أسوأ أساليب التعامل مع الأزمات هو ذلك الذي يؤدي إلى المزيد منها: أي إلى تأجيج أو تعميق أو استعصاء تلك الأزمات. ذلك ينطبق، بشكل خاص، على الأزمة اللبنانية، لجهة ما يعتمده أرباب النظام السياسي اللبناني من أساليب ومحاولات لحلحلة أو «تقطيع» مشاكلها واختناقاتها: القديمة والجديدة.

مناسبة هذا الكلام هي، حالياً، مرور سنة على شغور موقع الرئاسة الأولى في البلاد. هذا الشغور لم يكن صدفة سيئة حالت، حتى الآن، دون رغبات و»حقوق» العماد ميشال عون (أو سواه) في بلوغ سدة الرئاسة. الشغور، المفتوح على المزيد من الوقت والتعقيدات الإضافيين، هو امتداد «طبيعي» لأشكال أخرى من الشغور والفراغ (ولو لم تحمل هذا الاسم بسبب التواطؤ أو التشاطر أو ذر الرماد في العيون، أو بسبب ما اعتادته أكثرية المواطنين من التدليس والاحتيال من قبل المسؤولين ومن التطنيش واللامبالاة من قبل هذه الأكثرية نفسها!).

إن الفراغ والشعور يشملان، تقريباً، كل المواقع الأساسية، السياسية والإدارية والأمنية والعسكرية في البلاد. هذا فضلاً عن شمولها المؤسسات التشريعية والتنفيذية نفسها. المجلس النيابي مدَّد لنفسه، لولاية كاملة، من دون سبب قاهر وخلافاً لأحكام الدستور. هو بذلك خطا الخطوة الأولى في هذا المسار.

أسوأ ما بلغه الانحطاط
السياسي هو ما يتناول
المؤسسات الأمنية وتناتش مواقعها
عن المجلس النيابي تنبثق السلطات الأخرى. هو الذي يضفي عليها الطابع الشرعي وفقاً للدستور والقوانين. حين يفتقر المجلس نفسه إلى الشرعية، فعلى كل «شرعية» أخرى السلام! أما سبب الشغور، بالتمديد المتكرر، فهو «عذر أقبح من ذنب»: الخلاف على قانون الانتخاب الذي ينبغي أن يكون، حتى تفاصيل التفاصيل، ملبياً لمصالح أطراف المحاصصة، بحيث تُقرر النتائج قبل إجراء الانتخابات (التي تشوبها أصلا اختلالات خطيرة : تسخير السلطة، والرشوة والتزوير...)!
الصيغة السياسية التي توسلت المحاصصة الطائفية والمذهبية وولدت أزماتنا كافة ومن ثم الإصرار على عدم تطوير هذه الصيغة، هما اللذان أديا إلى «الشغور» المتكرر والشامل والمشحون بالتوتر والانقسام والتبعية للخارج، والمتواصل مع عقود من النزاعات والأزمات التي تخللتها محطات عديدة دامية من الاحتراب والتقاتل والعنف. ولقد ولد ذلك، بالنتيجة، عجزاً مزمناً، يتضخم يوماً بعد يوم، عن بناء وطن موحَّد وحصين ومستقر ومستقل ومزدهر... وطن مهدد الآن، بما هو أسوأ: أي بوجوده نفسه.
يحصل الطور النوعي الراهن من التدهور في أوضاعنا وعلاقاتنا، فيما المنطقة تتعرض لأسوأ مشروع للتفكيك والتفتيت، لن تتبلور ملامحه ونتائجه إلا بالدماء والدمار اللذين سيعيدان المنطقة عقوداً طويلة إلى الوراء. لبنان ليس مجرد مراقب، أو محايد في هذا الصراع المخيف الدائر في أربع أرجاء الوطن العربي. إنه في قلب هذا الصراع، ولو اقتضت اعتبارات، تبقى موقتة، تحييده، جزئياً، عن الصيغ الأشمل والأعنف من التقاتل والاحتراب. وإنه لأمر معيب، ومأساوي وتدميري أساساً، أن تنصرف أكثرية القوى السياسية النافذة إلى محاولة تحسين مواقعها الخاصة على حساب مصالح البلاد العامة. فهي تخوض، لهذا الغرض، أشرس المعارك، شاهرة أسلحة التحريض والتكاره والعصبيات (وخصوصاً منها المذهبية)، فضلاً عن التعطيل بممارسة الفيتوات المتبادلة وباللجوء إلى التمديد ومخالفة القوانين والعبث بالدستور الذي يفصِّله كل طرف على قياس مصالحه واعتباراته الفئوية الداخلية أو التزاماته وارتهاناته الخارجية. ولعل أسوأ ما بلغه الانحطاط السياسي وطنياً وأخلاقياً، هو ما يتناول المؤسسات الأمنية وتناتش مواقعها، فيما القوى العسكرية والأمنية تواجه تحديات الإرهاب وتمارس معمودية الدم، كما لم يحصل من قبل. وإنه لما يستحق التوقف، لأخذ الدرس والعبرة، أن شيئاً، ولو جزئياً ومحدوداً، من التوحد السياسي الذي أملته اعتبارات مؤقتة (وهو مهدد الآن) قد مكَّن، مع ذلك، هذه القوى العسكرية من أن تحقق نجاحات كبيرة. فكيف لو استندت إلى قرار وطني حازم وموحَّد، مع توفير كل المستلزمات المادية الضرورية له ولها، لتأدية واجبها الوطني؟!
في غياب الحد الأدنى، ولو الشكلي، من شرعية المؤسسات والآليات، يتفاقم الفعل الفئوي في الوزارات والإدارات. ولا يندر أن يحل الوزير محل مجلس الوزراء، وأن يُقدم على اتخاذ قرارات وإجراءات خلافاً للصلاحية المنوطة به. بل إن الوزارات باتت أقرب إلى دكاكين تمارس فيها الفئوية السياسية والمحسوبية إلى الحد الأقصى. هذا السلوك وسواه يفضح ذلك الإلحاح الفاجر على استخدام الطائفية والمذهبية من أجل مصالح فئوية وخاصة: حزبية وعائلية وزبائنية على حساب الحقوق والمصالح والقوانين العامة، وعلى حساب الكفاءة وكرامة المواطن وحقوقه، وعلى حساب مستلزمات معافاة الوطن وإنقاذه من أزماته المهددة لوجوده ووحدته ومصالح شعبه عموماً.
ليس غريباً، في ظل هذه الأجواء المشحونة والمريضة، أن يمر عيد التحرير، هذا العام، من دون أن يأخذ مكانه الطبيعي الذي يتناسب مع حجم ما ينطوي عليه من إنجاز يتخطى الحيِّز الوطني إلى المدى القومي العام. بل إن الاحتفال بهذا العيد الذي كان محصوراً ومحدوداً، قد شكل، هو الآخر، مناسبة لإظهار حجم الانقسام في البلد ولإطاحة الكثير من القليل المتبقي من مشتركات وطنية أساسية. طبعاً، ذلك ينذر بالأسوأ. والأسوأ، هنا، ليس مادياً وسياسياً فحسب، بل لجهة تداعي الركائز والشروط المعنوية والأخلاقية والتأسيسية التي يمكن أن يبنى وينهض على أساسها كيان وطني قابل للحياة وقادر على مواجهة التحديات والأزمات.
ليس تدارك الخلل الخطير القائم والمتفاقم أمراً يقبل ترف التبرير والتأجيل. إنه خطر داهم خصوصاً في هذه الظروف التي يستشري فيها، كما لم يتوقع أحد، إرهاب مجموعات تكفيرية، هي في الوقت عينه جزء من الصراع «التقليدي» وإحدى أدواته التي توفرت لها، بسبب ذلك، قدرات هائلة من كل نوع. ذلك يطرح، بين أمور أخرى، مهمة أيضاً، مسألة بيئاتنا الاجتماعية والدينية والمذهبية. يطرح ضرورة العودة إلى جذور التعصب والفئوية في مناهج وطرائق ومؤسسات تربوية وإعلامية ودعوية: رسمية وخاصة، وكيف يجرى تغذية واستغلال ذلك. وإنه لأمر إيجابي أن تنطلق مواقف تشير إلى تلك الجذور في توليد التعصب الداعشي وسواه. لفت الإعلامي السعودي داوود الشريان إلى بعض هذا الأمر في مقالة، لا يعوزها الوعي والصدق، فكتب: «جريمة القديح (في القطيف) تستدعي منا جميعاً أن ننظر إلى ذواتنا وأفعالنا ومفاهيمنا عن بعضنا البعض. إقرأ ما يُكتب في منصات التواصل الاجتماعي. استمع إلى بعض خطباء المساجد، والأحاديث الدينية في القنوات والإذاعات الدينية، ستجد أننا، نعيش حالاً من التحريض الذي يعد سابقة. تأمل بيان داعش الكريه الذي تبنى قتل أهلنا في القديح، ستكتشف أنه يتكرر في وسائل إعلامنا وخطبنا بصيغ مختلفة... المسيرات والمقالات... المنددة لن توقف هذه الجرائم ضد الأبرياء طالما استمر خطاب التحريض على المواطنين الشيعة في بلادنا» («الحياة»، 24 أيار الجاري). كذلك احتج النائب «المتشدد» السيد علي مطهري في جلسة للبرلمان الإيراني على عدد من السياسات الرسمية قائلاً: «في وقت لا نسمح بإعطاء ترخيص لأهل السنَّة لتشييد مسجد في طهران، كيف يمكن توقع الوحدة بين السُنَّة والشيعة...» («الحياة»، 12/1/2015). أثارت مداخلة مطهري تلك عواصف لم تهدأ حتى الآن. نذكر في هذا السياق أيضاً اعتراض السيد مقتدى الصدر، منذ أيام، على شعار «الحشد الشعبي»: «لبيك يا حسين» ومطالبته باستبداله بشعار «لبيك يا عراق»، وكانت الاستجابة سريعة.
يتحدث قادة ومسؤولون أوروبيون وغير أوروبيين، خصوماً وأصدقاء، بشكل «عادي» ومتزايد الآن، عن تقسيم بلدان العربية تعاني نزاعات متفاقمة. وزير الخارجية الروسي أشار إلى أنّ «المواجهة الشاملة بين السنة والشيعة باتت أكثر وضوحاً».
لم يعد يكفي إلقاء المسؤولية على العدو الخارجي. ثمة مسؤولينة علينا في المساهمة بتوليد الأزمة وبدفعها إلى ذروة التأزم، وثمة واجب علينا في معالجتها: قليلاً من التبصر والعقلانية!
* كاتب وسياسي لبناني