لم يعد العنف المتنقّل في شوارع أوروبا وساحاتها مجرّد عارض لفشل الدمج الذي اعتمدته حكومات هذه الدول كاستراتيجية لاستيعاب المهاجرين من شمال أفريقيا. السياق الآن أصبح أكثر تعقيداً، إلى درجة لم يعد ممكناً معها الفصل بين العوامل الاجتماعية و»الثقافية» لتطوّر العنف وتلك الاقتصادية منها. في السابق، كان التهميش الاقتصادي والاجتماعي هو المدخل الوحيد لفهم ظاهرة الاحتجاجات العنيفة التي تجتاح الضواحي في بعض هذه الدول. أما اليوم، فقد أصبح التداخل بين مختلف العوامل التي تحضّ على العنف كبيراً، وبات من المتعذّر معرفة أيّ من هذه العمليات تحصل بدافع الهويّة وأيّ منها تجري بسبب التهميش الاقتصادي والاجتماعي. ومع هذا التداخل تغيّرت أيضاً مظاهر الاحتجاج التي يقوم عليها هذا الفعل، بحيث لم يعد الاعتراض على عملية التمييز التي تحصل ضدّ المهاجرين وأبناء الفئات المهمّشة هي الأساس، وبالتالي تبدّلت وجهة العنف الممارَس من جانبهم. فبينما كانت تُمارَس في السابق ضدّ الدولة المسؤولة عن تهميشهم، بوصفها الجهة التي فشلت في دمجهم ثم لجأت إلى العنف للتعويض عن فشلها ذاك، أصبحت موجّهة الآن في طورها الجديد ضدّ المجتمع، ليس لأنه مسؤول هو الآخر عن تهميشهم، بل لكونه لا يمارس التقاليد الاجتماعية كما تفهمها جماعات العنف والقتل. هنا بالتحديد حصل التغيّر في السياق، وانتقلنا بفضل التحوّل الذي أحدثته «داعش» وباقي التنظيمات الفاشية من العنف الاحتجاجي ضدّ بطش الدولة الأوروبية وأجهزتها، وهو العامل الذي يكسب أيّ احتجاج شرعية سياسية ويعطيه الغطاء الاجتماعي اللازم لعمله إلى العنف ضدّ المجتمع، بما فيه القطاعات التي أيّدت الاحتجاجات العنيفة ضدّ الدولة في السابق. هذا الانتقال لم يغير فقط في طبيعة الاحتجاج ضدّ بطش الدولة الأوروبية، بل جعل هذه الأخيرة تستفيد من اصطفاف خصوم طبقيين وأيديولوجيين خلفها في معركتها ضدّ الطور «الاحتجاجي» الذي تقوده «داعش» حالياً.

أصبح التداخل بين
مختلف العوامل التي
تحضّ على العنف كبيراً

الطور السياسي للاحتجاج

المشكلة الأساسية في هذا الانتقال، بالإضافة إلى اعتماده على صراعات الهوية، هي في خسارة التعاطف الذي ناله الاحتجاج حينما كان موجهاً ضدّ أجهزة الدولة. في ذلك الوقت كانت القطاعات الاجتماعية في أوروبا لا تزال خارج الاستقطاب الذي حصر المواجهة لاحقاً بين الأجهزة الأمنية والتنظيمات الفاشية، وكان ثمّة إمكانية لجعلها تلعب دوراً في مساندة الشرائح الاجتماعية المهمّشة التي تتعرّض للتمييز من جانب الدولة. الصراع هنا كان على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لهذه الشرائح، وعبره كانت الأحزاب المسانِدة لحقوق المهاجرين - وهي كثيرة ولا تقتصر على اليسار فقط - تكسر الاحتكار الأمني الذي يميّز تعامل السلطة مع الأمر، عبر تحويل القضية إلى شأن عامّ يهمّ كلّ شرائح المجتمع وليس فقط السلطة وأجهزتها. وهي بذلك لم تكن تحوّلها إلى ذريعة للصراع على السلطة (على اعتبار أنّ النقاش بشأنها كان يحصل داخل المؤسّسات المُنتخَبة التي يوجد فيها ممثلون للسلطة والمعارضة) بقدر ما كانت تسعى إلى إشراك أكبر عدد ممكن من الفاعلين السياسيين بها، بهدف فرض رقابة اجتماعية وسياسية على السلطة ومنعها من استخدام المزيد من أجهزة الدولة ضدّ هؤلاء المهمّشين. هذا الضغط هو الذي أجبر السلطات في أوروبا عموماً على التراجع عن المقاربة الأمنية واعتماد المنطق السياسي في التعامل مع أيّ ظواهر عنف تشهدها الأحياء التي يسكنها مهاجرون. سمح ذلك ليس فقط بفهم الاحتجاج ضمن الممكنات السياسية له، بل أيضاً جعله يتوسّع داخل المجتمعات الأوروبية، على قاعدة أنه فعل سياسي موجّه لاسترداد حقوق قامت السلطة بمصادرتها، مستخدمةً للحيلولة دون انتزاعها مجدداً شتى وسائل العنف التي تملكها.

الطور «الداعشي»

في مرحلة لاحقة بدأ هذا النقاش يشهد تراجعاً، وخصوصاً حين شرعت أحزاب اليمين المتطرف في الصعود، منتقلةً من الهامش إلى المتن، ومخرجةً أثناء انتقالها السجال حول حقوق المهاجرين من سياقه الاجتماعي الاقتصادي عبر تحويله إلى قضية «دفاع عن الهوية». وبدلاً من عزلها كما كان يحصل دائماً أخذت الدول الأوروبية في سياق تراجعها عن قضية احتضان المهاجرين وتسهيل دمجهم في المجتمع بتبني طروحات هذه الأحزاب، عبر القبول بها في البداية كطرف سياسي له حظوظ متساوية مع باقي الأطراف في الوصول إلى السلطة. وهي حين تقوم بفعل ذلك وتتخلّى كدول عن المرجعيات الدستورية والقانونية التي تحتكم إليها في التعامل مع قضايا التمييز على أساس الهوية لا يعود ثمّة مناعة كافية للتصدي لظواهر كهذه، ويصبح المجتمع في ضوء تخلّي الدولة عن واجباتها مضطراً إلى التعايش مع الأمر. وهو ما أوصل الاحتجاجات بالضرورة إلى حائط مسدود، ودفعها إلى استهداف المجتمع الذي تخلّى عنها وأظهر في سياق تراجعه عن قيمه ومصالحه تفهّماً واضحاً لطروحات اليمين المتطرف الخاصّة بالهجرة والمهاجرين. في هذه المرحلة أيضاً بدأت ملامح «داعش» بالظهور في سوريا والعراق، وبدا أنّ السياق الداخلي لضمور الخطاب المتضامن مع المهاجرين سيشهد تطورات جذرية تجعله متساوقاً مع سياق آخر خارجي لا يقلّ خطورة عنه. الربط بين السياقين هو ما سيفضي لاحقاً إلى «دعوشة» الاحتجاج الاجتماعي الخاصّ بالمهاجرين، عبر استيعاب التنظيم لمعظم أسباب الإخفاق التي مُني بها الطور الأول، وتركيزه بدلاً من أجهزة الدولة في أوروبا على ترهيب المجتمع وإخضاعه من خلال العمليات التي تطاول مرافقه الحيوية. وبذلك لا يكون «داعش» قد غذّى صعود اليمين المتطرف على حساب باقي الأحزاب التي كانت تتبنى خطاباً معقولاً تجاه الهجرة، بل أيضاً حوّر في طبيعة الصراع، معيداً إياه إلى حيّز الاستقطاب الذي كان قد بدأ في التراجع مع صعود اليسار إلى السلطة وإيلائه القضية الاجتماعية الاقتصادية اهتماماً أساسياً.

خاتمة

يستحيل في هذه المرحلة التعويل على أحزاب أو فئات اجتماعية متضرّرة من الاستقطاب القائم بين الدول الأوروبية وتنظيمات فاشية مثل داعش. ذلك أنّ الاستقطاب لم يعد محصوراً بهذين الطرفين، بل توسّع ليشمل فئات اجتماعية جديدة كانت تعتبر نفسها غير معنية بانقسامات على أسس ثقافية أو هوياتية ،غير أنها أصبحت مضطرة في ضوء لجوء «داعش» المتزايد إلى العنف ضدّ المجتمع إلى الاصطفاف مع الدولة. وهي حين تفعل ذلك تكون قد تخلّت - ولو جزئياً - عن طروحاتها النقدية تجاه العنف السلطوي الممارس ضدّ المُهمَّشين لمصلحة خيارات سياسية لا تلاقي اليمين المتطرف في طروحاته، ولكنها تحتفظ في الوقت ذاته بمسافة من الخطاب الذي كان يتبناه اليسار في السابق دفاعاً عن قضية الهجرة.
*كاتب سوري