في ظلّ تصاعد حدّة «الانقلاب داخل الانقلاب (الفاشل)» في كافة أرجاء تركيا، يواجه القضاة والأكاديميون والصحافيون وغيرهم حملات اعتقال واسعة، إذ وصلت أعداد الموقوفين إلى عشرات الآلاف.

وتناول مؤيدون للشعب التركي في العديد من الدول إعادة الهيكلة هذه لهندسة الدولة التي تتخذ طابعاً ممنهجاً وشمولياً وانتهازياً، فأدانها ولو من خلال تضامن رمزي. لكن ثمّة أمر لم يحظَ بما يكفي من التمعن، وقد تطور بشكل لافت في الأيام الماضية، ما يثير مخاوف الناشطين الحقوقيين في تركيا. فقد تبنى حزب العدالة والتنمية بنحو سخيف لغةً انشقاقيةً تتحدث عن شرعية ممنوحة من «الشعب» انطلاقاً من الحشد الشعبي في الشارع ليلة 15 تموز (مهما كان فهمنا لتركيبة ذلك الحشد وولاءاته) وتحويل هذه اللغة إلى واقع قاتم قد يزيد الوضع تفاقماً.
ففيما تستمر التظاهرات والمسيرات اليومية/ المسائية المدعومة من الدولة، باتت رسالة «الشعب» تهديدية بشكل واضح، حيث يُعبَّر علناً عن شعارات مذهبية/ فوقية ومعادية للأجانب ورجعية توجّه خلالها التهديدات، ما يزيد من خطر وقوع اعتداءات تستهدف الأقليات الدينية والإثنية، إلى جانب احتمال الاقتصاص من كلّ من تراه الحكومة معارضاً. وغداة الانقلاب كان من السهل توقع الجهات التي ستُستهدَف، وهي الأحياء العلوية وتجمعات اللاجئين ومكاتب حزب الشعوب الديمقراطي (على الرغم من أن هذه الحزب وغيره من التيارات اليسارية أدانت الانقلاب). وقد ترافق ذلك مع المطالبة الواسعة بإعادة العمل بعقوبة الإعدام التي دُعي إليها على مستوى الأفراد، وعُبِّر عنها من خلال التهديدات بالقتل في المسيرات التي يرى الكثيرون أنها مدعومة من الشرطة والدولة.

إن حركة المعارضة
الشجاعة والمبدئية هي التي
تحتاج إلى التضامن

تقام هذه التجمعات المسائية اليومية في الشوارع والساحات عينها المحظورة على كلّ من سبق أن عبّر عن صوت معارض. إنها الشوارع والساحات ذاتها التي واجه فيها المطالبون بحقوق العمال والتيارات الاجتماعية والأكراد واليسار المتنوع والنسويات وأمهات وعائلات المُخفَين ورافضو الخدمة العسكرية والصحافيون والناشطون المدافعون عن المثليين الجنسيين وداعمو الحركات البيئية وغيرهم بطش الشرطة والاعتداءات والاتهامات بـ«الشغب» حين تحركوا ضد الإجراءات القمعية اليومية لحزب التنمية والعدالة ومن سبقوه. وبعد أن استحوذ موالو الحكومة والانتهازيون على «الشارع» كمكان لتظاهراتهم المسموح بها من الدولة، قد يتحول هذا المكان إلى حيّز للحصول على الشرعية السياسية القسرية من خلال استخدامه كـ«استفتاء» يومي ومستمر للشعب، يترافق مع حملات الاعتقال الواسعة والرقابة على مستوى الدولة. وكانت مثل هذه السوابق التاريخية التي سجّلت حول العالم، ونعني بذلك الحشد القسري في الشارع كدليل على إرادة «الشعب» بهدف تعزيز قوة الحكومات اليمينية، قد أثارت الكثير من المخاوف.
وفي الإطار السياسي للاستقطاب الاجتماعي الحاد، فشل الحزب المعارض الأكبر الذي يتسم بقومية شديدة ومفهوم ضيق للعلمانية في مواجهة الليبرالية الجديدة، والإسلامية المناهضة للتعددية التي يتبناها حزب العدالة والتنمية. أمّا أولئك الذين يناضلون ضد الاستقطابين معاً والذين يحشدون من أجل المطالبة بخيارات حقيقية تستند إلى المبادئ الجامعة والتحررية والحقوق، فهم يواجهون المزيد من القمع.
إن الموقف المبدئي الذي اتخذه حزب الشعوب الديمقراطي في خلال الانقلاب كان مثالاً على الثبات والانضباط والبقاء على المواقف الذي يستمر كثيرون في اليسار الأكثر تنوعاً في تجسيده. وهم يقومون بذلك حتى عندما يكونون على الطرف المتلقي لعنف السلطة الذي تعبّر عنه باستمرار ضد الأكراد وغيرهم من التجمعات والأصوات المعارضة في البلاد. فموقفهم الرافض لإزالة حكومة فاسدة وقمعية من خلال انقلاب عسكري لم يحترم وقوبل كما هو متوقع بمزيد من العنف، نتيجة ما تلاه وما سيتلوه في الأسابيع والأشهر المقبلة. فعملية التطهير ستتسع بلا شكّ لتشمل أولئك الذين بقوا ثابتين على مواقفهم في رفع صوت الحقيقة في وجه تعجرف السلطة في تركيا على مرّ الأجيال.
إن حركة المعارضة الأصلية الشجاعة والمبدئية هذه، هي التي تحتاج التضامن في هذا الوقت من القمع المتصاعد. إنها حركة معارضة ترفض الظلم التاريخي والعصري. إنها معارضة تناصر الأكراد الذين يناضلون في وجه السياسات المزدوجة القائمة على الاعتداءات الممنهجة ومحاولات طمس الهوية. معارضة ترفض نكران المجزرة الأرمنية وغيرها من المجازر، معارضة ترفض العنصرية والمذهبية السامة، والذكورية، ورهاب المثليين، ورهاب الأجانب. إنها معارضة تعرض بدائل عن عنف رأس المال، وتسليع الحياة والبيئة والعلاقات الاجتماعية. إنها معارضة ثابتة في تضامنها الدولي من كوباني إلى تشياباس إلى بالتيمور إلى المحلة الكبرى. إنها معارضة تناصر النضال الفلسطيني والسكان والمجتمعات المتنوعة داخل فلسطين الذين يشكلون جزءاً من هذا النضال - بطريقة عميقة وتعددية وصادقة (وبطريقة تكشف الدعم الحصري الانتهازي للإخوان المسلمين في أنقرة للإخوان في غزة).
إنها معارضة ترحّب باللاجئين والمهاجرين بصدق في أحضان تركيا، ولا تستخدمهم لتحقيق أرباح سياسية واتفاقات واهية للدخول إلى الاتحاد الأوروبي. إنها معارضة تقبل أن تحاسب، معارضة شفافة ومتجذرة في مبادئ التضامن والرعاية. إنها معارضة تحتاج في هذه الأيام الصعبة والعواصف القادمة إلى رفقاء وحلفاء وإلى دعم حقيقي ملموس.

* ناشطة إيرلندية، وطالبة دراسات عليا ومعدّة أفلام وثائقية