قدّم كثير من المثقفين والمحللين الاستراتيجيين وجهات نظر مختلفة حول خلفيات الصدام الذي حدث في تركيا، ليلة 15 تموز الماضي، عشية المحاولة الانقلابية الفاشلة، وما ترتب عليها من ردة فعل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتياره ضد الانقلابيين، وأيضاً ضد كتلتهم الاجتماعية والثقافية، وتحدثوا عن مآلات الأمور المحتملة في المدى القصير. معظم وجهات النظر في تفسير الحدث ألقت الضوء على جوانب سياسية واجتماعية واقتصادية هامة دون شك، لكنها قصّرت في تقديم نظرية متكاملة لطبيعة صراع الهيمنة بين مكونات المجتمع التركي. لا يمكن فهم ما حدث بمعزل عن فهم طبيعة وتصاعد الصراع المجتمعي الذي يحكم إيقاع الحراك الاقتصادي والثقافي والاجتماعي في تركيا منذ انتهاء الحرب التركية ــ اليونانية في أوائل عشرينيات القرن الماضي وقيام الجمهورية، إلى اليوم.

تركيا هي إحدى الدول (الأمم الكبرى الثلاث في الشرق الأوسط) إلى جانب إيران واليونان، التي تمتلك إلى حد بعيد ــ على خلاف بقية الممالك والدويلات بما فيها الكيان العبري ــ مقومات الدول الحديثة من النواحي الاستراتيجية والاقتصادية والحضارية والسياسية، إضافة إلى الكتلة البشرية الوازنة والجغرافيا المتماسكة. أعيد تكوين الشكل السياسي لهذه الدول الثلاث بعد صراعات عنيفة في النصف الأول من القرن العشرين، سالت فيها دماء الملايين من البشر، لكنها بدأت تأخذ منحنى الاستقرار النسبي في حدود معترف بها منذ 1945، وصعود «الإمبراطورية» الأميركية لقيادة العالم. الأميركيون حرصوا من خلال تدخلات سافرة في السياسات الداخلية لهذه الدول ــ ومن خلال الانقلابات العسكرية دوماً ــ على تولية مجموعات يمينية قومية متطرفة تنتمي إلى الطبقات البرجوازية أساساً، شؤون الحكم في كل منها، بغرض تحقيق غايتين استراتيجيتين خدمة لمشروع «الإمبراطورية»: الأولى، بناء سد منيع في وجه أية إمكانية لتولي اليسار مقاليد السلطة وبالتالي استكمال سلسلة حصار الاتحاد السوفياتي من الجهة الجنوبية الغربية، أما الثاني، فهو تفتيت القوى الإقليمية في الشرق الأوسط الغني بمصادر الطاقة عن طريق استمرار التنافس والصراع على النفوذ الإقليمي بين الدول الثلاث.

تخلى الأميركيون تدريجاً عن العسكر والطبقات المتغرّبة

في تركيا بالذات، وفي ظل الحكم العسكري المتماسك والحاسم ــ عقب إعدام عدنان مندريس ــ بدا يتكرس تدريجياً في ذهن الجماعات التركية المتصارعة في نطاق المجتمع التركي أن إمكان تغيير السلطة (بمفهوم الدولة المسيطرة على العنف) غير قائم فعلياً، بالنظر إلى إمساك أغلبية تامة من الأتاتوركيين العلمانيين بمفاصل الجيش، والدعم اللامحدود الذي يتلقاه هؤلاء من الطرف الأميركي. وهكذا، انتقل الصراع على الهيمنة بين مكونات المجتمع التركي ــ بحكم الواقع القهري ــ إلى المستوى الثقافي والأيديولوجي بين المجموعات المتصارعة، فاستدعت الطبقات الحاكمة رموز الحداثة الغربية الأوروبية والأميركية، في حين استدعت الطبقات الوسطى والبرجوازية الرثة وكبار الفلاحين رموز الأيديولوجيا الشعبوية الدينية بلون عنصري عثماني، وتعلّق الأكراد بنظريات اليسار أملاً في التوحد مع نطاق عريض من الطبقة العاملة التركية في مواجهة شوفينية الحكم والطبقة الوسطى معاً، بينما انكفأ العلويون المهمشون إلى مناطقهم الريفية دون التحالف مع أي من القوى المتناحرة.
ثقافة المجتمع التركي منذ عام 1928 وإلى التسعينات، كانت بشكل أو بآخر شكلاً من أشكال التوازن بين هذه الأنساق الثقافية المختلفة. التسعينات كانت نقطة تحول في المشهد التركي، إذ خفف سقوط الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة «نظرياً» من الحاجة إلى الحكم العسكري في دول الطوق حول روسيا، وقدّمت ثورة عام 1979 في إيران تجربة هامة للأميركي في فهم وتقبل تحوّلات مجتمعات الشرق الأوسط الصاعدة دون المساس بخطوط «الإمبراطورية» الحمر: لا يسار في الحكم، ولا هيمنة إقليمية شاملة. وتدريجياً، تخلى الأميركيون عن العسكر والطبقات المتغرّبة وتفهّموا صعود ممثلي الطبقة الوسطى والبرجوازيين إلى الحكم في الدول الكبرى الثلاث في المنطقة، ليقفز الإسلاميون على السلطة في تركيا، كجزء من كتلة اجتماعية اقتصادية ثقافية ثقيلة تسيطر على مرافق الحكومة والتعليم والمساجد والصناعات، وتتركّز داخل المدن الكبرى، بعيداً عن الأطراف المهمّشة والمشكوك في ولائها دائماً، واليسار الفاقد للشعبية. ثقافة هذه الكتلة تسربت إلى الجيش أيضاً، وتحوّلت نتيجة عمل دؤوب إلى تيار جارف أفرز ظواهر شعبية مثل فتح الله غولن وأردوغان و«حزب العدالة والتنمية». وقدّم الأميركي أدوات النجاح المعهودة للتيار الصاعد، من خلال تشبيكه في منظومة العولمة: ديون بالمليارات لاستكمال البنية التحتية والاقتصاد، شراكة عسكرية كاملة مع حلف الناتو ــ توّجت بتخزين رؤوس نووية أميركية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2009، واستخدام مكثف للقواعد التركية في كافة عمليات الجيش الأميركي في الشرق الأوسط ــ وتزكية لطلب تركيا بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وأخيراً، الانخراط في لعبة الحرب الأميركية على سوريا. لكن المشكلة كمنت في أن الكتلة الإسلامية التركية لم تعد متجانسة نسبياً في القرن الجديد، كما كانت أيام نجم الدين أربكان مثلاً، بل بدأت تنمو في اتجاهات متناقضة ومتنوعة من منطلقات اجتماعية وثقافية واقتصادية متباينة، حتى وصلت إلى ما يشبه طلاقاً بين تيار غولن ــ الهارب إلى منفى اختياري في الولايات المتحدة ــ من جهة، وتيار أردوغان و«العدالة والتنمية» من جهة أخرى. تيار غولن كان أقرب إلى تيار صوفي ذي نفس تركي محليّ، مع تواجد كثيف في المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية التقليدية، مقابل تيار حركيّ عمليّ رأسمالي أقرب إلى الإخوان المسلمين، حيث أخذ عنهم تعطشهم للعمل في خدمة الأميركي من أجل الوصول إلى السلطة (الخلافة).
كان الصدام العسكري محتّماً بين الطرفين. فالحرب الثقافية والأيديولوجية على الأرض بين المجموعات المتصارعة على الهيمنة كانت قائمة منذ ما يزيد على عقد من الزمن، مع غلبة نسبية لتيار غولن ثقافياً، بينما سمحت سيطرة أردوغان على الأجهزة الأمنية بغلبة سلطوية مقابلة. هذا بالطبع مع ضرورة التأكيد، على أن كل المجموعات المتصارعة في المجتمع التركي ــ حتى الأكراد اليساريين منهم ــ هم جميعاً تحت السقف الأميركي. لا نعرف حتى الآن خلفيات نقطة الصفر في حدوث الانقلاب، وما هي المعطيات التي دفعت بجزء من الجيش للتحرك في تلك الليلة بالذات، ولماذا فشل الانقلاب فعلياً؟ غير أن تعادل القوى على الأرض لم يكن ليسمح بانتصار طرف على آخر، من خلال العمل العسكري المحض، وكان سيؤدي ــ في ظل السيطرة الحاسمة لتيار أردوغان على قوات الشرطة والمخابرات ومعظم القطاعات البرية في الجيش ــ إلى نوع من شقاق أهلي ربما يقود إلى فوضى شاملة. نشوة أردوغان وجماعته بالانتصار اللحظي دفعت المجموعة الممسكة بالسلطة، التي أثبتت في عدة مناسبات غياب التفكير الاستراتيجي والحس التاريخي عن أسلوب عملها، إلى شن حرب واسعة النطاق على خنادق المجتمع المدني، التي يسيطر عليها التيار المنافس، وفق الصورة التي رسمها أنطونيو جرامشي للصراع على الهيمنة في المجتمعات المعقدة. يقول غرامشي أنه «في الدول الأكثر تعقيداً، تكتسب المجتمعات المدنية صيغة شديدة التعقيد تجعلها قادرة على استيعاب الأزمات والخضات، فكأنها أشبه بحرب خنادق في معارك الحرب العالمية الأولى. في تلك المعارك، يهيّأ لك أنك من خلال هجوم عنيف مكثّف على المجتمع تكون قد اخترقت خط دفاع الخصم، لكنك في الحقيقة دمّرت فقط قشرته الخارجية الظاهرة للعيان، وهكذا، في اللحظة التي تبدأ فيها بالدخول إلى مواقع الخصم، أنت تبدأ معركة حقيقية قاسية، وجهاً لوجه ومن خندق إلى خندق، التحاماً بالسلاح الأبيض». أردوغان وتيّاره تورّطوا الآن في حرب خنادق قاسية ستسيل فيها دماء واقعية أو افتراضية، مقابر لا إسلامية للقتلى من الطرف الآخر، فصل أساتذة الجامعات والقضاة والموظفين الكبار، وتطهير الجيش والأجهزة الأمنية وإغلاق المدارس والمكتبات والرموز الثقافية للطرف الآخر. «الأردوغانيون» عبر تغييرهم قواعد اللعبة، من الصراع الثقافي والإيديولوجي إلى احتكار العنف والقوة وإلغاء الآخر، إنما يسهّلون الأمر على التيار الإسلامي المنافس ــ والصورة غرامشية هنا أيضاً ــ ويدفعون في اتجاه العداوة نحو منظومة الدولة ذاتها، التي كانت حتى ما قبل ليلة الانقلاب نطاقاً محيّداً عن العداء. هذا سيجعل ــ نظرياً ــ من الانقلاب أو الفوضى الشاملة أمراً لا مفر منه، إن لم يكن في المدى القريب ففي المدى المتوسط.
انقلاب تموز ــ وأي انقلاب ــ كان سيفشل حتماً، وبالمقابل، فإن استراتيجية الاستجابة الأردوغانية ستؤدي في النهاية إلى إسقاط الدولة ذاتها. هي أخبار ممتازة ــ ليس للأتراك بالطبع ــ ولكن للأصدقاء الأعداء في الإقليم: الإيراني الذي سيشكر أي انكفاء تركي في سوريا والعراق، واليوناني الذي عاد بعد فقر وإهمال، ليكون موضع غزل القوى الكبرى بوصفه جناح الاستقرار في مواجهة الفوضى الشاملة التي تعصف بقلب الشرق الأوسط.
* باحث عربي في الشؤون الأوروبية