منذ سنوات، حين كان الأتراك المحافظون ينتقدون الروائي أورهان باموك، كانوا يشتكون من أنّ رواياته ــــ اللّغة، السّرد، المفردات، المقاربة ــــ تُقرأ بالتّركيّة وكأنّها "مترجمة" (أي كأنّها رواية كتبت بلغة أجنبية، ثمّ تُرجمت إلى التّركيّة، وأنت تقرأ النّسخة المترجمة، ذات الغلاف اللامع والعنوان الغريب الّتي استحصلت على حقوقها دار النشر). أورهان باموك هو مثالٌ على المثقّف الذي ينال تقديراً عالياً في الغرب والأوساط الأدبية العالمية، بينما الجمهور المحلّي يعامله بتشكيك وعدائية. فيما كان باموك يتحوّل إلى نجمٍ أدبيّ و"قراءة أساسية" للنخب الغربية، التي أصبح باموك دليلها إلى إسطنبول وتركيا الحديثة والتاريخ العثماني، ثمّ يفوز بـ"نوبل"، كان يواجَه في تركيا بحملات عنيفة تهاجمه وتتهمه بتشويه صورة البلد في الغرب، وأنّه "مخبرٌ محلّي" يستغلّ موضوعه وتراثه لاستدرار تقدير الأجانب وجوائزهم، بل وجرت إشاعةٌ مفادها أنّه من "اليهود السبتيين"، الذي تحوّلوا إلى الإسلام تقيّةً واندمجوا في المجتمع التركي ــــ حتّى أنّ باموك قد اضطرّ، في مرحلةٍ معيّنة، إلى الخروج من تركيا وتجنّب البلد بعد تعليقات له حول المسألة الأرمنية.

في الفترة نفسها التي شهدت صعود باموك في الوسط الثقافي الغربي وانتشار شعبيته، وفيما كان باموك يكتب، عبر القصص والمذكرات، حنينه إلى إسطنبول القديمة (ليس بمعنى "إسطنبول الخلافة الإسلامية"، على العكس تماماً، بل إسطنبول الكوزموبوليتية الأوروبية، اليونانية المسيحية اليهودية، التي استمرّت حتى العشرينيات، والتي كبر الكاتب في ظلال ذكرياتها وبقاياها)، كانت أكثر الروايات مبيعاً داخل تركيا، مع قرّاءٍ من مختلف المشارب والطبقات ــــ مع رواجٍ خاص بين النخب السياسية ــــ هي "العاصفة المعدنية" لأُركُن أوجار وبراق تورنا. "العاصفة المعدنية" هي رواية سياسية باعت أكثر من 400 ألف نسخة في تركيا، وتتخيل حرباً في المستقبل القريب، تجتاح فيها أميركا الجمهورية التركية، وتحتلّ مدنها، وتحاول أن تسلبها استقلالها وأن تفرض عليها التقسيم والتفتّت، تماماً كما فعل الحلفاء إثر الحرب العالمية الأولى.

لماذا يكرهون أردوغان؟

الفكرة هنا ليست أنّ هناك قسمة بين "الأتراك البيض" و"الأتراك السود"، أو بين علمانيين وإسلاميين، بل هي أنّ مرحلة "تركيا الديمقراطية" قد أفرزت أكثر من نموذجٍ منذ التسعينيات (إذا ما وضعنا الكتلة الكردية جانباً). هناك تيّار تركي علمانيّ ليبرالي غربيّ الثقافة، على طريقة باموك، يريد أن يكون أوروبياً و"متحرّراً"، ويعارض حكم الجيش ولا مشكلة لديه في الاعتذار من الأرمن أو الاعتراف بماضي الإبادة، ولكنّه متركّزٌ في الإعلام وبين النخب الثقافية المدينية، ولا حظّ له في الوصول إلى الحكم (وهم، بالإجمال، معجبون بإسرائيل ويكرهون العرب). صعد أيضاً نموذجٌ أكثر شعبية بما لا يُقاس، هو النموذج الديمقراطي الإسلامي لـ "العدالة والتنمية". هذا إضافةً إلى استمرار كتلةٍ قوميّة علمانية، من بقايا الأتاتوركية، بعض شرائحها فاشيّ بالفعل، يقدّم القضية القومية والإثنية على أي مفهوم ديمقراطي ــــ وقد كانت أبرز الدعامات الإيديولوجية لهذا التيار فكرة "رقابة الجيش على الأمة"، ومهمته الدستورية التي أرساها المؤسس، وصلاحيته في التدخّل لـ"تصحيح" مسار القيادة السياسية عند الضرورة.
من المفهوم، منذ زمنٍ بعيدٍ، أنّ الإعلام الغربي يفضّل أمثال باموك على أمثال أردوغان، حتّى أنّه وضع الرئيس التركي، مذ اصطدم بالليبراليين، في موقعٍ يشبه بوتين ("رئيس منتخب برتبة ديكتاتور"). وتتركّز التغطية الغربية، منذ سنوات، على قمع أردوغان للصحافة و"تعدّيه" على الديمقراطية، وتأسيسه لسلطوية حزبية، لم يحصل مثلها حين كان الحكم التركي يعتقل اليساريين بالآلاف في الثمانينيات، أو حين شنّت طانسو تشيللر حرباً شاملة على الأكراد (وقد يكون لهذا الانحياز أسباب سوسيولوجية قبل أن تكون إيديولوجية، فالليبراليّون الأتراك ــــ أعداء الإسلاميين ــــ هم أكثرية معارف الصحافيين والأكاديميين الغربيين، ويمثّلون غالبية الأتراك الذين يدورون في حلقاتهم المهنية والاجتماعية). ولكنّ تغطية ما بعد الانقلاب كانت مثيرةً للدهشة: بدلاً من أن يحتفي الغربيّون، "دعاة الديمقراطية"، بهزيمة الانقلاب، وتطغى سرديّة "انتصار حكمٍ ديمقراطيّ منتخب على انقلابٍ عسكري، في قلب العالم الإسلامي والشرق الأوسط الذي تملأه الديكتاتوريات"، عجّت الصحف الغربية ــــ فجر اليوم التالي لمحاولة الاستيلاء على الحكم ــــ بعناوين تحذّر كلّها من أردوغان، ومن استغلاله الحدث لفرض هيمنة حزبه، وإقصاء أعدائه، والدفع صوب نظامٍ رئاسيّ سلطويّ. هنا، يحقّ للإسلاميين الأتراك أن يدّعوا أنّ الإعلام الغربي لا يكرههم إلّا لأنهم إسلاميون، حتّى ولو حموا الديمقراطية بأجسادهم.

خارج السياق

من جهةٍ أخرى، فإن "العدالة والتنمية" ليس مجرّد واجهةٍ إيديولوجية، أو شعارات إسلاميّة، أو "إخوان". هم، قبل أيّ شيءٍ آخر، تجّارٌ وصناعيّون وشبكةٌ ضخمة تضمّ جزءاً أساسياً من الاقتصاد المنتج في تركيا ومن مجتمعها: آلاف التجار والحرفيين الصغار، شركات كبرى للبناء والمقاولات، صناعات التصدير، إلخ… وهؤلاء خلفهم ملايين العمّال والموظّفين، ويموّلون آلاف الجمعيات والمنظمات والمدارس، ويمتدّ تأثيرهم من وسط تركيا إلى كلّ أرجاء البلاد. وحين يفتخر أردوغان وأركان حزبه بأنّ الفضل يعود إليهم في نجاح الاقتصاد التركي، فهم لا يقصدون الإدارة السياسية فحسب، بل إنّهم ورفاقهم وشركاءهم قد "بنوا"، شخصياً وبأيديهم، النموذج الاقتصادي التركي الحالي (بحسناته وسيئاته)، وكانت شركاتهم واستثماراتهم ومصانعهم هي التي تقود التوسّع الاقتصادي في البلد خلال السنوات الأخيرة. من هنا، من الصعب أن نفهم كيف كان يمكن انقلاباً عسكرياً أن يحكم البلاد، حتى ولو نجح في احتلال القصر، وهو يعادي هذه الكتلة الاجتماعية الهائلة.
هنا يخطئ الكثير من المحللين ــــ عرباً وغربيين ــــ حين يتعاملون مع النظام التركي وكأنّه زمرةٌ حزبيّة، سرقت الحكم في ليلة غفلة ومن الممكن إخراجها بالطريقة نفسها. والبعض لا يميّز بين الحركات الشعبية في دولٍ كتركيا وإيران، فيها طبقات اقتصادية راسخة، تاريخية أو محدثة، تملك سلطةً اجتماعية حقيقية وقدرة حشدٍ وتأطير؛ وبين دولٍ حديثةٍ، كبلادنا، لم تولّد طبقات صناعية وتجارية كبرى، ولم تملكها تقليدياً، فصارت الدولة هي الفاعل الوحيد في الاقتصاد ويكتفي رجال الأعمال بالريع والتبادل البسيط مع الغرب. حين يغيب السياق التركي عن نقاش تركيا، يضحي من السهل أن يُختزل الحدث في ثنائيات إيديولوجية هيولية، أو أن تراه عبر حساباتك المحلية، وأنت ــــ بالنسبة إلى الفاعلين الأتراك ــــ لست في البال. يستوي هنا من صفّق للانقلاب ولـ"عودة الجيش" و"الأتاتوركية" (أردوغان نفسه يصرّ على أنّ خلف الانقلاب إسلاميّين آخرين، حركة غولن، لا علمانيين قوميين) مع من دبّج المدائح في أردوغان، وأرخى العنان لخطاب ذمّ النّفس وشتم العرب والحديث عن الرئيس التركي ــــ صديق الصهيونية، وعضو الـ"ناتو"، والذي يُسهم في تدمير سوريا، وتقسيم العراق ــــ كـ"مثالٍ" للمسلمين، لأنّه "ديمقراطي" ويمثّل إرادة "الشعب" (بهذه المقاييس، يجب أن ندعم إسرائيل لأنها ديمقراطية).
حين يغيب السّياق لا ننتبه، مثلاً، إلى أنّ إفشال الانقلاب لم يجئ عبر حركةٍ شعبية عفوية، بل لأنّ أردوغان قد أعدّ تنظيمات أمنية موازية للجيش، مهمّتها تحديداً منع انقلاب كهذا؛ وأنّ حزبه قد نظّم آلاف الشباب الأتباع، المعدّين للدّفاع عن النّظام في حال تهديده من العسكر أو أيّ عدوٍّ داخليّ (بحسب الوكالات العالمية، من خرج وتصدّى ليلة الجمعة كان أساساً جمهور "العدالة والتنمية"، وقلبه الصلب، فيما "ظل العلمانيون في منازلهم" وفق تعبير "بلومبرغ". ويقول موظّفون في "سي أن أن تورك" إنّ وجوه الناس التي تقاطرت إلى مقرّ القناة في أنقرة، للدفاع عنها ضدّ الجنود المقتحمين، هي نفس وجوه المتظاهرين الذين كانوا يحاصرون القناة مهدّدين وصارخين حين يهاجمها أردوغان وينتقد تغطيتها). من دون فهم هذا السياق وتعلّم الدّرس الذي فقهه أردوغان وطبّقه، يضحي من السهل أن نبني سرديات مثاليّة عن "انتصار الشعب"، والكلام على "شعب تركي شجاع" مقابل "شعبٍ عربي جبان"، بدلاً من أن نستنتج أنّ أردوغان، لو لم يبنِ هذه التنظيمات ولم يتحسب للانقلاب ويستعد للدفاع عن مشروعه، لما كان مصير "الشعب" ("شعب العدالة والتنمية"، أقلّه) أفضل من مصير مثيله في مصر، أو غيرها.

الحرب في بلادنا

أصدح الأصوات العربية، وتلك التي تماهت مع أطراف الحدث التركي، لا يهمّها السياق التركي وما يحصل فيه وما خلفياته، بل هم يقاربون الموضوع بالكامل كمباراةٍ مع خصمهم العربي، ومجمل الموضوع لديهم ــــ تماماً كما لدى جماهير الكرة ــــ يختزل في "إغاظة" الخصم، والتباهي بأفعال الغير، والدعاية الحزبية المبتذلة، فهم يعرفون جيّداً أن هذا هو منتهى علاقتهم بالحدث. في وسع المهووسين بأردوغان وبالإخوان (سلباً أو إيجاباً، المنتظرين للخلافة العثمانية والمذعورين من عودتها) أن يتابعوا مسرح السياسة التركية ويراهنوا عليه؛ وقد استورد بعض "الإخوان" العرب، في مقاربتهم للحدث، أسوأ ما في الثقافة السياسية لـ"العدالة والتنمية": تصوير كلّ "الآخرين"، من أميركا والسعودية إلى إيران والماسونية، كأعداء متّحدين "ضدّنا"، ونحن وحدنا من يناضل بشرف. هذا الخطاب قد يكون أداةً نافعة في السياق التركي الداخلي لحشد الأصوات وخلق عقلية حصارٍ وطوارئ بين الأنصار، ولكنه، على ألسنة "مشجعي" أردوغان العرب، ينقلب نكتةً.
أمّا من تهمّه النتائج المادية للأمور، وتأثيرها بواقعنا في المشرق، فإنّ الحسابات هنا مختلفة تماماً. المشكلة مع أردوغان ليست أنه "ديمقراطي" ولا أنّه "إسلامي"، المشكلة هي دور بلاده في سوريا والعراق وفلسطين، وهذا الدّور كان سينفّذ، على الأرجح، سواء في وجود أردوغان أو غيره. التأثير الحقيقي للانقلاب، بالمعنى المباشر علينا، هو ليس في استبدال إسلامي يناصر إسرائيل وأميركا بقوميّ طوراني يناصر إسرائيل وأميركا (بالمناسبة، الرمز الأساسي لمخطط الانقلاب، القائد السابق لسلاح الجو التركي، كان ملحقاً عسكرياً في إسرائيل). أفضل ما يمكن أن يحصل لبلادنا هو أن ينكفئ الحكم التركي، وينشغل بمشاكله الداخلية، ويتركنا في حالنا. من هذا المنطلق، تقول "ستراتفور"، لم يعد الجيش التركي، المهتزّ أصلاً، قوّة قتالية فاعلة بعد تطهير الآلاف من عناصره ووضعه بأكمله في دائرة الشك. يقدّر المركز الأميركي أن الجيش التركي سيستلزم سنواتٍ عديدة لبناء كوادره واستعادة الثقة بنفسه بعد التطهيرات المتكرّرة، ولن يقدر أردوغان، في هذه الأثناء، على الاعتماد عليه في مغامرةٍ خارجية أو تصعيدٍ ضدّ سوريا والعراق ــــ وهنا تكمن النتيجة المباشرة الأولى لمحاولة الانقلاب.
المشكلة مع أردوغان، من وجهة نظرٍ مشرقية وواقعية، ليست "شخصية" أو إيديولوجية. كنّا متعايشين مع أردوغان ونظامه قبل الحرب، وإذا ما انكفأ النظام التركي أو غيّر سياساته أو تغيّر، فإننا سنتعايش معه مجدّداً، وإن مضطرّين. ولا مجال على المدى البعيد مع بلدٍ بحجم تركيا، وبجوارها لنا، إلّا للسّلام. أمّا من لا يمكن التعايش معه فهم من قاد ميليشيات أردوغان في بلادنا وتوّرطوا في القتل والعمالة، وصاروا، بدلاً من أخذ موقفٍ واضحٍ ضدّ الطائفية وتركها لـ"داعش" و"النصرة"، يخرجون علينا يوماً بـ"إسلامٍ خليجي" ويوماً بـ"إسلامٍ أميركي"، واليوم "إسلام ديمقراطي". لا مانع من رفع الديمقراطيّة شعاراً، ولو لأسبابٍ نفعيّة، لكنّ بعض الناس حين يرفعون شعاراً ومثالاً، فهم يخفضون من قيمته، ولا شيء يجعل تعبير "الديمقراطية" فارغاً وينتقص من معناه كأن تخرج دعواها، كما يحصل اليوم، من على منبرٍ طائفي تموّله قطر.