سيبقى يوم انتصار المقاومة في 14 آب يوماً تاريخياً ومجيداً. لا يمكن أن ينساه أي عربي توّاق إلى الانعتاق من واقع الهزيمة، واستعادة العزة والكرامة. هذا ما يفسر حجم الهجمة الاستعمارية الإرهابية التي تتعرض لها الأمة العربية في هذه الأيام، وتستهدف إنهاء النتائج المهمة التي تحققت من هذا الانتصار الاستراتيجي.

إن تحقيق هذا النصر العظيم لم يكن ممكناً لولا العوامل الآتية:
أولاً: المواجهات البطولية التي خاضها المقاومون في ميادين القتال ببسالة، أذهلت الأعداء والأصدقاء على حد سواء. إن هذه الحرب الإسرائيلية، التي حشد لها الدعم الأميركي والغربي، ومن بعض النظم العربية الدائرة في الفلك الأميركي، عجزت عن تحقيق النصر على المقاومة في كل ميادين الحرب، العسكرية والإعلامية والنفسية. لم تتمكن «إسرائيل»، على مدى ثلاثة وثلاثين يوماً، من القصف والتدمير غير المسبوق، والمجازر النازية ضد المدنيين، من تحقيق أي تقدم على الأرض، أو إنجاز أي هدف من الأهداف التي رسمت لهذه الحرب.
ثانياً: معادلة الجيش والشعب والمقاومة التي تجلت من خلال تعزيز اللحمة الوطنية والصمود في وجه العدوان. هذه المعادلة أحبطت مخططات العدو وأعوانه في الداخل لإثارة الفتنة وإضعاف صمود المقاومين في ميادين القتال. في هذا السياق، كان لزعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون، ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية، والقوى الوطنية دور مهم في حماية ضهر المقاومة واحتضان النازحين.
ثالثاً: الدور المتقدم لرئيس الجمهورية العماد إميل لحود داخل اجتماعات الحكومة اللبنانية وفي مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، في الدفاع عن شرعية المقاومة وحقها في الدفاع عن لبنان واللبنانيين في وجه العدوان. أسهم هذا الدور في إحباط خطط فريق 14 آذار برئاسة رئيس الحكومة آنذك فؤاد السنيورة للنيل من انتصار المقاومة ومحاولة تمكين حلف العدوان من الحصول على مكاسب سياسية، بعد فشل العدوان العسكري.
رابعاً: الدعم الكبير وغير المحدود، سياسياً وعسكرياً ومادياً، الذي حظيت به المقاومة والشعب اللبناني من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والجمهورية العربية السورية.
لم يتوقف الأمر عند حدود فشل أهداف العدوان. كان من نتيجة ذلك إسقاط المقاومة للكثير من المسلمات في الصراع العربي الإسرائيلي. وتأكدت بذلك الحقائق الآتية:
الحقيقة الأولى: أسقطت المقاومة زيف ووهم القوة الإسرائيلية التي زعم أنه لا يمكن قهرها. أثبتت المقاومة أنّ الجيش الإسرائيلي هو ــ كما قال قائد المقاومة السيد حسن نصرالله ــ «أوهن من بيت العنكبوت».
الحقيقة الثانية: إسقاط نظرية الأمن الإسرائيلي. طالما كانت هذه النظرية تشكل عامل قوة لـ«إسرائيل». فطوال الحروب السابقة كان الداخل الإسرائيلي بمنأى عن الحرب التي كان الجيش يخوضها في «أرض العدو». في حرب تموز تمكنت المقاومة من نقل الحرب إلى العمق الإسرائيلي. بات النزف والتدمير متبادلاً.
نجاح المقاومة في إسقاط نظرية الأمن الصهيونية مكنها من فرض معادلة جديدة من توازن الردع والرعب. عنوان هذه المعادلة كان حيفا مقابل الضاحية، وتل أبيب مقابل بيروت.
الحقيقة الثالثة: تفوق المقاومة في الحرب النفسية. في السابق كان العدو بارعاً في هذه الحرب. السبب في ذلك، يعود إلى الانتصارات التي كان يحققها، وغياب القدرة لدى العرب على تنظيم مثل هذه الحرب وخوضها. في حرب تموز أثبتت المقاومة قدرة كبيرة على خوض الحرب النفسية. اعترف بذلك خبير علم النفس الإسرائيلي السياسي أدي ليبل، فوصف السيد حسن نصر الله بـ«أبو الحرب النفسية». فخطابات السيد ومواقفه كانت تؤثر في الإسرائيليين الذين كانوا يصدقونه أكثر مما يصدقون قياداتهم.
الحقيقة الرابعة: الانتصار في الإعلام. تجلى في شكل واضح في عجز العدو عن إسكات تلفزيون المنار وإذاعة النور اللذين استمرا في البث طوال أيام العدوان. الحقيقة الخامسة: لقد ولّد هذا الانتصار زلزالاً كبيراً في «إسرائيل» والوطن العربي.
لأول مرة تشعر «إسرائيل» بالهزيمة ومرارتها بهذا الحجم. تكشّف عجزها عن حماية أمنها أو تحقيق أي إنجاز في ميدان المعركة، في مواجهة بضعة آلاف من المقاومين. أدى هذا الزلزال إلى تفجير أعنف أزمة يشهدها الكيان الصهيوني منذ نشأته. كان من نتيجتها تشكيل لجنة فينوغراد للتحقيق بأسباب الفشل في الحرب، التي خلصت إلى الإقرار بالهزيمة أمام المقاومة.

أسقطت المقاومة الكثير من المسلمات في الصراع العربي ـ الإسرائيلي

في مقابل هذا الزلزال في كيان العدو، كان هناك زلزال آخر على الصعيد العربي، لكن في اتجاه معاكس. أدى الانتصار الكبير إلى تحرير المواطن العربي من وهم عدم القدرة على هزيمة القوة الصهيونية وجبروتها. أزال من عقله الإحساس بالهزيمة والشعور بالذل والمهانة. أعاد إليه الإحساس بالعزة والكرامة اللتين افتقدهما لعقود طويلة. أسقط هذا الانتصار كل مبررات وذرائع الأنظمة العربية التي وقعت اتفاقات صلح مذلة مع العدو، بحجة عدم القدرة على تحرير الأرض عبر القوة العسكرية. وكشفت عورات الحكام الذين تنصلوا من المقاومة ووصفوها بالمغامرة.
إذا كان ذلك لم يفرح أنظمة الخنوع والاستسلام، إلا أنه خلق نهوضاً عربياً شعبياً قل نظيره، تجلى ذلك في التظاهرات التي عمّت أرجاء الوطن العربي دعماً للمقاومة.
من دون شك، إن المقاومة، بعد مرور كل هذه السنوات على انتصارها الكبير، باتت تملك الخبرة والقدرة، أكثر من أي وقت مضى، على مقارعة العدو. كذلك حاول العدو الاستفادة من دروس إخفاقه والاستعداد مجدداً من أجل ردم الفجوات التي ظهرت في صفوفه خلال الحرب، فإن المقاومة عمدت إلى دراسة الحرب ونتائجها. غير أن المعادلة الجديدة التي فرضتها المقاومة في حرب تموز باتت قيداً يكبل القوة الإسرائيلية، فمهما امتلكت من وسائل تكنولوجية وأسلحة متطورة فإنها لن تكون قادرة على تجاوز هذه المعادلة. من هذا المنطلق كانت الحرب الإرهابية بقيادة الولايات المتحدة، ضد سوريا. هدف هذه الحرب طبعاً السعي إلى: 1ـ محاولة قصم ضهر المقاومة وإسقاط إحدى ركائزها وقلاعها الأساسية التي شاركت في صنع نصر تموز. 2ـ الثأر لهزيمة الجيش الصهيوني، وإسقاط المعادلة الجديدة التي كرسها انتصار المقاومة. 3ـ تشكيل بيئة جديدة لمصلحة المشروع الصهيوني الأميركي تمكنه من العودة إلى الإخلال بموازين القوى في كل المنطقة.
لكن هذا المشروع الصهيوني ــ الغربي واجه بالفشل والإخفاق مجدداً، فهو اصطدم بصمود سورية، مدعومة من أطراف حلف المقاومة وروسيا والصين. وأدى هذا الفشل إلى: انفراط الحلف الدولي الذي شكّل بقيادة أميركا في بداية شنّ الحرب، بواسطة القوى الإرهابية التي جندت فيه وارتداد الإرهاب على الدول الداعمة له.
إذا كان من المبكر الحديث عن النتائج التي ستتمخض عن فشل الحرب على سورية، فمن دون أدنى شك إن انتصار محور المقاومة هناك يعني عملياً فشل إسرائيل في الثأر لهزيمتها وانتصار جديد لمحور المقاومة وتعزيز قوته.
ــ سقوط مدوٍّ لمحاولة تعويم المشروع الأميركي في السيطرة والهيمنة على المنطقة والعالم، وولادة نظام دولي جديد يقوم على التعددية.
هذه النتائج التي بدأت مؤشراتها بالظهور تصبّ في مصلحة دعم القضية الفلسطينية ونصرة مقاومة الشعب الفلسطيني، وسقوط مشروع تصفية هذه القضية، إلى جانب نشوء بيئة جديدة لمصلحة خط المقاومة والتحرر من الاحتلال والتبعية لقوى الغرب الاستعماري.
لهذا كان من الطبيعي أن يعبّر القادة الصهاينة عن قلقهم الكبير من الفشل في إسقاط الدولة السورية، والقول: إن انتصار الرئيس بشار الأسد وحلفائه سيكون «هزيمة استراتيجية لإسرائيل».
* صحافي لبناني