لا تُعرف أحداث التاريخ الكبرى بتمامها إلّا بعد حين، وتُثبت الأيّام تباعاً أنّ تموز 2006 يحجز مقعداً متقدّماً في ركبها.عَرِف العرب واللبنانيون إنجازات يُعتّد بها في صراعهم مع العدو الصهيوني. كان منها الأيام الأولى من حرب تشرين لعام 1973، واجتياز خط برليف، وانتفاضة الأقصى، و«توازن الرعب» الذي صكّته المقاومة اللبنانية عام 1996 عبر تفاهم نيسان، وانتصار أيّار 2000 الذي فتح آفاقاً وسيّل أقلاماً مشفوعة بأملٍ يبزغ وزمنٍ جديدٍ. لكن ما اصطلح عليه بـ«الردع الاستراتيجي»، كان مفهوماً جديداً على الفعل والإنتاج العربي، حتّى حرب لبنان الثانية.  

تمّوز 2006 حدثٌ متمايز، بل ومختلف إلى حدٍّ كبير، في لحظته وأهدافه، في أبعاده ومجاله الاستراتيجي. تداعياته وآثاره بقرار واستراتيجية أميركية تطال المنطقة برمتّها. كانت الحرب إحدى الحلقات المكمّلة، أو المعوّضة، لأهداف غزوهم للعراق 2003، والذي أُريد لقطار الديموقراطية والتغيير أن ينطلق من بغداد إلى المنطقة كلّها. إنّ هذا الفهم الذي تأكّد تباعاً، وهذه القراءة الواقعية لسبب العدوان والجهة المقرّرة وتلك المنفّذة، لازمة وضروريّة لرصد النتائج وتقدير الأثر، وطبيعة الزلزال الذي أحدثه، وارتدادته. وما سيخلّفه من فرص ويفرضه من تحدّيات، وإلاّ سيكون البعض بعد عشرة سنوات أمام عمىً استراتيجي وتحيّز مبدّد. 

يتنامى هاجس إسرائيل مع أيّ فشل لمنطق قوّتها، ما يجعل الهاجس الوجودي ملازمها

لاقت إسرائيل الطلب الأميركي باستعجال الحرب –رغم تحفظّها على التوقيت– فالظروف الإقليمية ناضجة : إن لجهة الحضور الأميركي المباشر، والذي يجعل إيران بين فكّي كماشة، وسوريا تتحسّس المخاطر بقلق بالغ. أو لجهة تصاعد خطاب اليمين الإسرائيلي، الذي يجزم أن حّل القضيّة الفلسطينية يبدأ من الخارج وينتهي في الداخل، وليس العكس. أي أنّ نقطة الانطلاق هي بتغيير البيئة الاستراتيجية لصالحهم، بإضعاف إيران وحلفائها، قبل أي حديث مع الفلسطينيين! فالشرق الأوسط الجديد الذي أعلنت رئيسة الدبلوماسيّة أنّه سينطلق من لبنان سيسهّل تفسير أسباب الجسر الجوي الأميركي المفتوح، والغطاء الأممي في مجلس الأمن، وثبات نظام الاعتدال العربي في دعمه لإسرائيل لــ 33 يوماً بعناد قّل نظيره. 

ميدانياً

لم يؤرِّخ الصراع العربي الإسرائيلي، حتّى حينه، تجربة تمكّنت من إيقاف الجيش الإسرائيلي ومنعته من التقدّم، لتُبقي القتال معه بعد 33 يوماً على خط الحدود. كل الحروب والمواجهات معه سابقاً ارتكزت على استنزافه، بعد تقدّمه واحتلاله للأرض، ولعّل المقارنة مع حربي حزيران 1967 واجتياح بيروت عام 1982 تساعد أكثر في تجلية الأمر.
ففي ظّل نظام القطبين الحاكم آنذاك، بمترتباته الدوليّة والإقليميّة، تمكّنت إسرائيل من احتلال حوالى أربعة أضعاف مساحة لبنان، من مصر والضفة الغربية والجولان خلال ستّة أيام، كما اجتاحت لبنان عام 1982، ووصلت إلى العاصمة بوقتٍ قصيرٍ نسبياً في ظّل الرؤية الأميركية لتطويق الاتحاد السوفياتي بإسقاط دمشق. فكيف إذا أدخلنا وتيرة التسارع النوعي والتقني في التسليح الإسرائيلي، والأداء الذي اتجّه لمحاكاة ما عُرف بمدرسة «الحرب اللامتماثلة»، والتي أنتجتها القدرة الأميركية في حرب الخليج الثانية عام 1991، وكوسوفو عام 1999، بخصائصها ومزاياها، والتي وجدتها تل أبيب مذهلة.  
لم يقتصر الفعل المقاوم على الصمود والتصدّي بالمعنى الآنف، فللمرة الأولى تعزم «المقاومة» باستطلاع ثقافي الدلالة والعمق، وتكتيك عسكري مقدّر لإدخال التجمع الصهيوني خلف الحدود في قلب المعركة وميدانها المباشر، وما سيلي ذلك من فحص للمقدرات «اللامنظورة»، واختبار للمناعة، والمعنويات، وجاهزيّة التجمّع، وإرادته لقتال قد يطول يوماً ما ويعنف، وإلى أي مدى أثّرت ستة عقود من الليبرالية المفرطة على الروح والدافعية في الكيان. وهل لسرديات الصهيونية الأولى توفير الإجابة لهذا التحدّي؟ إنّه تحدٍّ لا يُواجه بالمنظومات الدفاعيّة، ولا بزيادة عدد الملاجئ، وإدارة عمليّات النزوح وتطوير الأدوات والتقنيات، إنّه من ماهيّة مختلفة!  
يزيد الاشتغال الفكري، والنقاش، والتنظير أنّ المقاومة خلال فترة العدوان كلّه لم تُظهر حاجة أو تطلب دعم أحد من حلفائها أو مساندته – رغم مبادرتهم نحوها- بما يؤشّر أنّها كانت تملك النفَس والصبر لما هو أبعد، والقدرة على تحديد مدى الحرب وتوسعة دائرتها من عدمه. فالسّيطرة والترشيد السياسي، وتثمير المعطى، كان مقدّراً كما الميدان. وهذا سيضفي قيمةً خاصّة على الإنجاز، ويوجّه الاهتمام نحو طبيعة هذه المقاومة ورشدها، وجدارتها، وفرادتها الذاتيّة، ويؤكّد حيازتها لقرارها، وطبيعة التزامها الأخلاقي بالدّفاع عن أهلها ووطنها وقيمه. فيضيف في رصيدها الاستراتيجي ووزنها. وكّل ذلك سيضاعف نتائج الفعل وأثره. 

سياسياً وثقافياً

المقاومة تجربة عرفت ذاتها وعدوّها، وعلى أساس هذه المعرفة أعدّت منظومة فعلها وعدّتها ووسائلها، فشخّصت أنّ الصراع معه هو صراع وعي أولاً وآخراً. فحرصت لنقل أيّ إنجاز عملي ميداني إلى ما هو أرقى، إلى مرتبة المعرفة والعلم وإلى سجلّ التجربة الحضاريّة وبناء النموذج، فكيف بحدثٍ تاريخي بحجم تموز!  
إنّ نجاح المقاومة بتصدّيها وحلفائها للعدوان نقل لبنان إلى موقع مختلف بنظر العدو والصديق. صار لبنان متهِّما لا متهَّماً، ومعياراً يمنح شهادات العروبة. وغدا شاهداً على قوّة النموذج الذي ينشئه تنوّع بقواعد وطنية، سياديّة حقيقيّة، راسخة عند غالبيّة مكوّناته، وحجّة على الأنظمة والشعوب العربيّة قاطبة، في بناء الثقة بالذّات وتلمّس النصر من مظانّه. فليس متعذّراً أن يُبنى في أقطارنا العربية على ضوء التجربة اللبنانيّة تحالف مقاوم جاد عابر للطوائف، يحفظ للكيانات نهائيتها، وللعروبة معناها الحضاري، ولفلسطين حقّها.  
فالطرف الآخر لم يعُد يُردع، وسياسة اللاخيار وسرديّات الصهيونيّة لم تعد مقنعةً لغالبية الإسرائيليين – وهذا حقّ. في مقابل أجيال أدركت معنى الثقة بالخيار، وإرادة التغيير عند العرب تتوالى أجيالاً على الجانب الآخر، تحمل وعياً مشككاً لما هي عليه. ولم تعد تعرف أرقام 67 و48 و73 ولا الجيش الإسرائيلي القويّ إلّا في الكتب. أجيال تعيش اليوم كتاب «المائة عام» من جديد، فإلى متى ستظّل إسرائيل البلد «الديموقراطي» الوحيد في العالم الذي يعاني هواجس وجوديّة وسؤال المشروعيّة ؟ 
تتأتّى شرعيّات عالم اليوم للدول - بحسب النظام الدولي القائم - بمنطق الحق الأخلاقي القانوني الطبيعي، أو بمنطق المدرسة الواقعيّة. منطق القوّة كمساوٍ للحق في تبرير الوجود. تعيش إسرائيل عقدة نقص تجاه المنطق الأوّل، وتستميت للبحث عن مشروعيّات - وهذا أحد أهداف التسويات والاتفاقيات مع الأنظمة بالنسبة لها - ويتنامى هاجسها مع أيّ فشل لقاهرية منطق القوّة، الذي تعتمده بما يجعل الهاجس الوجودي ملازماً لها.  
وجدت إسرائيل نفسها غير قادرة على التقدّم بعمليّة «السلام»، ما أسقط أي رهان على تسوية للقضية الفلسطينية بشروط إسرائيلية كما كان يدأب بعض المستعربين. كما أنها ستجد نفسها عاجزة عن خوض حرب تنتصر فيها، وتستعيد ردعها وحضورها، وهذا ما أكدّته محاولاتها الفاشلة في حرب غزة 2008 - ما دفعها لسياسة إدارة الأزمة والدوران الذاتي مع ما لهذه السياسة من آثار سلبيّة على إسرائيل وعلاقاتها الخارجيّة، فغدت فاقدة لمضمون يترجَم بدورٍ واقعي، أمنياً وعسكرياً في الإقليم، كما بسياسة خارجيّة ذات معنى تطّل بها على العالم.  

استراتيجياً

إنّ مجمل المقدّمات التي سبقت ورافقت عدوان تموز أو حرب لبنان الثانية، كما نظرة وأداء طرفي المواجهة المباشريْن -إسرائيل والمقاومة- خلال الحرب وبعدها، ستنقل مسار الصراع من توازن الرعب إلى توازن آخر، توازن في الردع الاستراتيجي، بما يستبطنه هذا المفهوم من معانٍ وأبعاد متشعّبة متعدّدة المدارات والحلقات. إنّ نجاح المقاومة في تعطيل الاستراتيجية الأميركية وتحقيق الردع مع إسرائيل، نقلها تلقائياً إلى حضور إقليمي بتأثير دولي، فإن قلتَ لي من عدوّك، قلتُ لك من أنت!!! 
قدّمت المقاومة خلال حرب تموز بالذات، نظريّة جديدة في علاقتها أنّها جزء أسّ في «منظومة» المقاومة في المنطقة، وهو مصطلح ومفهوم أدّق وأقصد في التوصيف من كونها جزءاً من «محور». فالمنظومة تعني فيما تعني تنوّعاً في اللاعبين والمساحات، وحريّة فعل وخصوصيّة معتّد بها وتناغم عالٍ وتكامل لبلوغ الهدف الأعلى (التصدّي للمشروع الأميركي - الإسرائيلي وإسقاطه)، بينما في مصطلح المحور، نوع من الجمود وانعدام المرونة وغياب أي دور إلاّ لرأس المحور وقائده، الذي يحدّد ويُلزم حتّى في الأسلوب والطريقة. إنّ العزف على أوتار المنظومة يُظهر تباعاً نجاحاً ونموذجاً جديداً مجترحاً من الواقع وتحدّياته، غير مقلّد يُؤسّس له.  
أدّى عجز إسرائيل عن تحقيق الأهداف إلى تعميق أزمة أميركا وقيادتها للمنطقة والعالم، فعزّز البيئة وزخّم المعطيات لانبثاق قوى متوسطة، كما قوى بماهيّات جديدة للسير قدماً في أفكارها والتأثير المتزايد في القرار الإقليمي والدولي. فالواقع المستجد سيهيّئ استيلاد تحالفات وائتلافات ومنظومات فعل تتقاسم مصالح وأهدافاً مشتركة. والبيئة الاستراتيجية المتغيّرة، أعادت ترتيب مواقع التأثير والقوّة الإقليميين، وإنتاج مفاهيم جديدة. انسحب ذلك على تعزيز حضور لاعبين دوليين في شؤون المنطقة، لبروز مصالحها على ضوء معطيات الإقليم المستجّدة. فللبعض أن يجادل أنّ الصراع العربي الإسرائيلي في المنطقة لعبة صفريّة في آثاره ونتائجه. أبعدت شبح أيّ حرب أميركية فضلاً عن إسرائيلية على إيران، وعززّت من موقع سوريا وأوراق قوّتها وثقتها بدعم خيار المقاومة واحتضان قواه، وأمّنت مظلّة حماية ضمنيّة ودقيقة لحركات المقاومة في فلسطين، خطّها الأحمر الوحيد «منع الإجهاز على المقاومة في فلسطين أو شلّها».  
أعادت تموز النقاش السياسي والفكري لجملة مفاهيم أولها مفهوم الحرب. ما هي؟ بين من ومن؟ كيف توضع أهدافها؟ كيف تنتهي ومتى؟ ما هو الانتصار وما تعريفه؟ فإذا كانت السياسة هي الغاية المنشودة من الفعل العسكري، وهي المعنى الذي يبنى عليه الاستمرار والتعبير الحقيقي الذي تتحشّد فيه التوازنات والإنجازات. فصدقت حرب تموز مقولة رجالات الفكر أنّ إسرائيل دخلت زمناً لم تعد قادرة فيه على صرف أيّ من حروبها سياسياً!  
وفتح ذلك سجالاً لن يكون له أجل حول العقيدة القتاليّة القائمة على الردع والإنذار والحسم، فهل أداة الإنذار غدت قاصرة مع عدو جديد مضموناً وهيئة؟ وماذا يعني الحسم؟ وهل بات ممكناً في عالم اليوم؟ وكيف تردع من يمتلك إيديولوجيا وتصميم ووسائل؟  
تطرح نتائج حرب تموز 2006 على إسرائيل وحلفائها تباعاً أسئلة معقدّة يرقى بعضها الى الأسئلة الوجودية: هل بلغت إسرائيل حدود قوتها العسكرية؟ وهل ستحمل حروبها المقبلة مفاجآت نوعية؟ أم تصعيد كمّي كما عبّر السيّد نصرالله؟ 
ما هو العنوان التي يجب أن يشكّل أنموذج الترابط والزخم للتجمّع الصهيوني، بعد أن أصيب الجيش في مقتله وهيبته، وأثيرت الأسئلة على موقعه كنموذج يتطّلع اليه؟ هل النزوع نحو التكنولوجيا العالية يغلب عليه تقدير الحاجة الواقعيّة بمواجهة المقاومة؟ أم بوابة هروب من الميدان والالتحام المباشر؟ يجيبون أنّ الأزمة عميقة تحتاج لما يشبه ثورة ثقافية، وهو ما بات متعذراً اليوم بلحاظ تسارع التحدّيات وإلحاحها. 
كيف يمكن لإسرائيل تأمين التفوّق في عالم متغيّر؟ وأيهمّا سيتقدّم: يد السياسية أم الإمعان في العسكرة؟ هل ستتجّه إلى أقلمة سياساتها وتحالفاتها بهامش مدروس عن رؤية أميركا وإرادتها؟ أم ستبقى مصلحتها بالسعي لتعزيز حضور أميركا والالتصاق الأداتي بها؟ 
نعم، فتحت حرب تموز بمفهوم الردع الاستراتيجي، الذي أسسّت له الأبواب مشرّعة أمام نتائج وتحدّيات هائلة وفرص، كل ذلك سيضع أطراف الصراع بمدارات فعلهم الإقليمي والدولي، أمام مرحلة أعلى من التحدّي والتحضير على كّل صعيد.  
لا شّك أنّ إسرائيل عاكفة للإجابة عن الأسئلة والتحديات والبيئة الاستراتيجية المتحوّلة بأعلى قدر من الواقعيّة، خصوصاً بعدما باتت تعاني في العقد الأخير ما عاناه العرب في تاريخهم من كثرة كلام وقلّة عمل، وغياب الكيف، وقصور الدور، لأنّه بعد حرب تموز اتضّح للجميع أنّ مسألة الحلول على القياسات الإسرائيلية أصبحت من الماضي، وأنّ دور إسرائيل انتقل من المقرّر إلى المعطّل كحّد أقصى في بعض ملفّات المنطقة، وثانوي في آخر ليس أكثر. فشؤون المنطقة وتحدياتها، حتّى في قضية الصراع مع العرب تجاوزت قدرة إسرائيل وإمكانيتها، فأقصى ما يمكن أن تقدّمه أقّل بكثير ممّا بات يمكن أن يقبل به عربي أصيل في «عصر المقاومة».  
المقاومة ستكون أيضاً معنيّة بتقويّة نموذجها، وتبيين مشروعيّة فعلها عالمياً، وأحقيتّه مقابل إسرائيل. وتثبت أنّ تعاظم تأثيرها لا ينفّض عن عمق انسجامها الوطني، وغنى تنوعّه بممارسة عيش واحد، والمبادرة لاستراتيجية دفاعيّة يتآزر فيها الشعب والجيش والمقاومة في نموذج فريد. كما في كيفية تعزيز منظومة المقاومة في أقطارنا العربية، بتوجيه الوعي الثوري في الساحات المختلفة، وفي إعداد العدّة وبناء القوّة مقابل أي اعتداء إسرائيلي مفترض، فإسرائيل لن تتحمّل فشلاً ثانياً إذا ما وقع.
بالنسبة لمنظومة المقاومة وحلفائها الإقليميين، فضلاً عن تقدّمهم في فلسفة «الاعتماد على الذات»، ودأبهم لإعداد القوّة الشاملة فإنّهم يرون أنّه مع نصر تموز التاريخي - وما سبقه - تطوى مدارج عدّة: 
1- إنتاج العلم وبناء المعرفة، مسار بدأوه بتصميم عالٍ وإرادة لا تقّل عن إرادتهم بالفعل المقاومة.  
2- الهوّة – على الصعيد المادي والتقني – تردم تباعاً، وتتقلّص مع أعدائهم، ودخلوا اليوم مدار المنافسة في بعض فروعها. 
3- التكنولوجيا، حيث اختصِرت المسافات بعد التطور الذي أنجزه حلفاء المقاومة، فانكشف التجمّع الإسرائيلي داخلياً، كما قربت دول من فلسطين المحتّلة بتقنية الصواريخ  وغيرها!
4- اجتراح أدوات لمواجهة إسرائيل واستنزافها، على قدر إيمان منظومة المقاومة بحقّها وإبداعها لبلوغ غايتها، لا تنضب، والعقل المقاوم لا يعرف الملل أو الرتابة ولسان حاله «إنّ المستحيل يسكن في قلب العاجز». 
5- عودة تدريجية لكن قويّة للغة «الأفكار»، على أثر محدودية العسكرة وعجزها مع أقوى جيش في المنطقة  – كما يدّعى - وهو ما تمتلك به المقاومة قصب السبق، والتفوق فيه، وباتت في التحوّل الإيجابي عالمياً اليها. 
6- البيئة الدوليّة صارت أكثر معرفة ووعياً لطبيعة وحقيقة الصراع بين الطرفين. 
7- بيان المقاومة غدا أوضح وموقعها أريح، وجاهزيتها للمناورة أعلى، والبيئة الدولية تدخل مراجعة نقدّية تتجّلى معالمها في حرب طرّية على إسرائيل، تأخذ أشكالاً متعدّدة في أميركا والغرب، وصلت لحّد قول بعضهم، كالمفكّر النرويجي يوسين غاردر: "لقد حان الوقت لكي تتعوّد على أنّ دولة إسرائيل بصيغتها الحالية باتت من التاريخ". 
8- النظام العالمي لا ينفّك يؤكّد اضطرابه. رغم تفوّق أميركا إلاّ أنّها أعجز من الإمساك بقضايا العالم أو توجيهها برؤيتها، أو الحسم بكثير منها. إنّ عالماً جديداً محكوماً بالمشاركة وتبادل المضار والمنافع أصبح واقعاً، وشباك السياسة والمصالح يمكن مدّها، إلاّ نحو إسرائيل الكيان، وأميركا السياسة.  
وإذا كانت خريطة سايكس- بيكو قد أنجزت على فذلكة إيجاد إسرائيل في قلب عالمنا العربي، وفق رياح ومعطيات سياسية تاريخية، فهل بات السؤال ما بعد تموز والظروف لإخراج إسرائيل من النظام المفروض دولياً ممكناً وواقعياً؟ العقل العربي ما بعد تموز تخلّص من السقف الذي حدّده له الاستعمار القديم والحديث بأدواته الرجعيّة، فاستعاد بعض ذاته ليتلمّس حريته وثقافته المختزنة، وينطلق بحركة قويّة، المطلوب تتميمها بمفردات الوعي والقصد. 
هكذا سارت خطوط التحدّي والتحضيرات، الناجمة عن حرب لبنان الثانية سياسياً، وثقافياً، واستراتيجياً، حتّى انبثق الحراك العربي أو الثورات عام 2011، فأضاف معطيات وتحدّيات جديدة. ما هي وكيف أثّرت وتؤثّر في ميزان الصراع الاستراتيجي؟ وبأي اتجاه؟ وللكلام تتمّة.
* باحث لبناني