على عكس ما يتهمنا به القوميون اللبنانيون، فإنّ أكثر أبناء جيلي ممّن يشكك بالكيان اللبناني، أو فقد الإيمان به، لا يفعل ذلك "تعالياً" على الوطن، أو كردّ فعلٍ عقائدي موروث، أو إصراراً على أمّةٍ بديلة، بل، ببساطة، لأنّهم عايشوا هذا "الوطن" وعرفوا حدوده ــ بالتجربة المباشرة ــ وفهموا أنّ هذه المؤسسة السياسية (و"لبنان" هنا هو إحالة إليها، فالشعب والمجتمع والجغرافيا والأرض ستبقى في مكانها، وهي موطنك مهما كان اسمها) لا تبدو قابلةً للاستمرار، وليس أكيداً إن كان استمرارها أمراً جيّداً أصلاً.

أنا، شخصياً، فقدت الأمل بـ"لبنان" بعد تحرير عام 2000، والطريقة التي جرى التّعامل بها مع مفهومَي المقاومة والعمالة. هنا كانت فرصة لبناء هوية وطنية لبنانية معاصرة تستند إلى شيءٍ حقيقي (بدلاً من نظريات الآباء المؤسسين والآركيولوجيا الكنعانية)، اسمه المقاومة وتراثها، فيه تضحيات وفيه نصرٌ وفيه تحرير، وهو يصلح لأن يكون "تجربة مشتركة" يشعر جميع اللبنانيين بالانتماء إليها والفخر بها، ويتوحّدون حول مناسباتها ولو اختلفوا على كلّ شيء آخر. لكنّ ما حصل كان العكس تماماً. بعد التحرير، أيضاً، كانت هناك فرصةٌ لتثبت الدولة للجميع أن مرحلة الحرب الأهلية قد انتهت فعلاً، وأنّ هناك بلداً ــ اسمه لبنان ــ يحترم تاريخه وسيادته، ويحاسب من يخونه، ويجعل ممّن تعامل مع العدوّ مثالاً حتّى لا يجرؤ لبناني، في المستقبل، على التفكير في مدّ يده إلى إسرائيل. هذا، أيضاً، لم يحدث؛ ومن يرفض فرصاً كهذه ويقصيها من ذاكرته التاريخية، أو يستبدل بها رسومات "ساتشي" والسعار الطائفي، لا يستحقّ أن يكون له وطن، فضلاً عن بناء أمة ومجتمع سياسي.
المسألة اليوم ليست قضائية، جلّها تقويم الأحكام ضدّ العملاء أو إعادة النظر بها، ولا هي فرديّة تتعلّق بالزميل حسن عليق وحقوقه وحرّيّته (من محاسن أن تعيش في بلدٍ غير حقيقي، أنّك لا تخاف منه)، بل إن المسألة سياسيّةٌ في العمق. هناك، من جهة، جهدٌ قضائي وسياسيّ لتحويل الأحكام ــ المضحكة ــ التي صدرت في حقّ عملاء إسرائيل إلى "سند أخلاقي" يجري البناء عليه. بمعنى آخر، من واجبنا، تقول السلطة، أن نأخذ هذه الأحكام بجدية، وأن نعتبر أن العميل المُدان قد "أدّى ضريبته للمجتمع" وكفّر عمّا فعل ولم يعد لنا في ذمّته شيء. هو، إذاً، يمتلك اليوم "حصانة"، كأي مواطنٍ آخر، مثلك ومثلي ومثل المقاوم والأسير المحرّر، وعلينا أن نمتنع عن قدحه أو إهانته أو تسميته، وأن "نضمن" له السلامة والكرامة. هذا، تحديداً، هو ليس واجبنا ولا يمكننا أن نفعله.
في أحاديث الناس، صار هناك إجماعٌ على أنّ نمط "التعامل بالحسنى" مع عملاء إسرائيل، الذي اعتمدته المقاومة والأهالي في الجنوب إثر التحرير، كان خطأً. بصرف النظر عن النيات الحسنة والرؤية السياسية يومها، فقد أثبتت الأحداث أن النظرية لم تكن مجدية، وقد أدّت إلى نتائج حقيقية، كارثية، نعيشها إلى اليوم: لولا "الصفح" عن العملاء عام 2000 لما جرؤ "أبطال الويكيليكس" على التحوّل إلى أداةٍ في آلة الحرب الأميركية عام 2006 (وبعضهم قد ارتكب، بالمعنى القانوني النّصّي، جرماً يفوق جرم الكثير من عملاء لحد)، ولفكّر السياسي ألف مرّة قبل أن يعمل مخبراً لدى سفارة، ولتردّد ــ اليوم ــ الكثير من السياسيين والصحافيين قبل الانخراط في التحريض الطائفي الخليجي ضدّ أبناء بلدهم، والنّظر إلى المشاركة في حملاتٍ خارجية قذرة ضدّ المقاومة على أنّه مجرّد "رأيٍ"، وعملٌ براتبٍ مجزٍ (وثمن "الفتنة التي تمّ تجنّبها"، وهي لم تكن لتحصل عام 2000، يرتفع باستمرار).
حين يتعلّق الأمر بعملاء إسرائيل وجواسيسها الذين نالوا أحكاماً "مخففة" (أكثرها مدد سجنٍ بالأشهر لمجرمين عتاة، وأحكامٌ لم تطاول ثرواتهم وممتلكاتهم وموقعهم الاجتماعي)، وبآلاف غيرهم لم يطاولهم القضاء، أو دفعوا غراماتٍ فحسب ولم يبحث أحدٌ في ماضيهم وجرائمهم، وهم يضحكون في سرّهم (وعلنهم) إلى اليوم، فالموضوع سياسيّ قبل أي شيء. وجود هؤلاء الناس أحراراً بيننا ليس مردّه مسألة قانونية أو محامين شديدي البراعة، بل هو ـ كما يعلم الجميع ـ نتيجة صفقة سياسية سياقها معروف، وقد قبلها مناصرو المقاومة على مضض: لا يجري الاقتصاص من العملاء، سواء عبر القانون أو خارجه، مقابل أن تستمرّ أركان المؤسسة اللبنانية ــ كما كانت الحال في التسعينيات ــ بدعم المقاومة والتماهي معها أو، أقلّه، السكوت عنها وعدم التآمر مع أعدائها ضدّها. وهذه "الصفقة"، المدخل الحقيقي لفهم الأحكام المخفّفة والوضع القضائي للعملاء اليوم، لم تعد، على ما يبدو، سارية المفعول وقد تجاوزنا منطقها منذ زمنٍ بعيد، ولا يمكن أحداً أن يطالب باحترام اتفاقٍ من جانبٍ واحد.
لا تتوقّف المسألة على أنّ "العقاب" ضد جرائم كالخيانة العظمى ليس قضائياً فحسب، بل هو أيضاً اجتماعي وسياسي، وشخصيّ حتّى، أو أنّ من ارتكب ما فعله العملاء من الطبيعي أن لا يشعر بالأمان، وأن يخاف باستمرار من ردّ فعل من أساء إليهم، ولن نُقيم - بالطبع - طوقاً حوله لحمايته، دوناً عن كلّ الفئات التي تستحقّ الحماية. المسألة تتعلّق أساساً بالمستقبل، وليس بالماضي أو بحبّ الانتقام (أو حتى العدالة، بمعناها القانوني)، وملخّصها هو: كيف نحمي أنفسنا من أمثال هؤلاء، ونضمن أن لا يخرج في كلّ حربٍ أنطوان لحد جديد و"أصدقاء فلتمان" جدد، وأيّ مثالٍ نتركه لمن بعدنا؟ لهذه الأسباب نحن نذكّر العملاء، باستمرارٍ، بما فعلوه، ونشرح لهم أنّ ذنبهم لم يُغفر، وأنّنا نتحيّن سياقاً مختلفاً في لبنان تُعاد فيه محاكمتهم ويحاسَبون فيه كما يجب، وأنّ عليهم أن يخافوا وأن يقلقوا. جزءٌ من قضية العملاء "قضائي"، يتعلّق بالقوانين وواجبات المواطن والحقّ العام، وجزءٌ آخر يتعلّق بحقوقٍ شخصيّة لأناسٍ كثر، وأسرى ومقاومين، أساء إليهم هؤلاء العملاء وآذوهم وقتلوا أحبّتهم. ولكنّ هناك بعداً ثالثاً، عنوانه تعريف الوطنية والخيانة، وحماية أبنائنا ــ في المستقبل ــ ممّن يتعاون على قتلهم مقابل ثمن، وبناء وطنٍ لديه مناعةٌ ما، لا يطبّع مع أمثال فايز كرم، ولا ينتج باستمرار من يشبهه ويحميه ويدافع عنه. حول هذه النقطة، تحديداً، تدور المعركة اليوم.