متى يصبح العراق بلا كربٍ أو همٍّ أو نصب؟! كلّ يومٍ آفة تجتاحه، وكارثة تعترضه، ترسم صورةً قاتمة عنه. وكلّ مرة تقوده إدارات لا تقدّر نفسها، ولا موقعها، ولا تتمكن من أن تقدّم عوناً له، أو تضعه على السكة الصحيحة، كما يقال. السرديات اليومية عن مكابدة العراقيين، وعن الأحداث التي تَلمُّ بهم تزداد وتتوسع، وتتضاعف معاناتهم دون قدرة حقيقية، وإمكانية واقعية لحلّها، أو حتّى للإقرار بها، والعمل بما يمكن أو يتيسّر من معالجتها.

من أواخر تلك السرديات ما يتعلق بمستحقات الفلاحين. وهي مستحقات مالية مقرّة لهم، ومطلوبٌ تسديدها بشكل اعتيادي، لتوفير استمرارية لهم في أعمالهم، وإنتاجهم الزراعي. وقد استعاد الأغلبية منهم صوراً من تاريخهم النضالي، من انتفاضات آل أزيرج، وسوق الشيوخ، والرميثة، والشامية، ودزه ئي في أربيل، وحلبجة في السليمانية، وسهل شهرزور، وأرياف المدن الأخرى. إذ يتوجب الاستعادة لمآثر تلك الهبات المعلومة، أو المفتقدة، واحترام المبادرات فيها، والتأكّد على انتشار الوعي السياسي الذي رافقها، ونمّا الحركة الفلاحية والمطلبية والنقابية في هذه الأوساط الاجتماعية، وتشكّل بوادر وعيها الطبقي والاقتصادي.

شكّلت التظاهرات بادرة وطنية باتجاه نيل المطالب

يوم الخميس في 28 تموز، كشف رئيس اتحاد الفلاحين، حسن نصيف التميمي، أن مستحقات الفلاحين من الحنطة والشعير بلغت بحدود 3 ترليونات دينار، مؤكّداً أنه سيتم اللجوء للاعتصام والمطالبة بتغيير وزير المالية، إن لم تُدفع هذه المستحقات. وقال التميمي، في حديث الى وكالة اخبارية تلفزيونية عراقية، إن «أعضاء اتحاد الجمعيات الفلاحية خرجوا اليوم بتظاهرات في 13 محافظة عراقية، مطالبين بدفع مستحقاتهم المالية من الحنطة والشعير والرز، إضافة إلى وجوب تطبيق حماية المنتج المحلي»، مشيراً إلى أن "المستحقات المالية تقارب الـ3 ترليونات دينار للأعوام 2014، و15، و16». وأضاف أن «هذه التظاهرة هي انتفاضة للجائعين، الذين يطالبون بلقمة العيش الخاصة بهم»، لافتاً إلى أن «الاتحاد طالب بتشكيل لجنة عليا للتحقيق بشأن تراجع انتاج العراق من الحنطة، إذ تراجعت خلال العام الجاري حوالى المليون و500 ألف طن، وهي ظاهرة خطيرة تدفع الفلاحين إلى العزوف عن زراعة الحنطة للمواسم المقبلة».
في اليوم عينه (28 تموز) تظاهر المئات من الفلاحين في معظم المحافظات العراقية، وبشكل متقارب زمنياً، وفي الساحات العامة أمام مباني المحافظات/ الحكومات المحلية، وفي أكثر من مرة، للمطالبة بمستحقاتهم المالية المتأخرة من محصولي الحنطة والشعير، خلال العامين الماضيين، إلى جانب مطالب أخرى. كلّ هذه التظاهرات رفعت المطالب نفسها، مستحقاتها القانونية والمقرّة لهم، والمتأخرة لأعوام، ودعم القطاع الزراعي لاستمراره، وتعزيز المواسم الزراعية، وتوفير الغذاء للمواطنين من محاصيل وإنتاج محلي. وذكر بعض الفلاحين، في تصريحات صحافية، أنهم «أمسوا مكبلين بالديون، والالتزامات المترتبة على مستحقاتهم (التي لم تصرف حتى الآن)، ما ينذر بعدم وجود موسم زراعي خلال العام المقبل»، متهمين رئاسة الوزراء ووزارة المالية بـ"عدم المبالاة لمطالبهم/ وتسديد ما بذمتهم من مستحقات مالية للمزارعين».
إزاء ذلك، تحرّكت بعض الدوائر البرلمانية والرسمية، فأفاد مصدر برلماني، بأن مجلس النواب أمهل الحكومة 10 أيّامٍ لدفع مستحقات الفلاحين. وقال المصدر في تصريح إعلامي (28 تموز 2016) إن «مجلس النواب أمهل خلال جلسته الحكومة بدفع مستحقات الفلاحين»، مضيفاً، طالباً عدم الكشف عن اسمه، أن «تلك المستحقات هي للأعوام 2014، و15، و16». وأكّد أن هذه حقائق متكررة ومدوّرة منذ سنوات، وتعبّر عن سوء الإدارات، والمعالجات، وضعف الالتزامات، والمسؤوليات.
كما أعلنت لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية، أيضاً، موافقة مجلس النواب على طلب استضافة رئيس مجلس الوزراء، حيدر العبادي، وعدد من الوزراء لمناقشة المستحقات المالية للفلاحين، فيما أشارت إلى أن المجلس سيحدد موعد الاستضافة خلال الايام المقبلة.
بدوره، قال عضو لجنة الزراعة والمياه والاهوار البرلمانية، علي الصافي، إن «مجلس النواب، وافق اليوم (28 تموز)، وخلال جلسته السادسة من الفصل التشريعي الأول، للسنة التشريعية الثالثة، على طلب تقدمت به اللجنة بشأن استضافة رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي، وعدد من الوزراء المعنين بملف مستحقات الفلاحين، لغرض مناقشته وإيجاد الحلول الممكنة لوضع المعالجات الخاصة بذلك الأمر»، مضيفاً أن «البرلمان، سيحدّد موعد الاستضافة خلال الأيام المقبلة بالتنسيق، مع لجنة الزراعة والموارد المائية لبحث قضية مستحقات الفلاحين».
كل ذلك يعني تسويف المطالب والالتفاف عليها، فتأخّرها دون معالجة يعني أنها ستطول، وأن من بيده القرار نائم مرتاح لا يشعر بما يعانيه الفلاحون، وما يحتاجونه لمشاركتهم في إعمار البلاد، ومساهمتهم في توفير احتياجاته على هذا الصعيد، وغيره.
كشفت تظاهرات الفلاحين في أغلب المحافظات أن مظاهر الفساد والإفساد أثّرت على حياتهم اليومية، وعملهم. وإن تأخّر دفع مستحقاتهم المقرّة، والمعترف بها، جزء من آفة الفساد المتفشية في أجهزة الدولة، ووزارات الحكومة، وصولاً إلى مجلس النواب، أو من يدعي حمل اسمه. وهي بادرة خير لتعزيز وتصاعد مستوى وعي فلاحي - مطلبي - سلمي مطلوب، وضروري، لوضع الأمور في نصابها، وإشعار صاحب القرار بمسؤوليته ودوره ومهماته. ولعل توافق التظاهرات في الزمان والمكان، في يوم واحد وفي أغلب المحافظات، بادرة وطنية تحتاج إلى التطوير السلمي التدريجي لنيل المطالب، وفرض احترام قواعد العمل وسلم المسؤولية، وقد شهدت صفحات تاريخ انتفاضات الفلاحين في العراق دروساً وعبراً وشهادات لابد من استرجاعها اليوم، لما لها من قيم ومبادئ تؤكد أهمية الوعي بها، ومعالجة القضايا التي تشبهها، بما ينجز ويقدم المجتمع والمسؤولية والحكومة والمنظمات الأهلية.
* كاتب عراقي