في الأدبيات السياسية، تتم الإشارة الى "حريق الرايخشتاغ" كمثالٍ على حادثة تشكّل "نقطة تحوّل" في المجتمع السياسي، تنتقل معها أفكارٌ عنصرية أو سلطوية أو قمعية من أن تكون محصورةً في أقلية مؤدلجة الى أن تصبح سياسات عامّة تطبّقها الحكومة، ويدعمها قطاعٌ واسعٌ من الشعب ــــ أو حتى أكثرية. نقطة التحوّل هذه (سواء كانت "طبيعية" أم مفتعلة) غالباً ما ترتكز على الخوف واستجداء ردّة فعلٍ متطرّفة من جمهورٍ فقد شعوره بالأمان. بمعنى آخر، تصبح "الفرضية العنصرية" حاكمة حين تخرج من صفوف حزبٍ أو نواة من العنصريين المهووسين، يتخيّلون أخطاراً في المستقبل ويحذّرون منها، وتضحي فرضية "منطقية" بالنسبة الى الرجل العادي في الشارع، وحلّاً مقبولاً لاسترجاع النظام والأمن ــــ وحين يصبح الخطر ماثلاً ومحسوساً وليس نظريةً، أو نبؤةً كارثية مؤجلةً الى المستقبل.

اذا ما استمرّت وتيرة عمليات "داعش" في اوروبا على شكلها الحالي، أو تصاعدت، ملتزمةً بتوجيهات العدناني (بأن لا تستهدف مقرّات عسكرية أو سياسية، بل أن تحاول ببساطة قتل أكبر عددٍ ممكنٍ من المدنيين، وألّا يسعى الانتحاريون الى أوامر وتنسيق من القيادة، بل أن يبادر كلٌّ للعمل بشكلٍ مستقلّ)، سيكون من السّاذج أن لا نتوقّع تصاعد العنصرية ضدّ المسلمين في المهجر، وتحويل "الحرب على الإرهاب" لتستهدف كلّ رجلٍ بسحنةٍ عربية وكلّ امرأةٍ ترتدي حجاباً.
عناصر "الفرضية العنصرية" هنا واضحةٌ وكاملة، وما عليك الّا أن تضع نفسك، لبرهة، في عقل مواطنٍ اوروبي تصيبه العمليات الارهابية بالذعر، وهي لم تعد حوادث متفرّقة بل احتمالاً يومياً، ومن الواضح أن الأمن والنظام السياسي الحالي غير قادرين على احتوائها ومنعها. من جهةٍ، فإنّ الحلول الأمنية التقليدية لا تنفع مع هجمات "داعش": لا يفيدك بشيء أن تؤمّن الحدود وأن تتحكّم بالداخلين الى البلد (أو أن تمنع المسلمين من الهجرة، على طريقة دونالد ترامب)، فعدوّك موجودٌ أصلاً داخل بلادك، وهو لا يحتاج الى السّفر والمرور عبر الإجراءات الأمنية. أكثر الهجمات، من جهةٍ ثانية، تجري من دون تنسيقٍ مع قيادةٍ في الخارج أو دعم تنظيمٍ عالميّ، بل هي فردية أو مكوّنة من مجموعات صغيرة، لا تنفع معها جهود المخابرات وتفكيك الشبكات المركزية. بل أن هذه العمليات لا تحتاج الى تهريب سلاحٍ ومتفجّراتٍ أو نقل أموالٍ، أو حتى تدريب ورصد ومهارة، اذ يستخدم المنفذّون أسلحة بسيطة يمكن الحصول عليها محلياً، أو يحوّلون الشاحنة والطائرة والسيارة الى سلاح، وهذا لا يمكنك أن تتحوّط منه مهما فعلت.
أكثر من ذلك، يزرع الإعلام الغربي في عقل الجمهور باستمرار مؤخراً فكرة أن أيّ فصلٍ بين "عربي جيد" و"عربي سيئ" أضحى غير ممكن بسبب ظاهرة "الداعشي اللحظي"، أي أنّ "العربي الجيّد" ــــ العلماني المتأقلم في الغرب، الذي يعمل موظّفاً في مصرف أو نادلاً في بار ــــ يمكنه أن "يُصاب" بالتديّن السّلفي اليوم، ويفجّر نفسه يوم الجّمعة. فلا جدوى، اذاً، من ملاحقة السلفيين المعروفين ومرتادي المساجد، أو اعتقال وعزل كلّ من يحتفظ الأمن بملفّات عنهم. تسقط هكذا ــــ أقلّه بمعنى الأمن والإرهاب ــــ أهمّ نظرية للتسامح مع المهاجرين في الوسط الأوروبي وأكثرها رواجاً (القسمة بين "مهاجر سيئ" و"مهاجر جيّد" نقبله ونرغبه). فحتّى هذا "العربي الجيد" ــــ الذي درس وتعلّم وصار يلبس بذّةً أنيقة ويشرب النبيذ ــــ يمكن أن يصير "داعشياً" انتحارياً في أية لحظة. بالمختصر: من وجهة نظر الناخب الأوروبي، فإنّ القاسم الوحيد المشترك بين كلّ من ينفّذ هذه الهجمات ضدّه هو أنهم مسلمون، ولا يمكن عقد أي تمييزٍ أو فرزٍ أبعد من ذلك.
في هذا السياق، لا يعود يهمّ أن "تفسّر" العمليات الإرهابية أو أن "تشرح" دوافع المنفّذين، بل سيتبع الجمهور من يعده بحلٍّ جذريّ وآني. لن يكترث المواطن الاوروبي الخائف لدوافع هؤلاء الانتحاريين ومظالمهم، أو لماضي الاستعمار، أو لقول انّ الانتحاريين هم أبناء اوروبا، وليسوا نتاج دار الإسلام ــــ لن تهمّ كلّ الحجج والتفسيرات التي قدّمناها أو يمكن أن نقدّمها حين يكون الجمهور خائفاً والتهديد ماثلاً ومميتاً. يمكننا، من اليوم، تخيّل الخطاب المعاكس لدعوات العنصريين، وكلام اليساريين الأوروبيين ــــ في البرامج الحوارية والمناظرات ــــ عن ضرورة "فهم" الانتحاريين، وأن معالجة الإرهاب لا يمكن أن تكون أمنية، وأنّ الحلّ هو عبر برامج بعيدة المدى لاستيعاب المهاجرين، وتعديل ثقافتهم، والغاء أسباب نقمتهم على البلد الذي تبنّاهم. ضع نفسك مكان الاوروبيٍّ الخائف، انّه لا يريد أن يسمع مثل هذا الكلام. هو يرى خطراً داهماً ويريد حلّاً فورياً يوقف القتل، وهذه اجراءات تحتاج الى سنواتٍ وأجيالٍ حتّى تثمر، هذا اذا ما افترضنا صحّتها في الأصل.
في سياقٍ مختلفٍ تماماً، تمّ الإعلان مؤخراً عن تنفيذ طائرات دانماركية لغاراتٍ في سوريا، معلنة دخول الدانمارك الحرب. هذا يذكّر بمشاركة البلد الاسكندينافي في غزو العراق، حين انضمّت الدانمارك الى التّحالف، بل وأرسلت غوّاصةً يتيمة الى الخليج (اضطر الدانماركيون الى تعديل الغوّاصة، التي تُبحر عادة في المياه الباردة شمال اوروبا، حتى تتأقلم مع مياه الخليج الدافئة). كان من المفهوم أن جورج بوش، ومعه بلير، سيغزوان العراق، ولكن مشاركة دولٍ كالدانمارك واستراليا هو ما أثار دهشتي يومها. المسألة تتعدّى زوال الوهم حول "اوروبا المحايدة"، الذي راج بين منظّرين عرب في التسعينيات (ذهب بعضهم الى أن الاتحاد الاوروبي سيتحدّى أميركا وينهي الأحادية القطبية)، السؤال تركّز عمّا إذا كانت الدانمارك تعي ما تفعل وأبعاده. لماذا يورّط بلدٌ من شمال اوروبا نفسه في غزوٍ لا ناقة له فيه ولا جمل، فيتحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية والتاريخية عن احتلالٍ غير قانوني، ويعلن العدوان والحرب على العراق، جاعلاً من جيشه ودولته أهدافاً مشروعةً للعراقيين؟ (هذا اذا ما افترضنا التكافؤ القانوني بين البشر والدول) هل يحقّ لهم بعد ذلك الادّعاء أنهم دولٌ مسالمة وانسانية، لا سبب لأن يقع عليها عدوانٌ وغزو؟
حين تصعد الفرضية العنصرية وتنتشر بين الأوروبيين البيض، ستبدو لهم منطقية وبديهية و"ضرورية". لن يسأل أحدٌ عن غزو العراق وعن التاريخ، ولن يلاحظ المعلّقون أن أميركا لا تعاني من الإرهاب (رغم وجود أكثر من ستة ملايين مسلمٍ فيها) فيما شريكتها الصغرى، والثانوية، أصبحت الهدف الرئيسي والقريب لـ"داعش". ولن يُطرح السؤال عمّا إذا كانت نظرة المسلمين الى اوروبا اليوم ستختلف لو أن حكوماتها لم تعِن اميركا على قتل المسلمين أو ظلّت، أقلّه، خارج المجزرة. أمّا "داعش"، فهو يعرف تماماً ما يفعله، وسيستفيد من مسار الأمور كيفما ذهبت؛ ستكون عنصرية الأوروبيين في صالحه وسيستثمر أكثر في نقمة المهاجرين. على عكس كلّ الفاعلين الاسلاميين اليوم، فإنّ "داعش" ــــ الوريث الحقيقي لـ"القاعدة" ــــ لا يبتغي أن يكسب لنفسه مكاناً داخل النظام، وأن يعترف به الغرب أو يتفاهم معه؛ الرؤية الوحيدة لـ"داعش" تتمثّل في أن يشعل النار في النّظام بأكمله، وأن يدفعه الى الفوضى، وأن يقلبه بكلّ ما فيه.