يسمي أبناء الشمال الإيطالي إخوتهم الجنوبيين، ترروني terroni وهي كلمة تحقيرية تعني أموراً كثيرة منها أهل الأرض أي الفلاحين. ولسلوك الشماليين جذور طبقية وسياسية وحضارية تنطلق من كونهم مجتمعاً صناعياً أكثر ثراءً وأوروبية من الجنوبيين الزارعيين. والذين يا للمفارقة كانوا يلقبون أحياناً حتى السبعينيات من القرن الماضي، «بعرب الجنوب». وذلك لأنهم يرونهم «متخلفين كالعرب» بسلوكياتهم وعقليتهم. وقد يستعملون تعابير يفهم منها أن الجنوبيين قذرون، كسالى، متخلفون، لصوص، همج، لا يحبون الخير لغيرهم، لطالما شوهوا سمعة الإيطاليين وخربوا فرص اليسار والنقابات بالتغيير بسبب جهلهم وتفشي المافيات بينهم وتأثير الكنيسة عليهم.

ومن هنا تشكلت منظمة «رابطة الشمال» عام 1989 على يد الشيوعي السابق إمبيرتو بوسي والداعية لفصل إيطاليا الأوروبية عن الإيطاليا العالم ثالثية المتخلفة. والتي أنتجت الكثير من الأدبيات والحزازات الثقافية والاجتماعية بين الإيطاليين حول من هو الإيطالي، وكيف يجب أن يكون؟ وما هي جدوى الوحدة والانفصال. ولكن مشاريع الانفصال الجارية ضمن الاتحاد الأوروبي سواء في بريطانيا، أو إيطاليا، وتشيكسلوفاكيا (سابقاً) هي مشاريع تعتبر بالنهاية إدارية واقتصادية مضبوطة نسبياً ضمن الأمن الاستراتيجي لحلف الأطلسي والمصالح الغربية العليا. فيمكن لسلوفاكيا أن تنفصل عن تشيكيا من دون أن تتأثر بقية البلدان الأوروبية بهذا الحدث.
أما في بلادنا التي يطل منذ فترة عليها شبح التقسيم بأدوات القوى الكبرى، والهويات الجديدة التي تبتكرها لنا فأمرها مختلف. بدءاً من الكيان الكردي حتى مشروع سوريا المفيدة، والتي لن تنتهي إلا بمذابح عبر عنها الزعيم الانفصالي الكردي مسعود البرزاني بأن الحدود اليوم سترسم بالدم. وكان حري به إضافة أن حدود الدم ستورث ثاراتٍ ودماء أيضاً.

الانعزالية الجديدة... نبتة الشرق الأوسط الجديد

هناك ثقافة انعزالية جديدة تشكلت بزخم قوي بعد 2003 في العراق، حيث يرى كل طرف أن خلاصه لا يأتي إلا بشكل من اللامركزية. والتي بدورها يمكن أن توزع السلطة على الأطراف مما يسمح بنموهم وإثرائهم كنخب محلية على حساب المركز. ولا يقتصر الأمر هنا على «القوميين الكرد» الذين يملكون اليوم أكثر الحالات الانفصالية تقدماً مقارنة بوأد وفشل التجارب الأخرى. فهناك فضلاً عن «المشروع الكردي» المذكور والذي ينقسم بدوره منذ عام 1991 على الأقل لسلطتين غير ظاهرتين. فإن ما لا يقل عن 6 إلى 7 مشاريع «شبه انفصالية» مطروحة على أرض العراق. منها مشاريع إقليم نينوى وعاصمته الموصل، وإقليم البصرة، أو الإقليم الشيعي الممتد من بابل حتى البصرة والذي يحب بعض الحالمين به تسميته «إقليم سومر»، وهناك مشروع «الإقليم السني» الذي نفذه عملياً تنظيم «الدولة» على الأرض، وهناك مشاريع صغيرة فشلت كـ«إقليم حلبجة» للأقلية الهورامية تقدر بـ 120 الف نسمة فقط (ويعرفون بالكوران أيضاً) والذين اكتفوا بتحولهم لمحافظة، ويرى انفصاليوهم أنهم ليسوا أكراداً، وليس لهم رغبة بالاستمرار كجزء من محافظة السليمانية. وهناك مشاريع أقاليم كل من ديالى وصلاح الدين التي أراد أغلب مجالس محافظاتها «أقلمتها» ولكن سكانها الشيعة وقواهم المسلحة أفشلوا المشروع منذ سنوات.
من حسن حظ العراقيين أن أغلب هذه المشاريع باستثناء الحالة «الكردية» هي مشاريع نخبوية الطابع. فأغلب المنادين بها سياسيون ومثقفون ومرتزقة طامعون، ولم تكن لها حواضن شعبية عميقة ولا نجحت في إيجاد قاعدة اقتصادية تبني عليها استقلالية الإقليم. ويمكن القول إن الخطاب الانعزالي عاش ربيعاً قصيراً عقب سقوط الموصل في حزيران 2014 ونجاح «داعش» في السيطرة على ثلث الأراضي العراقية ووضع الأسس العملية للإقليم السني الذي تديره «الموصل». والذي أوصلنا للتقسيم الذي بشرنا به الغربيون منذ عقود أو إعادة تشكيل البلد إلى ثلاثة كيانات (سنية، شيعية، وكردية)، مع إمكانية بقاء عشرات المدن والأقضية المتنازع عليها، أبرزها بغداد، الموصل، سامراء، كركوك وغيرها.
وأنا هنا لا أتحدث فقط عن «مشروع بايدن» السيئ الصيت بل أتحدث عن دراسات ومشاريع وخطط تعود لبداية التسعينيات على أقل تقدير ومنها دراسة غراهام فولر الصادرة عن مؤسسة «راند» الامبريالية عام 1993، والمعنونة: «العراق في العقد المقبل: هل سيقوى العراق على البقاء حتى عام 2002؟».
هذه الدراسة صدرت قبل غزو العراق بعقد كامل، ومثير فيها اختيار عام 2002، وكأن الباحث (الذي كان يعمل لوكالة المخابرات الأميركية CIA) على دراية بوجود تصور ما لبدء تقسيم العراق لدى دوائر صنع القرار. وهو ما حصل عملياً عام 2003 والكتاب بالمناسبة مترجم إلى العربية من (مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية). والكتاب يحتوي أفكاراً كثيرة ولكن تختصرها ثلاثة أفكار وهي أولاً: أن العراق المستقر هو العراق المقسم. وثانياً: أن مستقبل الأكراد هو مع تركيا، أي أن شمال العراق شأن تركي. وثالثاً: أن لا ضامن لشكل ما من الوحدة العراقية إلا بتدخل خارجي، والمقصود به الولايات المتحدة، وهو الفضل الذي لم يقدمه أحد لوحدة العراق سوى الإيرانيين وحلفائهم.
وبعد هذه الدراسة أخذت تنهال علينا سرديات الهوية المناطقية والمآسي الفئوية المذهبية والقومية خاصة في المهجر، ملحقة كل مآسينا بالعروبة تارة والإسلام عامة أو السلطاني أي السني منه تحديداً. ومن ضمنها تحويل الأقليات لـ«نخب رمزية» تحمل جرثومة الحضارة والتقدم تلقائياً مقابل الأغلبية البربرية العربية المسلمة. ومن هنا تأتي طروحات لمنح كل ذي حق مسلوب من ألاف السنين حقه، وذلك بتقسيم العراق ونبذ العروبة واللحاق بركب الحضارة!

صدمة الموصل 2014

شكّل سقوط الموصل صدمة أطلقت شياطين التقسيم فانطلق الخطاب الانفصالي بكل الاتجاهات ومن نخب كل القوميات والأطراف. ويمكن القول إنه إذا كانت صدمة سقوط بغداد عام 2003 هي التمهيد لإسقاط الدولة العراقية، فإن سقوط الموصل جاء ليعيد رسم الحدود. فمثلاً أخذت النخب الشيعية تنظر للسنّة كما ينظر أهل الشمال الإيطالي لـ«الترونيز» كما أسلفنا، وصار حق تشكيل الإقليم الشيعي حلّاً جذرياً للمشكلة. أما «القوميون الكرد» فأنتجوا منذ مدة خطاباً عنصرياً متكاملاً ضد العرب وبربريتهم ومسؤوليتهم على معاناة الكرد الأزلية!
وسأقدم أمثلة لساسة عراقيين يصنفون وفق معايير وطبيعة النظام الطائفي العراقي بأنهم وطنيون بالمعنى النسبي. وأنا أتحدث هنا عن النائب في البرلمان السيدة حنان الفتلاوي وزميلها عن دولة القانون سامي العسكري، اللذين اشتهرا بالتصدي لابتزاز مافيات الفساد والإرهاب. ولكن يبدو أن هذين النائبين لم يكونا مؤمنين تماماً بإمكانية استمرار العراق أو بمعنى أدق أن يستمرا هما في عراقٍ واحدٍ مع السنة والكرد بجمهورهم المتشدد ونوعية القوى السياسية التي ينتجها المجتمعان السني والكردي!
فالسيد سامي العسكري، وهو أحد رجال «دولة القانون» ومن المحسوبين على رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي والذي عُرف بتصديه لمطالب أربيل، ظهر في صيف 2014 كالمنهار والمتوتر أمام تعنت أحد المسؤولين الأكراد على شاشة «الميادين»، ودعا إلى تقسيم العراق لأنه ليس هناك حل آخر! طبعاً يمكن القول إن من سيتعب من تعنت القوميين الكرد في أربيل والسليمانية ويقبل بالتقسيم، فلن يكون لديه مانع أن يفعل الشيء ذاته مع «الأقاليم السنية» المتمردة.
أما النائب في البرلمان السيدة حنان الفتلاوي والمعروفة بفضح الفساد ومحاربة الفقر وتثبيت مركزية السلطة، كما أسلفنا، فكانت أيضاً من الداعين قبيل وبعيد سقوط الموصل لعدم إرسال أبناء الجنوب للمناطق السنية الساخنة أمنياً والمحتلة بدعوى حرصها على الدم الجنوبي أو الشيعي! وأن أهالي هذه المناطق هم من عليهم واجب تحريرها، أو أن ترسل الحكومة أعداداً متساوية من الشيعة والسنة لجبهات القتال هناك.
قد يكون في مثل هذا الكلام شي من الحق، ولكن جله باطل، وبلا أدنى فهم لطبيعة المعركة وتشكّل الأوطان وطبيعة تكون القوى العسكرية عبر التاريخ. فهذا الموقف هو عكس معادلة «سنكون حيث يجب أن نكون» التي طرحها حسن نصرالله، والتي تعني أن لا تنتظر المقاومة - المكونة لأسباب تاريخية من أهالي جنوب لبنان - أهالي حلب ليحرروا حلب.
وعُرفت الفتلاوي بحميتها الشيعية ما جعلها ذات شعبية هائلة بين قومها وهي التي كانت تقول مثلاً «بأن صبر الشيعة سينفذ» و«أنه لا يمكننا أن نبقى دائماً بقرة حلوب». فاقترحت «أن تشكيل الأقاليم يجب أن يكون عبر تمويل كل إقليم لنفسه، حيث أن إقليم الغربي يمول نفسه وكذلك إقليم الوسط والجنوب يمول نفسه»، بالإضافة لإقليم كردستان.

صديق البريطانيين، القاضي البصري

أما النائب والقاضي البصري السابق وائل عبد اللطيف فكان أكثر وضوحاً وصراحة في رغبته في تشكيل الأقاليم والانفكاك عن السنة والكرد. فظهر على شاشة قناة «الاتجاه» في حزيران 2014، ليبارك أهمية تشكيل الأقاليم ودفن المركزية وليشرح للجمهور أنه «في حال تشكلت الأقاليم فإن الشيعة سيكونون الرابح الأكبر».
ولمن لا يعرف السيد عبداللطيف، فهو السياسي البصري الذي تباهى بعلاقاته الطيبة بالضباط البريطانيين وبتوني بلير (رئيس وزراء بريطانيا) شخصياً، والذي التقاه وأخذ صوراً معه إثر زيارته للمدينة المنكوبة. عبداللطيف يحن في لقاء أخير له مع صحيفة «ذي غارديان» لأيام البريطانيين واحتلالهم لمدينته وبلده، والذي أفشل عملهم حسب اعترافه هو، إيران... طبعاً وليس أشقاء العراق العرب!
عبد اللطيف بالرغم من دعوته الشيعة لتشكيل إقليمهم والخلاص من السنة والكرد معاً لا بل من العراق نفسه، إلا أنه ظن أنه يكيد للشيعة مؤامرة أدهى. وهي مشروع إقليم البصرة (أغنى المحافظات العراقية)، لعله ينفذ نصائح أصدقائه البريطانيين ويراها كويتاً أخرى. ولكن مرة أخرى لم يوفق القاضي، حيث أفشلت إيران وأصدقاؤها في العراق مشروعه كما يعترف هو وبكل مرارة!
وتلاحظ هنا الكاتبة سارة بيرسلي أنّ الإقليم الشيعي هو تقريباً نفس المنطقة الشيعية التي تظهر بخريطة «سايكس بيكو» والتي كان يفترض أن يحكمها البريطانيون بشكل مباشر. و«الإقليم الشيعي» أو إقليم سومر كما يسميه بعض المراهقين، سيحفظ التاريخ لعبد العزيز الحكيم القائد السابق للمجلس الأعلى على أنه أول من نادى به ولكن تجربة الإقليم فشلت شعبياً بين الناس فتخلى عنها.
وبالرغم مما يقال عن قرب آل الحكيم سياسياً من إيران إلا أن هؤلاء كانوا يشكلون تاريخياً معقل الرجعية الشيعية وأحد أهم حلفاء المشاريع الغربية المعادية للشيوعية والحركات التقدمية في المنطقة. ورغم تخلي المجلس الأعلى عن الفكرة من الناحية الرسمية لعدم شعبيتها، إلا أن نبتة الإقليم الخبيث ظلت حية تطل برأسها بين الحين والحين في الأزمات وعلى صفحات الإعلام المشبوه ومنها موقف موقع «عراق القانون» الطائفي الشعبوي. وقد كتب فيه مصطفى الحسيني يسوّق فكرة الإقليم الشيعي للجمهور المصدوم بعد سقوط الموصل. وشرح ما سيجنيه الشيعة من فوائد الانفصال عن كردستان، وأنهم سيكونون بموقع أقوى للرد على السنة والانفصال عنهم عند أول خلاف: «سنربح 19 مليار دولار سنوياً من أموال نفط الجنوب، هي نسبة الـ١٧٪ التي تأخذها اربيل من بغداد»... «سنضع السنة العرب بزاوية ضيقة ونخيرهم بين الانفصال مثل الكورد بسلام أو البقاء معنا لكن بحجمهم الطبيعي الذي لا يتجاوز 20%»... «سنربح نشوء دولة كردية مجاورة لنا سوف تكون صديقة»... «سنربح بالجدار الكوردي استراتيجياً بالخلاص من الجار العثماني المزعج». هذه بعض المنافع التي ستدر على وسط وجنوب العراق في حال اعلان كردستان استقلالهم وتكوين دولة خاصة بهم، والسؤال المطروح الآن: «ماذا سنخسر في حال في حال إعلان قرار الاستقلال؟» (من موقع عراق القانون، 4 تموز 2014).

هناك ثقافة انعزالية جديدة تشكلت بزخم قوي بعد 2003 في العراق

ولكن «الانعزاليين الشيعة» وأغلبهم من النخب استسهلوا واستعجلوا أمراً لم ينجزوه بجهودهم، وأعني به تثبيت الأغلبية الشيعية في بغداد وضم سامراء لخريطة إقليمهم بعد 2014. فالأولى أنجزتها معارك «جيش المهدي» ضد متطرفي السنة، والثانية حفظها الحشد الشعبي. وكلا القوتين لا يؤمن بالتقسيم أو الأقلمة سواء على المستوى المرجعي العلمائي أو الشعبي على الأرض. فكانت الوقائع على الأرض قد تمت رغماً عنهم ولم تجرِ الرياح كما يشتهون.

الكويت، حلم الشيوخ

إن كان النموذج السياسي اللبناني الكولونيالي، هو المثال الذي يسير وفقه الكثير من أبناء الطبقة السياسية العراقية، فإن الكويت هي النموذج الأمثل للمشاريع الانعزالية التي كما رأينا تستبطن رؤية أميركية للتقسيم. فالكويت كانت منذ بداية القرن الماضي حلم كل شيوخ العشائر الصغيرة والكبيرة، كما أن «لبنان الطوائف» هو حلم كثير من نخب بعض الأقليات. وهنا يمثل آل الصباح تلك الأسرة العراقية ذات الأصول النجدية، بمثابة النموذج الانفصالي الناجح عن الكيان الجغرافي العراقي. وهي القرية الساحلية الصغيرة التي بدأت كميناء تهريب على الخليج هدفه تجنب ضرائب ولاة البصرة، لتصبح الإمارة الغنية المحمية غربياً التي تعرفونها. وكان هناك تصور شائع عند الكثير من قدامى موظفي البيرقراطية العراقية، أن ما شجع وحفز فصل الكويت ودعمها من قبل البريطانيين، هو رغبتهم في قطع الطريق على «خط بغداد - برلين الحديدي» الذي كان ممكن أن يوصل الألمان لمياه الخليج يوماً ما.
لكن الإمارة «الصباحية» في الكويت لم تكن سوى واحدة من عشرات الإمارات الصغيرة والكبيرة التي نبتت على أرض الرافدين منذ القرن الـ16 و17 على الأقل. ونجح ولاة بغداد المماليك وبعدهم العثمانيون (وهذا من حسن حظنا) في وأد وتشتيت هذه الكيانات الانعزالية والاستقلالية منذ عصر حسن باشا (1723-1704) والذي اعتبره مؤسس الكيانية العراقية الجديدة، في بداية القرن 18.
إمارة الكويت حلم كل الشيوخ، كانت الناجي الوحيد من هذه الإمارات البائدة، وصارت اليوم كما يبدو النموذج المثالي للإمارة الوراثية الغنية المحمية غربياً، وذات المجتمع الاستهلاكي غير المنظم سياسياً. وهي بالضبط ما يحلم به زعماء عشائريون مثل مسعود البرزاني وصديق عائلته عمار الحكيم. وآل الحكيم هنا تمثل من الناحية السياسية خيمة الرجعية الشيعية إن صح التعبير. وهم ومن خلال تنظيمهم السياسي (المجلس الإسلامي الأعلى) أول من طرح وبقوة فكرة الإقليم الشيعي الجنوبي والتي قوّت الموقف الكردي الانفصالي كما أسلفنا.

الأخوان النجيفي، حلم مشيخة السنة؟

ظهر الأخوان النجيفي أسامة، (كرئيس مجلس نواب 2010 - 2014)، وأثيل كمحافظ للموصل (2009 - 2014) كبديل من حليف تركيا الإخواني (طارق الهاشمي) ولكي يمثلا السنة وينقلا ثقل القوة السنية العراقية شمالاً نحو مدينة الموصل بعد خسارة معركة بغداد الدموية أمام الصدريين وحليفهم السابق نوري المالكي. ومن هنا لم يعد هناك معنى لدور سليل أسرة الهاشمي البغدادية المتنفذة تقريباً في كل عصر السيد طارق الهاشمي الذي لجأ لتركيا بعد مشكلته القضائية واتهامه بالصلة مع الإرهاب.
ظهور آل النجيفي يأتي بمثابة الدور الذي يفترض أن تلعبه الموصل باعتبارها قصبة إقليم الجزيرة العراقية أو ديار ربيعة أو «الإقليم السني» وكمركز جديد لسنّة العراق. وعلى الرغم من وجود تصريحات سابقة للنجيفي قبل سقوط الموصل، ترفض تشكّل الإقليم السني وتفضل الاكتفاء بإقليم نينوى، بالضبط كما يريد وائل عبداللطيف في البصرة لا كل الجنوب، إلا أن موقف النجيفي من الكيان قد تطور قليلاً بعد سقوط الموصل. ويبرر أثيل النجيفي، محافظ الموصل الهارب، أهمية تاسيس إقليم سني في العراق، بالقول: «مشروع الإقليم أصبح حاجة ملحة ولا يمكن للسنّة بعد اليوم البقاء ضمن السياقات السابقة سواء أكان ذلك قبل استعادة أراضيهم من داعش أم بعدها».
ويضيف: «إن التحول الكبير في العقل الجمعي السني [الذي] يجعلهم أمام مشروع سياسي حقيقي، يمكن أن تجتمع عليه القوى الرئيسة المؤثرة في أوساطهم، إلا أن هذا المشروع لا بد أن يرتبط بتشكيل قوة حماية داخلية وتأمين مصادر تمويل المشروع».
ما زالت «داعش» عملياً هي القوى المحلية التي تحمي الإقليم والتي طردت الجيش العراقي منه... والتي سيتم «طردها» هي أيضاً يوماً ما لتسلم القوة المحلية التي يعمل النجيفي ورعاته الإقليميون والدوليون على تشكيلها. ويشرح النجيفي أهمية المشروع لكون «المناطق السنية غنية بموارد لم يتم استثمارها، ففي محافظة نينوى لوحدها 15 حقلاً نفطياً مستكشفاً لم يستغل بعد، و40 تركيباً جيولوجياً ينتظر الاستكشاف وفي الأنبار حقول غاز عملاقة، بالإضافة إلى الثروة المائية والزراعية الموجودة».
يعتبر الأخوان النجيفي من القادمين الجدد على لعبة التقسيم العراقية، لا بل يبدو أنهم أكثر سذاجة من عمار الحكيم. «فالعقل الجمعي السني» المذكور لا تدعمه الوقائع على الأرض بشيء، لأنه تبيّن أن سنّة العراق ببساطة منقسمون أكثر من غيرهم على كل الملفات بما فيها تأسيس الأقاليم. كما أنه ليس هناك أيّ استفتاء شامل ودقيق يبيّن رأيهم أو أي من العراقيين بالأقلمة.
وفضلاً على هذا وذلك فإن الأصوات الانتخابية المرشحة للنجيفي وحلفائه في قائمة «متحدون» انخفضت من 45 مقعداً في انتخابات عام 2010 إلى 27 مقعداً في انتخابات 2014. في حين ترى بعض التقارير أن نوري المالكي رئيس الوزراء السابق كسب المزيد من الحلفاء السنة في قوائم منفردة وصغيرة، ولكنها ضمنت له 10 مقاعد إضافية، فسمّوا «سنّة المالكي». الهزائم النجيفية لم تقتصر على تقلص المقاعد في محافظة نينوى وغيرها بل تعدتها إلى خسارة الأخوين نجيفي منصبين مهمين الأول هو منصب رئيس البرلمان والثاني هو محافظ محافظة نينوى لصالح «داعش».

الخاتمة

يمكن القول إن الانعزالية العراقية ما زالت قوية ولها نفوذ وجمهور، ولكنها تلقت ضربة هائلة بهزيمة «داعش» في محافظتي صلاح الدين والأنبار على يد «الحشد الشعبي» والقوات الأمنية العراقية. ولكن ما يستدل عليه هنا أن النخب العراقية من مثقفين وساسة أظهروا خواءً وفشلاً مخزياً في الدفاع عن قضية وحدة بلادهم وبدا تأثيرهم لا قيمة له في النهاية، فمن حسم المعارك هي القوى الشعبية والتي بدت بعيدة تماماً عن الثقافة الانعزالية والتقسيمية التي آمنت أو رضخت لها النخب. ومرة أخرى تظهر الأحداث أن ليس هناك ما هو أصدق أثراً من الوقائع التي تسطرها القوات المسلحة وتحديداً «الحشد الشعبي» المقاوم على الأرض. وهذا مصداق لمقولة علي بن أبي طالب «أن السيف أنمى عدداً وأكثر ولداً» من كل شقاقهم ونفاقهم.
* كاتب عراقي