمارس سيادتها، بشأن معظم أمورها الأساسية. كما أنها حاولت أن تمتلك المقومات الضرورية للدفاع عن سيادتها واستقلالها حسب إمكانياتها والضرورات: خصوصاً عبر بناء عناصر وحدة وطنية جامعة تشكّل السلاح الأمضى في مواجهة أطماع وتهديدات من الخارج أو تهاون وتفريط من الداخل.
ما بعد استقلال عام 1943 تعرّض لبنان لمحن وطنية متكررة كان أخطرها الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990. استدعت هذه الحرب (في امتداد تعثر سابق) وضع لبنان تحت الوصاية أو الإدارة السورية لمدة مماثلة. وحين فُرض على القوات السورية الانسحاب بعد غزو العراق واغتيال الرئيس رفيق الحريري، دخل لبنان في مسار وصايات جديدة ذات طابع دولي دون أن تزول كل مفاعيل الوصايات الإقليمية السابقة أو المستحدثة. ما يحصل اليوم ليس خارج هذا السياق، بل هو امتداد «طبيعي» ومتفاقم له وإلى درجة غير مسبوقة. إن العجز الذي نعيشه اليوم، قد شارف بلبنان الى مستوى الفشل الكامل: تعطيل المؤسسات بشكل شبه تام. توقف عجلة الدولة عن الدوران ولو بالمستويات المتواضعة والمتدنية التي كانت تعمل فيها. استشراء النهب والفساد وانعدام المسؤولية واستخدام العام لمصلحة الفئوي والخاص على غرار ما حصل في ملف النفايات وفي ملفات هدر وتهاون يرتقي بعضها إلى مستوى الخيانة الوطنية (التعامل مع ملف النفط وملفات بيئية وصحية عديدة وفضائح متناسلة من دون توقف...).
تكرّس الانقسام اللبناني الداخلي في صلب «الصيغة الفريدة» (التي لا يكف بعض أطرافها عن تمجيد فضائلها ومصيريتها بالنسبة للبنان، وبعض رعاتها الخارجيين عن تعميم نموذجها على دول المنطقة...) التي انبثقت عن فئويات الداخل ورعاية الخارج الاستعماري خصوصاً. تبلور هذا الانقسام إلى تقاسم في تركيبتنا السياسية الدولتية. وهو تحوَّل إلى منظومة تحاصص لموارد وسلطة وإدارة البلاد بعيداً عن متطلبات وحدتها وتطورها وتماسكها في وجه كل المخاطر المحتملة: العادية أو الاستثنائية. كذلك فقد تحولت العلاقة مع الخارج إلى ما تجاوز بكثير حاجات اضطرارية فرضتها، في الماضي، ظروف وحالات اضطهاد من قبل مستعمر أو معتدٍ. لقد تكامل الخلل في العلاقات الداخلية مع التشوّه الخطير في العلاقات الخارجية، وشكّلا معاً معادلة مُخِلّة وهجينة، قبل وبعد الاستقلال السياسي، تقوم على هدر شروط الوحدة الوطنية الداخلية، من جهة، وعلى استقواء وتبعية ودونية وخضوع للخارج وتقديم لمصالحه على حساب المصالح الوطنية بكل عناوينها السياسية والاقتصادية والأمنية، من جهة ثانية...
تشكلت، في امتداد كل ذلك وبسببه، تشوهات يتعاظم ضررها على حياتنا العامة كل يوم. لنأخذ ما هو مثار الآن بشأن تحرك القضاء ضد الصحافي حسن عليق. هي ليست مسألة عابرة في الحياة السياسية اللبنانية. إن ما كتبه عليق والرد عليه يختصر، في الواقع، انقساماً أهلياً وسياسياً مزمناً بشأن علاقة لم ينعقد حيالها يوماً اتفاق بين اللبنانيين منذ أكثر من قرنين من الزمن. ليس العدو واحداً بالنسبة لأطراف الصراع التقليدي اللبناني. وبديهي أن الصديق ليس كذلك. هذا ما انطبق، للأسف، على العدو الإسرائيلي، حتى أثناء اعتداءاته المتكررة على لبنان (بل خصوصاً أثناء تلك الاعتداءات التي جرى إدراجها، من قبل البعض، في صلب الصراع الداخلي وتوازناته ومواقع الأطراف فيه وفيها). إزاء ذلك السلطة السياسية محايدة. لا موقف لها: لا سياسياً ولا قضائياً. وحين تتخذ موقفاً ما فبسبب الضغوط والتوازنات وليس للتعبير عن مصلحة وطنية وعن واجب! كان الأديب والمفكر الفرنسي باسكال يقول «الحقائق ليست واحدة على طرفي البيرينيه». كان يشير إلى نشوء تباينات قد تصبح، حتى في ظروف متقاربة، كاملة حيال مسلمات أو حقائق معروفة. الصداقات والعداوات، كما أشرنا، ليست واحدة بالنسبة لأطراف الانقسام اللبناني الدائم. في مثل هذا الوضع الشاذ والمشوَّه، تتخلى السلطتان السياسية والقضائية عن مسؤوليتهما وفق ما تقرره المصلحة الوطنية، ويترك الأمر للعبة الصراع القائمة. ولا يندر في مثل هذا الواقع أن يصبح العميل بطلاً، أو أن يحصل العكس، طالما أن المعايير متباينة إلى حد التناقض الكامل والثابت.
الانقسام، وتكريس وتنظيم ذلك في نظامنا السياسي، وبالترابط معه إقامة علاقاتنا مع الخارج على قاعدة الاستقواء (المؤدي بالضرورة إلى التبعية)، هي أمور تقع في أساس تفريطنا باستقلالنا وبسيادتنا، وفي أساس ضعف وتلاشي وحدتنا الوطنية. وهي بالتالي السبب الرئيس في اضمحلال الدولة لحساب الدويلات التي تتغذى من عافية الدولة نفسها وتمنع قيامها بدورها، وهي أيضاً، بالتداعي، المصدر الأساسي للنهب والفساد والهدر وعدم المسؤولية وغياب المساءلة... بديهي أن ينجم عن ذلك، أيضاً، غياب مفهوم المواطنة وتحول اللبنانيين إلى رعايا، ليس لهذه المؤسسة الدينية أو تلك (كما في المظاهر الخادعة) وإنما إلى أتباع لزعماء توارثوا استغلال تلك الانتماءات الدينية والمذهبية أو العصبيات والغرائز، لبناء مواقع تسلط وسلطة تتصارع على الحصص والنفوذ وتتعاون وتتكامل في السعي لتعطيل أي محاولة تغيير مهما كانت محدودة وجزئية.
تواجه دول عديدة، بشكلٍ عام، مخاطر وتهديدات خارجية. هذا يحصل على أوسع نطاق في منطقتنا اليوم. بعض هذه الدول تواجه، بالإضافة إلى ذلك مخاطر وتهديدات داخلية. هذا ينطبق على المجتمعات التي، على غرار لبنان، تعاني من شرخ في وحدتها الوطنية: الأمر الذي يضاعف المخاطر والخسائر والمناعة والمقاومة ويهدد، ليس فقط الاستقلال والسيادة بل الوطن ووحدته ووجوده بشكلٍ عام.
* كاتب وسياسي لبناني