قبيل انتهائي من كتابة هذا المقال، كنت قد بدأت في البحث عن صورة مناسبة من الموصل لكي أربطها به، فبدأت في بحث بسيط في محرك البحث «غوغل» كاتباً «موسيقى الموصل» في اللغة العربية ثم في الإنكليزية، وأطاحتني الفاجعة. النتائج الأولى لهذا البحث كانت صوراً متفرقة لممثلي «داعش» وهم يقومون بنحر رؤوس بعض من الشبان، وربما كانوا أطفالاً. شيء ما في داخلي كان يدفعني لكي أعرف أكثر، ولكن لم يدعني قلبي، وربما رفقاً بي، من أن أضغط على تلك الصور لكي أقرأ الخبر وأعرف المزيد، فاستسلمت لتوقّعي أنهم قد دفعوا بأرواحهم الطاهرة ضريبة الاستماع إلى الأغاني تحت سلطة ذلك المحتل.

لا يخفى عني وعن الكثير منّا هذا الواقع الذي تعيشه شريحة كبيرة من العراقيين في المناطق المحتلة، وربما المحررة/ الحرة أيضاً. ولكن، بعيداً عن الخطاب الداعشي الذي سقط في فخّه الكثير من العراقيين، وغير العراقيين، في تصوّرهم وتصويرهم عن الموصل وأهلها، تبقى الموصل ذات طابع ثقافي وعاطفي واجتماعي يتم إخفاؤه قسراً عمّن هم خارج الموصل (وربما أيضاً عن الجيل الجديد في الداخل) والذي تتمثل واحدة من صوره في الأغاني الفولكلورية القديمة. أنجبت الموصل الكثير من المثققين والفنانين؛ أمثال المصور الفوتوغرافي مراد الداغستاني، والفنانين التشكيليين الرائدين جواد سليم وراكان دبدوب، والموسيقيين جميل ومنير بشير، وعالم الآثار بهنام ابو الصوف الذي تروي لي جدتي عنه الكثير، حيث كان جارهم في زيونة (إحدى مناطق بغداد،) والمعمارية زها حديد وغيرهم.
ولكن يجب أن نستوقف هنا مع الأغنية الموصلية التي لعلها تخطفنا بعيداً، ولو للحظات، عن الواقع المرير الذي تمر به الموصل وأهلها، وتذكرنا جميعاً بأن هنالك موصل لا تزال على قيد الحياة ليس فقط في الذاكرة، وإنما أيضاً في داخل البيوت. من الشفاه وعلى الآذان تروّح عن أهلها وتذكرهم هم أيضاً بأن هنالك أملاً لتلك الموصل بأن تعود روح أم الربيعين لها (تسمى كذلك لجمال طبيعتها ومناخها في فصلي الخريف والربيع) حتى بعد كل ذلك الدمار والخراب اللذين قامت بهما وحوش من الأنس.
وبالتنظير في نفس إطار مفهوم «الإنسانية» الذي كتب من خلاله عبد عزام مقاله المهم جداً «الحرب على ذاكرة الحداثة: داعش مثالاً»، استخدم عزام لفظ «وحوش من الأنس» لأنه يجب علينا ان نتردد في تصوير داعش كوحشية خارجة عن البشرية لأن ذلك قد يؤدي الى نزع المسؤولية الانسانية التي تقع على عاتقهم، حيث اننا قد نكتفي بتصويرهم كوحوش وبذلك نغفر لهم الجرائم والمجازر التي ارتكبوها بحق الأرواح والأجساد والأفكار والطبيعة بحجة أنهم خارج حدود الانسانية، وبالتالي لا يمثلوننا أو ينتمون إلينا، في حين أنهم في الواقع من رحم هذه البشرية التي ننتمي إليها والتي قد ارتكبت جرائم ببشاعة هذه.

تبقى الموصل ذات
طابع ثقافي وعاطفي واجتماعي يجري إخفاؤه قسراً

العصر الحديث غزير بمثل تلك الاحداث الوحشية، الكثير منها أيضاً أعطي منحى دينياً، ابتداء من فترة العبودية والاستعمار الأوروبي لمعظم شعوب ما يسمى «العالم الثالث»، والتي لا تزال آثارها ظاهرة في مجتمعاتنا، الى احتلال العراق التي "داعش" ما هي الا نتاج تلك الخطيئة الأولى. وفي حين أن مفهوم «الانسانية» المستخدم في معظم الخطابات الاعلامية والسياسية هو مفهوم يحمل في فحواه أفكاراً ونظريات غربية (أو كولونيالية كما ذكر عزام) عما نعني بتلك «الانسانية،» فإنه مع ذلك تبقى هنالك مبادئ أساسية وعالمية/ بشرية، عابرة للأيديولوجيات المختلفة التي نحملها، تتفق عليها «روح» البشرية بشكل عام.
ولكن بالعودة إلى الذاكرة، فالذاكرة خالدة ما دام هنالك ما يذكرنا بها مادياً أو خيالياً وما يواصل الحفاظ عليها وتذكّرها على مرّ الأجيال، ولن تستطيع كل تلك الوحوش البشرية ان ترطمها تحت حطام الآثار التي دمرتها، كما قامت مثلاً مجموعات «داعش» في تدمير نصب الملحن والشاعر العراقي الملا عثمان الموصلي (مواليد ١٨٥٤) في أوائل أيام اجتياحهم للموصل في عام ٢٠١٤ والذي لا يزال الكثير من ألحانه وموشحاته نستمع إليها يومياً، مثل: «زوروني بالسنة مرة» و«يا أم عيون السود» التي غناها ناظم الغزالي و«قدك المياس». وهنا يقبع جمال الموسيقى، في ان حدودها تعبر الآلات والافراد الذين يلدونها. فهي تبقى كدندنات على اللسان وكلمات على الشفاه، تنصب لها خيماً في الذاكرة نحتمي تحت ظلالها، تسلّي القلب في بعض الأحيان، وتدمعه في أحيان أخرى، وما علينا الا ان نبحث عنها ونستقصي أصداءها. ولكن المهم أيضاً في الموسيقى انها لا تمثل ذاكرة واحدة فقط وإنما تحمل في طيّات كلماتها وألحانها طبقات (سينوغرافيات) عديدة ومتداخلة من الذكريات الجمعية/ الثقافية التي تشمل، ولا تنحصر، في الأماكن والأطعمة والمصطلحات التي في هذه الحالة تذكرنا بالموصل وبثقافة الكثير من أهلها وعاداتهم. فمثلاً، الأغنية الفولكلورية «كم يردلي يردلي سمرة قتلتيني» التي اشتهرت بعدما غناها الفنان سعدون جابر تتحدث عن الرابطة ما بين الدين والعلاقات العاطفية عندما يناشد حبيب مسلم حبيبته المسيحية ان لا تتركه ويطمئنها عندما يقول «انتي على دينك وأنا على ديني... صومي خمسينك وأصوم ثلاثيني» ان تنسى الفارق الديني بينهما. فالحب الذي يكنّه لها ويجمعهما أكبر من ان يفرقه اختلاف الأديان. وأغنية «يا سماق» هي الأخرى تذكرنا بمنحى آخر أقل تعقيداً من الأغنية السابقة، وهي طبيعة وتنوع الأكل الموصلي عندما يتغنون به، ناشدين «يا سماق يا سماق أكلة دهينة وما تنطاق» ويستذكرون الأكلات الموصلية كالدولمة قائلين «طبختُ دولمة دهينة وعزمتُ إمي المسكينِة» التي هي بالفعل دهينة جداً عندما كانت تطبخها جدتي المصلاوية حتى في الغربة.
استذكار الموسيقى والأغاني وإحياؤهما كجزء من الثقافة الجمعية لا يصطنع «صوراً مسرحية» في المخيّلة عن تلك المدينة، وإنما هو يذكّرنا بواقع حقيقي كان قد عاشه، ولا يزال يُعشّش فيه، الكثير من أهل الموصل في الداخل والخارج. لذلك، وجود تلك الأغاني كموروث شعبي جزء مهم من حملة الحفاظ على، واستعادة الموصل من (الأيدي) لوجيات (الأيديولوجيات) المخرّبة التي عبثت بها. والقصد هنا ليس تأصيل فكرة أو تصويراً معيناً قد أكل الدهر عليه عن الموصل، أو تصوير صورة أحادية تاريخية عن الموصل، ولكن أن ندرك أنه يجب أن يكون هنالك خطاب بديل يتم من خلاله تذكّر الموصل، غير خطاب «داعش» من جهة، وتعميم الاتهامات من جهة أخرى، مع الأخذ بالحسبان في الوقت نفسه الواقع المرير في السنين الأخيرة والتغيرات النفسية والفكرية التي قد نتجت منه. التعريف بمثل هذا الخطاب يمثل عملية نشر لذاكرة من الموصل وجعلها تتنقل بين الأجيال والأجناس التي قد لا تكون لها معرفة جيدة بالموصل، وبالتالي تخرج تلك الذاكرة من نطاق المجتمعات التي تتذكرها، وتصبح أيضاً، ولو سطحياً، بين أيدينا نحن عوضاً من أن تبقى مسيّجة وحبيسةً في الداخل الموصلي (وحتى العراقي) تحت تهديد المجموعات والمؤسسات التي تعمل على طمرها وإبدالها بتاريخٍ أحادي وشمولي يصور الموصل وأهلها كمنبع «للإرهاب».
من المهم هنا أن أؤكد أنني لا أُعنى هنا بالتاريخ ولكن بالذاكرة، وهنالك فرق بينهما كما ذكر «بيير نورا» في «أماكن الذاكرة». فالذاكرة هي ذاكرة الشعوب أو الأفراد (وعادة ما يختلطون) وماضيهم المتوارث، حقيقياً كان أو متخيلاً بسبب الصدمات النفسية. أما التاريخ فهو عادة ما يكون نتاج مؤسسات ومجموعات تنتج تاريخاً كان قد اختير استراتيجياً، «يشكُّ في (أجزاءٍ من) الذاكرة» ويعملُ على «تدميرها وقمعها» ثم يعيد هذا التاريخ تأريخ نفسه انتقائياً بصور شموليّة عدة مع مرور الزمن عن طريق مؤسسات أخرى تحمل الأسس الأيديولوجية نفسها. «داعش» في الموصل مثالاً على ذلك، فما يقومون به ما هو الا استخدام لتاريخ اسلامي معين، مُؤولاً كان أو صحيحاً، وإعطاؤه القدرة على انتاج نفسه كحقيقة هويياتية من خلال الأيديولوجيات التي تدعم مثل هذا الخطاب الداعشي الدامي. ولكن يجب الذكر هنا أن «نورا» يؤكد أيضاً أن هذا لا يعني انعدام التاريخ في «أماكن الذاكرة» نفسها، فكما ذكرت سابقاً هذه الأغاني/ الأماكن تحمل بنوتاتها تاريخاً ثقافياً من/ عن الموصل، ولكن أيضاً تاريخ نتج في لحظات الاستماع اليها بعدما تحول فحواها من واقع الى ذاكرة.
لذلك، وبالعودة الى الموسيقى، عندما لا يصبح المحتوى العملي لهذه الذكريات الثقافية جزءاً من الواقع الاجتماعي الممارس يومياً، تتحوّل الموسيقى نفسها الى «أماكن للذاكرة» يمكننا من خلال إحيائها الاستمرار بإحياء الموصل نفسها، لأن «سعاد ما ماتت» كما تقول الأغنية الموصليّة، مع الحفاظ على العاطفة التي تحملها، والحنين والحزن اللذين تجرّهما خلفها.
* باحث في دراسات علم الإنسان في جامعة ويسترن ـ كندا