مجزرة أورلاندو التي ارتكبها الأميركي عمر متين يوم الأحد 12 حزيران 2016 والتي وقع ضحيتها 49 قتيلاً و53 مصاباً، ليست الأفظع في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، كما تصورها بعض وسائل التضليل. بل يمكن، وربما، وجب القول إن تلك المجزرة المقيتة ما هي إلا هامش في تاريخ أميركا منذ الغزو الأوروبي في عام 1492 حيث توضح الأبحاث العلمية الرزان، وفي مقدمتها، باللغة العربية، الواردة في مؤلفات الأستاذ الكبير منير العكش، أن عدد ضحايا ذلك الغزو وصل إلى نحو مئة مليون روح بشرية من أهل البلاد الأصليين، أي الهنادرة (الهنود - الحمر).

لكن ثمة مشكلة مرتبطة بقول الرئيس أوباما إن بلاده في حالة حرب على الإرهاب وإن ثمة ما يكفي من المعلومات للقول إن تلك المجزرة كانت عملاً إرهابياً. وإذا كانت واشنطن في حالة حرب على الإرهاب، أفليس من الضروري وصف تلك الجريمة بأنها كانت أحد تصرفات الحرب، حيث لا تسري التعريفات المأخوذ بها عليها لأن المجازر المرتكبة في الحروب تعد، في العادة، قتلاً غير إجرامي. ولأن الجاني ادعى بأنه يعمل لمصلحة تنظيم دولة إبراهيم البدري الإرهابية التكفيرية، وأنها رد على مجازر واشنطن في أفغانستان، فإن عمله يدخل ضمن منظور سياسي. لكن هذا لا يعني عدم إدانة الجريمة النكراء بما تستحق من نعوت.
ما يضيف إلى الطابع السياسي للمقتلة أن الجاني اختار سلاحه بعناية وهو Sig Sauer MCX، وهو رشاش رصاصته سريعة (high velocity) هدفها القتل، اخترعته مصانع القتل الأميركية للقوات الخاصة بهدف إرداء أكبر عدد ممكن من البشر في أقصر فترة ممكنة.
عودة على بدء.
- في عام 1984 قتل جماعي لواحد وعشرين إنساناً في سان إسيدرو في كاليفورنيا.
- في عام 1991 قتل جماعي في إطلاق نار عشوائي في تكساس.
- في عام 2012 قتل 27 إنساناً في إطلاق نار عشوائي في نيوتاون بولاية كنكتكت.
والقائمة تطول.
لكن علينا العودة إلى تاريخ نشوء الولايات المتحدة والمجازر التي ارتكبت بحق السكان الأصليين والتي لا يمكن وصفها بأنها عمليات قتل غير إجرامية.
- في عام 1832 قتلت القوات الأميركية 300 رجل وامرأة وطفل، من الهنادرة وعشرين إنساناً من المستوطنين الأوروبيين في منطقة باد آكس بالقرب من نهر الميسيسيبي. من ضمن قادة القوات الأميركية في تلك المجزرة الكابتن أبراهام لنكولن (محرر العبيد ما غيرو).
- في 26 شباط 1860، قتلت مجموعة من المستوطنين الأوروبيين نحو مئتي رجل وامرأة وطفل من قبيلة وايوت الهندرية. حاكم ولاية كاليفورنيا صرح في عام 1851 بأن حرب الإبادة بحق الهنادرة سوف تستمر حتى ينقرضوا!
- في 12 نيسان 1864 قتلت قوات الاتحاد تحت إمرة الجنرال ناثان فرست 227 من قوات الاتحاد من البيض والسود المجردين من السلاح، وكان ذلك في فورت بلو بالقرب من ممفيس.
- في 30 تموز عام 1866 قاد محافظ نيو أورليانز عصابة من العنصريين من الشرطة والجنود السابقين وفتحوا النار على مؤتمر لويزيانا الدستوري الذي سبق أن رفع الحظر على تحرك البشر السود وحقوقهم. نتيجة المجزرة 238 قتيلاً، منهم مئتا جندي أسود من أبطال الحرب وأعضاء في المؤتمر، و45 مصاباً.
- في عام 1913، 66 شخصاً من ضمنهم 11 طفلاً وامرأتان أحرقوا أحياءً لأنهم تجرأوا على الإضراب في شركة معادن تابعة لعائلة روكفلر.
في الحقيقة، القائمة تطول. وكما رأينا، فإن الضحايا لم يكونوا دوماً من ذوي البشرة السوداء.
ثمة حقيقة أن الثورات الدموية تخلف مجتمعات دموية، والأمثلة من التاريخ كثيرة، وتحتاج إلى عقود للتعافي من آثارها، فمتى ستتعافى هذه القوة الأسطورية من تاريخها الدموي!