كرر مسؤولون روس، عشرات المرات، رغبتهم في التنسيق العسكري مع واشنطن وصولاً إلى تنفيذ عمليات مشتركة ضد الإرهابيين في سوريا خصوصاً. أعلنوا أكثر من مرة أن تفاهمات قد أُقرّت لهذا الغرض. تعامل الطرف الأميركي، في مستوييه العسكري والسياسي، بالنفي أحياناً، وبالتجاهل أحياناً، وبالتقليل من شأن الإعلانات الروسية أحياناً ثالثة. آخر هذا المسلسل إعلان مسؤولين في القيادة الروسية (وزير الدفاع خصوصاً) الاتفاق مع «الشريك» الأميركي (الذي لا شريك له!) على تنفيذ عمليات عسكرية مشتركة في سوريا ضد الإرهابيين. بدا هذا الإعلان، على لسان مسؤول كبير كوزير الدفاع، أقرب إلى التمني قياساً بما يتطلبه إعلان من هذا النوع من مقدمات وتفاهمات وتحولات... ربما يكون هذا الإعلان، على لسان المسؤول المذكور، من قبيل التوريط أو الإحراج أيضاً. لكن إذا تابعنا الأسلوب الروسي في الإعلان والإعلام، والتحركات والانعطافات التكتيكية، فقد نستنتج أن بعض المواقف الروسية ينطوي على شيء من الخفة أو التسرع أو نقص الاحتراف. حدث ذلك، مثلاً، في موضوع العلاقات الروسية الإسرائيلية والتعويضات غير المبررة للمهاجرين وقصة الدبابة الشهيرة التي «أهداها» الرئيس الروسي للإرهابي الصهيوني نتنياهو. حدث هذا الأمر، رغم الفارق في المضمون، عندما أعلن الرئيس الروسي إنهاء العملية الروسية في سوريا وإعادة «معظم» القوات الروسية إلى قواعد انطلاقها في بلدها بعد اندفاعة حققت، بالتشارك مع الجيش السوري والحلفاء، إنجازات ميدانية كبيرة، ما أعطى القوى المعارِضة بكل أطرافها، وخصوصاً الإرهابية منها، فرصة التقاط الأنفاس، وأعطى داعمي هذه القوى فرصة احتواء بعض تلك الإنجازات (خصوصاً في مدينة حلب التي ما زالت واسطة العقد في معارك الشمال ذات الطابع الذي قد يصبح حاسماً في كل الصراع الدائر في سوريا وعليها).

لا ينبغي اعتبار التوصل إلى تفاهم عسكري مع الأميركيين، ضد الإرهاب في سوريا، أمراً خاطئاً. لكن صياغة هذا الأمر هي التي تصنع الفارق الذي قد يكون جوهرياً أحياناً. لا بد من مطالبة واشنطن بهذا التفاهم إذا كانت جادة، فعلاً، في الحرب على الإرهابيين وفي هزيمتهم. ينبغي، بالتأكيد، التحريض على نهجها في إخضاع ما تعلنه من «حرب» على الإرهاب، وما تقيمه لهذا الغرض من تحالفات وأحلاف وعلاقات، لمصالحها الخاصة ولسياساتها القائمة على تعزيز النفوذ والنهب والهيمنة، في المنطقة والعالم، والتي في رصيدها الكثير من الارتكابات والجرائم خدمة للأهداف المذكورة. يجب عدم نسيان أن ملف واشنطن مع الإرهاب والإرهابيين هو ملف أسود في كثير من جوانبه. هي لعبت دوراً مخزياً في خلق الإرهاب وفي تغذيته ودعمه بغرض توظيفه: منذ أفغانستان حتى يومنا هذا (حيث لا تزال تناور وتداور بغرض استخدام المتطرفين رغم انفلات إجرامهم ووحشيته وتوسعه إلى الولايات المتحدة نفسها).
رغم كل ذلك، فإن المعركة الدائرة ضد الإرهاب، اليوم، تتطلب، من أجل تحقيق إنجازات كبيرة وسريعة وتفادي المزيد من الكوارث والخسائر والدمار، تنسيقاً أميركياً روسياً واسعاً وفعّالاً. إن خطر الإرهاب يهدد كل العالم. مواجهته تتطلب الحد الأقصى من التعاون والتنسيق على المستوى الدولي وليس الثنائي فقط. لكن واشنطن تقيس كل خطواتها بمقياس مصالحها وأطماعها ونزعتها الدائمة نحو الهيمنة والتفرد. لذلك، ومن قبيل اللحاق بالكذّاب إلى باب الدار، يجب تطويق واشنطن بالمطالب والضغوط، وفضح الجانب اللاأخلاقي من سياساتها في هذا الشأن. هذا يختلف عن تجميل مواقفها أو توهم فرض خطوات ومواقف عليها بمجرد الإحراج أو الإعلان أو الاستدراج غير المبني على مقومات وتوازنات وضغوط مؤثرة...
على الجانب الآخر من الصورة، يحاول الأميركيون، ضمن استراتيجية أعلنها الرئيس الأميركي وأتقن نقلها إلى حيز التنفيذ، الاستفادة، حتى من الدور الروسي نفسه. هو يقود لعبة توزيع أدوار لإضعاف الإرهابيين من دون أن يقطف الطرف الروسي ثمار مبادراته وتضحياته. روسيا، بالنسبة، للإدارة الأميركية منافس لا شريك. الشرق الأوسط «كرمهم» وهم لا يرتضون، إذا استطاعوا، مجيء أو عودة «الدب الروسي» إليه. لذلك هم يمارسون من التنسيق مع القيادة الروسية بما لا يجعل المبادرة تفلت من أيديهم. أكثر من ذلك، هم يحاولون، لهدف استراتيجي بالنسبة إليهم، منع روسيا من تحقيق أي إنجازات كبيرة في هذه المنطقة وفي كل العالم. وسائلهم إلى ذلك عديدة؛ أبرزها مواصلة الحصار ضد روسيا وإحاطتها بشبكة من القواعد العسكرية المعطلة، استراتيجياً، لتقدمها الباهر في بعض الحقول العسكرية. العقوبات الاقتصادية عامل مهم، أيضاً، في إلحاق الضرر بالقدرات والثروات والأسواق الروسية. أما أهم هذه الوسائل، حالياً، فهو استنزاف روسيا حيثما قررت تجاوز الخطوط الحمر الأميركية، ولا سيما في سوريا التي نفذت فيها موسكو عملية جريئة ومحرجة لواشنطن، خصوصاً حيال عدد من أبرز حلفائها، كالسعودية اقتصادياً وتركيا عسكرياً. إن الأميركيين يراهنون بالفعل على «تعب» روسي: سياسي واقتصادي وعسكري وبشري... يراهنون بالتأكيد على أن يؤدي ذلك إلى نقمة شعبية متراكمة ضد الرئيس بوتين وحكومته، خصوصاً بعد أن تراجعت مداخيل روسيا من النفط إلى أكثر من 60%، وفقد الروبل الروسي حوالى نصف قيمته. ثم إن التدخل الروسي في سوريا قد تجاوز المدة المحددة أصلاً له (3 حتى 6 أشهر). النفقات الخاصة به التي وعد رئيس الوزراء مدفيدف بأنها من خارج الميزانية العامة باتت مفتوحة... لذلك وسواه من حق القيادة الروسية أن تحاول تقليص مدة انخراطها في الأزمة السورية بعد أن تُحقق بعض أو كل أهدافها.هذا يخدم، أيضاً، مصالح الشعب السوري وكل العالم إذا تمّ القضاء على الإرهاب والتطرف بشكل سريع وفعال... لكن واشنطن في واد آخر. ثمة ثأر بين الإدارة الأميركية (أي إدارة) وكل من يحاول، في روسيا، إعادة هذا البلد العظيم بطاقاته وموارده وتاريخه ومساهماته في محاولة تغيير العالم، إلى دوره الطبيعي كقوة عظمى في هذا الكون. لن يغفر قادة الولايات المتحدة (في المجمع الحربي الصناعي وكبريات الشركات الاحتكارية) للرئيس الروسي محاولته نزع الوصاية الأميركية عن روسيا ومساعي واشنطن لتفتيت وتعطيل دورها وقدراتها.
لا تلغي ثُغر في السياسة التي تواظب عليها القيادة الروسية الراهنة، نجاحات كبيرة في داخل الاتحاد الروسي وعلى مستوى العالم. حرب روسيا ضد الإرهاب هي إحدى المبادرات البالغة الأهمية على المستوى الاستراتيجي العالمي: سياسياً وعسكرياً وأخلاقياً! لا بد من معالجة تلك الثُغر. لا بد أساساً من تعاون فعّال ومخلص ونزيه مع القيادة الروسية، من قبل الأطراف، في المنطقة، التي استفادت من الاندفاعة والتدخل الروسيين في سوريا خصوصاً والمنطقة عموماً. روسيا ليست مجرد قبضاي نوظف عضلاته، أو تاجر سلاح نشتري بضاعته!
شؤون المنطقة والعالم إلى تداخل وتفاعل لا سابق لهما. صياغة استراتيجيات تعاون طويل الأمد، شامل وفعَّال، هي أحد أشكال مواجهة سياسة الهيمنة الأميركية في المنطقة والعالم.
* كاتب وسياسي لبناني