الذاكرة التاريخية التركية عن حملة "غاليبولي"، يقول المؤرخ العسكري دايفيد نيكول، تمجّد صمود وبسالة الفوج السابع والخمسين في قتاله ضد إنزال الحلفاء الشهير في "خليج أنزاك". لقد ثبت الفوج، الذي وُضع في "نقطة خنقٍ" حرجة تحت قيادة مصطفى كمال، في وجه هجوم كاسحٍ للأستراليين والنيوزيلانديين حتّى تمّت إبادته تقريباً من دون أن ينكسر (الفوج 57 كان هو الوحدة التي خطب فيها مصطفى كمال قائلاً: "يا رجال، انّي لا أعطيكم أمراً بالهجوم. أنا أعطيكم أمراً بالموت"). الأدبيات البريطانية تعترف ايضاً بدور الفوج 57 ولكنّ لا أحد تقريباً، يقول نيكول مستغرباً، يذكر الجزء الأهمّ من المعركة: الفوج الآخر الّذي قاد، بعد انحسار هجوم الحلفاء، هجوماً مضاداً اكتسح مواقع الاستراليين وردّهم الى الشّاطىء، وكان مكوّناً من جنودٍ عرب.

المثير هنا هو أنّ هؤلاء الجنود "العثمانيين"، الذين ساهموا في أوّل انتصار للسلطنة على قوّةٍ أوروبية كبرى منذ القرن الثامن عشر، كانوا أجدادنا، وقد جاؤوا من بلادنا تحديداً: حلب وجنوب سوريا وشمال فلسطين وجبل عامل، والقرى والأرياف التي فرغت من رجالها خلال "سفر برلك". من جهةٍ أخرى، فإنّ المشكلة التي يثيرها نيكول، عن دور وتقييم الجنود العرب خلال الحرب العالمية الأولى، هي عامّةٌ وشائعة، فالمصادر عن الحرب الأولى شحيحة، وأغلبها امّا مذكرات لضباط ألمان تبالغ في دورهم، أو أعمالٌ تركيّة تقلّل من دور الجنود العرب، أو بريطانية تحتقر العرب والأتراك معاً (حتى حين يوقعون هزائم مذلّة بالجيش البريطاني).
في كتابها عن لبنان وسوريا، تقدّم اليزابيث طومسون الحرب العالمية الأولى كـ"لحظة قطع" تراجيدية في تاريخ هذه البقعة من شرق المتوسّط. الحرب والتجنيد والحصار البريطاني صنعت مجاعةً وتهجيراً دمّرت أسس المجتمع، وغيّرت ــــ بعنفٍ ــــ الحدود والديمغرافيا وكلّ ما يعرفه الناس عن عالمهم. حتّى السّلطات الأبوية التقليدية وطبيعة العلاقات بين الجنسين، تقول طومسون، اهتزّت وأُعيد تشكيلها اثر هذه "الصّدمة" الجماعية الفائقة Trauma. لا حاجة للخوض في اسباب قلّة الاهتمام، في البلاد العربية، بهذه الفترة التكوينية من تاريخنا، ولا في ضرورة أن نعيد اكتشافها وفهمها، وفي هذا الإطار، ليس التاريخ العسكري، ودور العرب في الجيش العثماني، الّا مثالاً.
بالنسبة الى الجندي"العاديّ"، المجنّد النّفر، في جيش "الدولة العلية" عام 1914، كانت الحرب عبارةً عن تحدٍّ مستمرّ بين كلّ الظروف والعوائق التي يمكن تخيلها، وبين ارادته وعضلاته. على الرّغم من أنّ الجيش العثماني كان منظّماً بشكلٍ حديثٍ وفق النظام الألماني يومها، الّا أنّ السّلطنة العثمانية، كدولة واقتصاد وبنية تحتية، لم تكن لديها المقدرات لتزويد جيشٍ على الطريقة الأوروبية. يقول ادوارد اريكسون انّ السّلطنة لم تكن تملك صناعاتٍ حربيةٍ تُذكر، أو قطاعاً صناعيّاً محلّياً، والاقتصاد العثماني قد صار "عالمثالثياً" الى درجة أنّ الصناعات الحرفية نفسها، البسيطة والتقليدية، كانت قد مُحيت تقريباً بسبب الواردات الأوروبية الرخيصة. كان على الجيش أن يستورد كلّ مدافعه ومعداته الثقيلة، وأكثر بنادقه، بل وملابس أفراده، من حلفائه في ألمانيا والنمسا (حتّى سيوف الضّبّاط وحربات البنادق كانت من انتاج سولنجن في المانيا)، وطريق الامداد بين اسطنبول واوروبا ظلّ مغلقاً الى أن ضمّت بلغاريا ورومانيا الى "المحور".
أمّا داخل السّلطنة، فقد كان نقل أعدادٍ كبيرة من البشر والمعدّات ــــ أساس الحرب الحديثة ــــ ضرباً من المستحيل. السكك الحديد، التي قام عليها المجهود الحربي في المسرح الأوروبي، قليلة ومشرذمة وغير متصلة في الأناضول وسوريا والعراق، وكلّها من سكّة مفردة لا تسمح بالاستخدام الكثيف. أمّا وضع الطّرقات البرية، فقد كان اسوأ من وضع السّكك الحديد. للمقارنة، كان في وسع قوّةٍ بريطانية أن تتشكّل في الهند في تشرين الأول 1914 لتحطّ في الفاو في تشرين الثاني من العام نفسه، بينما كان سحب قوّةٍ عثمانية من جنوب القوقاز الى بغداد يستلزم مسير 72 يوماً. وفيما اعتمدت بريطانيا على البحرية والمانيا على القطارات، كان الجنود العثمانيون ينتقلون لمسافاتٍ طويلة على الأقدام ويجرّون، بمساعدة الدواب، مدافعهم بأنفسهم عبر مضائق جبلية وطرقٍ غير ممهدة ومنحدرات ووديان، ليواجهوا ــــ في نهاية المطاف ــــ عدواً يفوقهم عدداً بكثير، وهم غير قادرين على الاعتماد على امدادٍ منتظم من أي نوع (في معارك العراق مثلاً، كانت بطاريات المدفعية مضطرة لاعتماد وتيرة رميٍ منخفضة، غير فعالة، لتوفير القذائف، لأنه لم يكن من السهل استبدال المخزون الأصلي الذي أحضرته الوحدات معها أثناء مسيرها من الأناضول. ويقول البريطانيون انّ القذائف العثمانية، رغم دقتها، كانت تنفجر غالباً في الجوّ قبل أوانها، بلا تأثير أو ضرر).
المدهش هنا هو ليس أنّ الجيش العثماني قد هُزم في نهاية الأمر، المدهش هو أنّ هؤلاء الجنود (عرباً وتركاً) تمكّنوا من مواجهة هذه الظروف، وسارت وحداتهم مئات آلاف الأميال عبر طوروس وفلسطين والصحراء، وتمكنّوا في حالاتٍ كثيرة من هزيمة قواتٍ بريطانية تفوقهم عدداً وعدّة ــــ دعك من المرحلة الأخيرة من الحرب في 1918، حين كان الجندي العثماني لا يحصل على ما يكفيه من الإمداد حتى يأكل ويستمرّ، وكان اللنبي "ينتصر" ويتقدّم في وجه فلولٍ منسحبة لجيشٍ كسير.
هذا ينطبق بشكلٍ خاص على الأقاليم العربية، حيث خسر البريطانيون، بين 1914 و1917، عشرات آلاف الجنود وهم يحاولون، عبثاً، التقدّم في العراق وفلسطين. سقط آلاف البريطانيين على أبواب غزّة في معركتين طاحنتين، ومثلهم تحت أسوار عمّان (التي صدّتهم حتى أواخر عام 1918)؛ وقد ضاع في جنوب العراق أكثر من 20 الف جندي بريطاني وهم يحاولون التقدّم لإنجاد تاونشند، الذي كان محاصراً في الكوت مع عشرة آلاف جندي من فرقة الـ"بونا" السادسة (فاق حجم الخسائر البريطانية في العراق كامل عديد القوى العثمانية فيه). أمّا في المدينة المنوّرة، فلم يستسلم آمر حامية عثمانيّ محاصر حتّى سنة 1919، بعد أشهر من استسلام السلطنة ونهاية الحرب، وقد وضع سيفه على قبر النبي قبل أن يخرج أعزل ويسلّم موقعه. في الوقت نفسه، كان اليمنيّون (وبلادهم ليست عثمانية رسمياً) يساهمون في كسر الحصار البحري البريطاني ويهرّبون، بقواربهم التقليدية الخفيفة، السّلاح عبر البحر الأحمر ويدعمون الحركات المعادية للاستعمار الاوروبي في شرق افريقيا.
بل أنّ دايفيد نيكول يصرّ على أنّ الدولة العثمانية كانت تملك فرصة حقيقية للصمود في الحرب لو أنّها لم تتورّط بفتح جبهةٍ ضدّ روسيا، واكتفت بموقفٍ دفاعيّ في القوقاز مقابل ضرب البريطانيّين في قناة السويس (كما كان يريد الألمان)، أو أنجزت إنزالاً في اوكرانيا (استجابة لاستغاثات النمساويين). ولكنّ نزعات أنور باشا القوميّة وخطّته الخيالية "لتحرير الشعوب التركية" في وسط اسيا والقوقاز كانت، يحكم نيكول، سبب الهزيمة العثمانية. خسر الجيش في القوقاز أفضل وحداته واستُنزف سدىً، وامتصّت الجبهة الروسية عشرات الفرق، حتّى أنّ القوات في العراق وفلسطين كانت، طوال الحرب تقريباً، تقاتل انزالات بريطانية ضخمة بوحداتٍ ناقصة وغير مجهّزة (حين حطّ تاونشند في العراق، مثلاً، كانت للجيش العثماني فرقة واحدة لا غير، موزّعة على طول نهر دجلة بين البصرة وبغداد، وعديدها يوازي نصف عديد فرقة تاونشند، الذي انضمّت اليه سريعاً فرقةٌ بريطانية ثانية، فأصبح القائد العثماني ــــ يقول اريكسون ــــ يقاتل على أرضه تحت وطأة تفوّق عددي فادحٍ لصالح الخصم).
رغم ذلك كلّه، لم تنخفض معنويات الجنود العرب في الجيش العثماني، ولم تهتزّ ثقة أترابهم بهم، حتّى نهايات الحرب وتقدّم "الثورة العربية". مع أنّ حركة الشريف حسين، كما تؤكد أغلب المصادر اليوم، لم تكن شعبية ولم تلق احتضاناً حقيقياً من الناس في سوريا والعراق، الّا أن العديد من الضبّاط العرب في الجيش العثماني كانوا، تحديداً، من أبناء العائلات المدينية الشامية التي انحازت الى الشريفيين. وقد كانوا من أول من تبنى الأفكار القومية العربية، بسبب دراستهم واحتكاكهم بالقوميين الأتراك والألمان. سياسات التتريك الكارثية التي جرّبها أنور باشا ورفاقه في أواسط الحرب زادت الطين بلّة بينهم وبين العرب. يقول نيكول انّ العثمانيين تراجعوا عن مشروع التتريك سريعاً، بحلول عام 1918، بعد أن فهموا استحالته، وأصبحوا يعرضون على العرب دولةً مستقلة في إطارٍ فيديرالي، غير أن الأوان كان قد فات.
تمرّ، هذه السّنة، الذكرى المئوية لحصار الكوت، وهي تستحقّ معالجةً خاصة لا يتسع لها المجال هنا. في العراق تبدّى "ابو شجاع" ــــ الكنية التي كان يعطيها العرب للجندي العثماني ــــ بصلابته وتفانيه وعناده. "الانتصارات" العثمانية في الحرب، كغاليبولي ومعركة غزة الأولى ومعارك عمّان وغيرها، كانت تعني أن يحاول البريطانيون غزواً ما، فيتمّ صدّهم، فينكفئون؛ الّا أنّ ما جرى في الكوت كان من مستوى مختلف. حتى نستخدم توصيف ادوارد اريكسون: لم يحدث للجيش الامبراطوري البريطاني، بين معركة يوركتاون في 1781 وسقوط سنغافورة عام 1942، أن أجبرت قوة منه بهذا الحجم على الاستسلام للعدو، مع قائدها وكامل عديدها، كما حصل في كوت العمارة في نيسان من عام 1916.