يأتي وقت ـ في الحروب التي لا تنتهي بمنتصر ومهزوم ـ لتجرّع الحنظل. وقت يجلس فيه المتحاربون على طاولة المفاوضات مع الخصم، والعدو، والمجرم، ليتحدثوا عن... المستقبل!


تحوّل

تحولت الثورة السورية الباسلة الى التسليح، ومن ثم الى التطييف بفعل وحشية النظام من جهة، وتمويل وتسليح دول الإقليم من جهة ثانية. تضافرت جهود العدوين: النظام ودول الإقليم لإنهاء الثورة السياسية وتحويلها الى حرب إقليمية ودولية، لا تمثل لا إرادة السوريين ولا أهداف ثورتهم المغدورة! وعليه أصبحنا بعد خمسة أعوام ونصف العام على قيام الثورة، وأكثر من أربعة أعوام ونصف العام على تحويلها الى حرب أمام خريطة تختلف جذرياً عن خريطة سورية عام 2011.
فلقد تم قتل أكثر من نصف مليون سوري! واعتقل واختفى مئات الآلاف! وتم تشريد أكثر من نصف السكان! وتم تدمير عشرات القرى والأحياء ومسحت معالمها مسحاً! أمام هذه الكارثة غير المسبوقة لا في سورية ولا في كل منطقة، انخفضت مطالب الشعب السوري ـ الساعي الى الحرية والكرامة والديمقراطية ودولة القانون ـ الى أدنى حد: الخلاص من آتون الحرب بأي ثمن.

خيارات

الشعب السوري اليوم أمام مفترق طرق، إما أن تستمر الحرب ـ كما يتمنى النظام وتتمنى الفصائل المسلحة ـ ولو أدى ذلك الى إنهاء سورية، عمراناً، ودولةً، ومجتمعاً! وإما أن تنتهي حالة الحرب، بغض النظر عن الثمن الباهظ الذي سيدفعه شعبنا لإرضاء مصالح الأطراف المتصارعة، فوق الثمن الذي دفعه حتى اليوم من خرابٍ ودمارٍ وسفكٍ لدماء أبنائه.

استحالة الحسم

بعد أربعة أعوام ونصف العام من القتال، والذي وضعت فيه المعارضة المسلحة ومعها داعش والنصرة يدها على مساحات واسعة من الأراضي السورية أصبح القتال سجالاً، ثم مال العام الفائت الى كفة المعارضة المسلحة في أكثر من منطقة، مما حدا بالروس الى تدخلهم الجوي، الأمر الذي رجّح كفة النظام العسكرية في الأشهر الستة الفائتة، ويخوض الطرفان معارك طاحنة الآن في حلب سيكون لها تأثير هام على مسار المفاوضات.
السنوات الماضية والسنة الأخيرة خصوصاً مثال عياني على صعوبة بل استحالة الحسم العسكري نظراً إلى القوى الدولية والإقليمية التي تقف خلف كل طرف محلي؛ فما أن يضعف أحد الطرفيين عسكرياً حتى يسارع حليفه الخارجي الى تقويته ليستعيد توازنه من جديد. وإذا تفوق هذا الطرف بسبب هذا يسارع الطرف الخارجي المقابل الى تقوية حليفه المحلي! مما يجعل الحرب سجالاً مفتوحاً، يمكن لها أن تستمر سنوات وسنوات! ولنا في الصومال مثال واضح على انهيار كل شيء بفعل الحرب المديدة المفتوحة. هذا التوازن القاتل هو الذي حدا بالدولتين الكبريين للوصول الى اتفاق على مخرج سياسي للصراع في سورية... فاتفاق جنيف (حزيران 2012) وڤيينّا (تشرين الثاني 2015) ليسا هدية من أحد، ولا عطفاً على أحد، فالدول الكبرى صاحبة مصالح، وليست جمعيات خيرية للشعوب المغلوبة على أمرها!

الرياض

أصبح واضحاً أن القرار الدولي الأميركي ـ الروسي بالمضي نحو الحل السياسي يصطدم بالقوى الإقليمية والقوى العسكرية المحلية. فلا زالت القوى الإقليمية تعتقد بإمكانية الحسم العسكري لأحد الطرفين، ولم تنخرط حتى الآن في الآليات التنفيذية للقرار الدولي غير أنها لا تستطيع أن تعاكسه، وجل ما تستطيع فعله الآن ـ وهي تفعله حقيقة ـ هو ان تعرقل هذا القرار وتماطل فيه آملة أن تحمل لها الأيام إمكانية الحسم الموهوم! تماثل الميول المحلية (للنظام والمجموعات المسلحة)، الميل الإقليمي الساعي للعرقلة، يعزز هذا الميل استفحال ظاهرة امراء الحرب لدى كلا الطرفين (الأجهزة الأمنية وقادة المجموعات المسلحة). هؤلاء الأمراء استحوذوا بسبب الحرب على سلطات وثروات ما كانوا يحلمون بها في أي يوم من الأيام. ذهبت القوى السياسية السورية والقوى المسلحة الموافقة على الحل السياسي الى الرياض. ولا بد من القول أن القوى التي شكلت في الرياض الهيئة العليا للمفاوضات لم تذهب الى هناك بناء على قرار سعودي، بل ذهبت بناء على قرار دولي. بهذا المعنى لم يذهب أحد الى الحضن السعودي، ولم يتماهَ أحد مع توجهاتها، فلقد اختارت الرياض فرقاء وڤيينّا مكاناً للاجتماعات وتشكيل وفد التفاوض. دون اغفال ما يحمله ذلك من امكانات الضغط عليها بالطبع من قبل الدولة المضيفة!

لا تزال القوى الإقليمية تعتقد بإمكانية الحسم العسكري في سوريا

لا تفاوض

تم إنجاز ثلاثة لقاءات تفاوضية في جنيف لم تسفر عن شيء، بل أن وفد النظام ووفد الهيئة العليا للمفاوضات لم يجلسا سوية (!) ولم يتبادلا الكلام، بل تم الأمر بالوساطة! هكذا وجدنا أن القرار الدولي الذي اتخذه الأميركيون والروس في ڤيينّا بدعم أوروبي وإقليمي لم يتم تطبيق شيء منه، وهذا يشير بوضوح لما سبق وذكرناه حول امكانية دول الاقليم والقوى العسكرية المحلية في العرقلة والتأجيل!!! بانتظار أن يأتيهم الترياق في الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني القادم!
لم يكن خافياً ـ منذ الأيام الأولى لمؤتمر الرياض ـ بأن دول الإقليم (السعودية ـ قطر ـ تركيا) ستعمل على ترجيح كفة تصوراتها لمستقبل سورية من خلال الضغط على وفد التفاوض والتدخل في صغائر قراراته وكبائرها! ليس في الأمر ما هو مستغرب فعندما يستعصي النصر على الدول الداخلة في صراع مسلح ستعمل على تحقيق مصالحها بالتفاوض قدر ما يسمح به ميزان القوة على الأرض، وفي الحين الذي تعلم فيه بأن الحل السياسي غير ممكن إلا بوجودها، فإنها تنسى ـ متعمدةً غالباً ـ أن ما لم يؤخذ بالقوة لا يمكن استجراره بالمفاوضات! ولنا في المثالين اللبناني والفلسطيني لحظتان للتأمل:
فالقوى العسكرية التي انخرطت في الحرب الأهلية اللبنانية وساهمت في كل ويلاتها هي التي أنجزت اتفاق السلام في الطائف، وليس القوى السياسية التي كانت خلال ما يقارب العقدين رافضة للحرب والقتل. وعلى الضفة الفلسطينية، فإن ما لم يستطع انتزاعه الفلسطينيون بالحرب خلال عقود لم يستطيعوا أن يأخذوه للآن بالتفاوض بعد ثلاثة وعشرين عاماً على اتفاق أوسلو 1993.
عليه فنحن ماضون الى مفاوضات تساهم فيها كل القوى الداخلة في الصراع محلياً، وإقليمياً، ودولياً، مباشرةً أو بالنيابة. كما أننا ماضون ـ إذا نجحت المفاوضات ـ ليس الى سورية الديمقراطية الموعودة، بل الى اقتسام للسلطة. ليس الى حلمنا بدولة مواطنة وحريات، بل الى سلطة غير واضحة المعالم، ليس لها أي حسنة سوى إنهاء الحرب القائمة.

الهيئة العليا

الهيئة العليا الآن أمام عدة استحقاقات ستلعب بمصير المفاوضات دون شك؛ الأول يتمثل بضرورة توسعتها لتشمل كافة الأطياف السياسية الساعية للحل السياسي مثل ممثلي أبناء شعبنا الأكراد، مع المعرفة بأن هذا يصطدم باصرار تركي على استبعادهم (دون إعفاء تأثيرات فشل الانقلاب على توجهاتها في الملف السوري)... الثاني يتمثل بدمقرطة الهيئة العليا، أي جعلها صوت متوازن لكافة القوى الداخلة فيها، والنأي عن الميول الشخصية والاستبدادية في اتخاذ القرارات... الثالث رسم حدود لتأثيرات دول الإقليم عليها. علماً أن تلك التأثيرات موجودة وهي جزء من طبيعة الصراع... لكن دون أن يؤدي ذلك الى جعل الهيئة العليا ألعوبة لدى تلك القوى.
اذا لم تستطع الهيئة العليا ملاقاة التحديات السابقة فإن ذلك يُضعفها بل يجعل مصيرها في مهب الريح، واذا استطاعت الاستجابة لتلك الضرورات فإنها تضع نفسها على سكة السلامة في مفاوضات طويلة ومضنية مع نظام استبدادي أمني لم يترك شاردة أو واردة في قاموس القمع والدمار إلا واستخدمها بحق شعبنا. شعبنا الذي يعرف الكارثة التي يغرق بلدنا فيها اليوم، ويعرف أن الليل مهما طال ـ ومهما يكن شكل الدولة التي سترسمها المفاوضات ـ له آخر، وهو ـ في غمرة القتل والقصف ومجالات التفاوض ـ لن ينسى حقوقه المشروعة، حقوقه في دولة تحترم الحريات، وتحفظ كرامة الأفراد، دولة قانون، وفصل للسلطات، وانتخابات نزيهة... دولة حديثة طال انتظارها منذ قرن من الزمن.

(افتتاحية مجلة «الآن» الناطقة بلسان حزب العمل الشيوعي السوري - اب 2016)